السبت 14/8/1440 هـ الموافق 20/04/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الضَّياع في الحنين في سيراويّة عادل سالم ....د. علا عويضة

 الجنس الأدبيّ

 

لقد توّج الكاتب مؤلَّفه الحنين إلى المستقبل من خلال تحديده للجنس الأدبيّ: رواية. لم يكتف الكاتب بذلك فكتب في عتبته الدّاخليّة، بعد الإهداء مباشرةً وبالخطّ العريض: "هذه رواية". وأضاف: "تنقلُ واقع بعض المغتربين في الولايات المتّحدة، ليست سيرةً ذاتيّةً لشخصٍ محدّدٍ، والأسماء الواردة فيها، من خيال المؤلِّف، فإن تطابقَت مع أسماء من الواقع مرّوا بالتَّجربة نفسها، فهي مجرَّد صدفةٍ" (ص 7).

 

أمّا نحن، فنخرج عمّا وضعه الكاتب!! إذ يبدو أنَّ النَّصَّ، في أساسه، يقوم على سيرةٍ ذاتيّةٍ غير أنَّ تقنيات بناء الرّواية التي وظّفها الكاتب في عمله هذا جعل منه جنسًا أدبيًّا آخر، حيث دمج النَّمطين بشكلٍ مُحْكَم، فلا يقف المتلقي بفروقٍ محدّدةٍ بينهما، إلا أنّنا نستطيع التمييز بينهما فنّيًّا.

 

تجدر الإشارة إلى أنَّ الحدَّ الفاصل بين السّيرة الذّاتيّة المكتوبة بقالبٍ روائيّ (أيّ السيرة الذّاتيّة الروائيّة) والرواية الفنّيّة التي تعتمد على أجزاء من حياة الكاتب الشخصيّة (رواية السّيرة الذّاتيّة) هو التزام الكاتب بالحقيقة، والكشف عن غرضه أي التصريح بأنّه يكتب سيرةً روائيّة في قالبٍ روائيّ، بالإضافة إلى إعلان اسمه الحقيقيّ وأسماء الشّخصيات والأماكن، بغض النّظر عن الجانب المتخيَّل في العمل. أمّا إذا خلع الكاتِب على نفسه اسمًا آخرَ (كما هو الحال في الحنين إلى المستقبل) فيكون بهذا يكتب قصةً أو روايةَ سيرةٍ، وعندها لا يجوز له الإشارة إلى أنّها سيرة. ولعلّ ذلك هو السّبب الذي دفع الكاتبَ إلى تصدير عمله بالتصريح بجنس هذا العمل (رواية)، إلا أنّه نقض هذا الميثاق الذي عقده مع القارىء من خلال العمل نفسه.

 

هذا العمل، ليس سيرةً ذاتيّةً، ولا روايةً، ولا سيرةً ذاتيّةً روائيّةً، إنّما روايةُ سيرةٍ ذاتيّةٍ، نسمّيها سيراويّة.

 

أمّا فيما يتعلّق باسم المؤلِّف فلا نجد له ذِكرًا إلا على الغلاف. ويبدو أنّه اكتفى بذلك ليوفِّر للمتلقي إمكانية التّخييل الذي توفّره هذه الثنائية: سيرة- رواية، مكتفيًا بضمير المتكلّم في بعض أجزاء السّيراوية، ليقوم مقام الاسم، على نحو ما جاء في الفصل السّابع؛ الأمر الذي يدلّ على التطابق بين السّارد (الأنا) والشّخصيّة الفاعلة والمؤلِّف. لقد جاء هذا التّستُّر على الاسم لخدمة العمل الفنّيّ الذي يتمثّل في إيصال بعضِ سيرتِه بقالبٍ روائيّ.

 

حين يكتب الكاتب سيرته الذّاتيّة لا يكون في حالة تصوّرٍ إنّما في حالة تذكّرٍ. وعليه، في كتابةٍ من هذا النّوع، كتابة رواية تعتمد على سيرة الكاتب الذّاتيّة، على الكاتب أن يلتزم الحقيقيةَ التّاريخيّة، من جهةٍ، وأن يكتب بأسلوب فنّيٍّ، من جهةٍ أخرى، مستعينًا بعناصر الفنّ الروائيّ المختلفة، نحو: التصوير، التخيّل، الحوار، مناجاة الذات وغيرها.

 

إنَّ هذا العمل الأدبيّ نصٌّ استعاديٌّ نثريٌّ، كتب فيه الكاتب عن وجوده الذّاتيّ مركّزًا على حياته الفرديّة وعلى تاريخ شخصيّته. نَقَلَ أحداثا ووقائعَ حقيقيّةً مختلفة، نحو: مكوثه في سجون الاحتلال، السّجن في الخارج بسبب التهرّب من الضريبة، الابتعاد عن الأهل، وذلك من خلال شخصية نعيم قطينة. أراد بذلك الإشارة إلى حياة المغتربين العرب في السّجون الأمريكيّة، والمقارنة بين حال الأسرى في سجون الاحتلال وفي السّجون الأمريكيّة. أبرز ما جاء في المقارنة بين السِّجنَين هو العنصريّة، العنصريّة العِرقيّة والدّينيّة، العنصريّة تجاه العرب والسّود الذين يتعرّضون هم أيضًا للاضطهاد من قِبل الأمريكيّ الأبيض (ص153). وأبرز أنواع العنصريّة التي كرّرها الكاتبُ في أكثرَ من موضعٍ هي تلك العنصريّة الموجّهة ضدّ العربيّ المسلم الذي يتّهمه الآخر، الأمريكيّ، بالإرهاب (انظر على سبيل المثال ص 161). ليدلّ بذلك على جهل الآخر بالحقيقةِ، على جهله بمفهوم الإسلام وقِيَمه وانغماس الآخر في سياسيةٍ تحريضيّةٍ.

 

أمّا السَّجّان، في نظره، فهو السّجّان وإن اختلف المكان (ص 18). 

 

كذلك أشار الكاتب إلى العديد من المشاكل الاجتماعيّة التي تواجه الشّبان العرب في الخارج، نحو زواجهم من الأجنبيّات بهدف الحصول على الجنسيّة ظنًّا منهم أنَّ ذلك سيوفّر لهم مستقبلا أفضلَ.

 

لقد جعل الكاتب هذه المشاهد المستقاة من سيرته في قالبٍ روائيّ، رتّب أحداثها ووقائعها لتُسردَ على المتلقي بطريقة التقابل، ممثّلا بذلك للعلاقة بين الذّاكرة والمتخيَّل في السّيرة الذّاتيّة.

 

الحنين إلى المستقبل، عملٌ أدبيٌّ واقعيّ، يجسِّد مشهدًا واقعيًّا يتقاطع مع سيرة الكاتِب نفسه، وإن أنكر هو ذلك. عادل سالم كان أسيرًا في سجون الاحتلال الإسرائيلي وسُجن في أمريكا بتهمة التهرّب الضريبي، فألبَسَ هذا العمل ثوب الحقيقيةِ من جهةٍ وثوب الخيال من جهةٍ أخرى.

 

يبدو أنَّ الدّافع إلى كتابة هذا النّصّ يعود إلى جهتين: عقلاني وعاطفي. أمّا الجانب العقلانيّ فيتجلّى من خلال رغبة الكاتب في صياغة واقع ما وإدلاء شهادته بهذا الواقع من خلال تجاربه في الحياة. أمّا الجانب العاطفيّ فيعود إلى رغبته في تحدي الزّمن ومحاولة إدراك وجوده.

الجماليّات

 

تتحقّق جماليّات هذا الشّكل السّرديّ، رواية السّيرة، بفضل التفاعلات الخلاّقة بينهما كشكلين أدبيين سرديين، والتي أدّت إلى ولادة شكلٍ ثالثٍ يحمل خصائصَ تختلف عنهما.

لقد جمع الكاتب في سيروايته نمطَين مختلفَين ومتكاملَين من رواية السّيرة، يكشف كلٌّ منهما عن وجهٍ من وجوه العلاقة بين التّجربة الواقعيّة للمؤلِّف من جهةٍ، وبين المخيَّلة الإبداعيّة للمؤلِّف من جهةٍ أخرى، وذلك من خلال تصويره لذاته ولمجتمعه. أمّا النّمطان فهما:

 

    استخدام تقنيّات السّرد الروائي كأداةٍ لاستعادة، لإبراز ولإدانة العنف الذي تعرّض له، وتحوِّله من موقع الضّحية إلى موقع المقاوِم لكلِّ أشكال الظّلم والعنصريّة. يظهر ذلك جليًّا في السّجن الأمريكيّ، حين تعرّض نعيم إلى التمييز العنصريّ والعنف الكلاميّ من قِبل أحد النزلاء، فاستجمع قواه بدعمٍ من قوى أخرى مستضعَفة، متمثّلةً بصديقه الأسود (إي جي)، وواجه الأمريكي الأبيض (تيموثي) الذي يمثّل كلَّ البيض العنصريين. وبينما كان الأخير، الأمريكيّ الأبيض، مسلَّحًا بالقوّة والعنصريّة، كان هو، العربيّ، مسلَّحًا بقوّة الحقّ. كان ضحيّةً لكنه سرعان ما تحوّل إلى رمزٍ لمقاومة هذا التمييز.

    استخدام الشّكل الروائيّ كقناعٍ فنّيّ يعبِّر الكاتب من خلاله عن آرائه ومواقفه، ويحاول كذلك استعادة تجاربه في منظور نقديّ تأمليّ.

 

 

المنظور التعبيري

لقد تعدّدت المستويات اللّغويّة في النّصّ، فجعلَنَا الكاتبُ أمام لغةٍ فصيحةٍ متوسّطةٍ، كما أنَّ الحوار بين الشّخصيّات، رغم تفاوتها، جاء على هذا الشّكل. بالإضافة إلى استخدام اللّغة العاميّة التي جاءت بشكلٍ عفويّ، واستخدام كلمات أجنبيّة (أوكي..). تجدر بنا الإشارة إلى الشّتائم الأجنبيّة التي كانت تدور بين نزلاء السّجن في أمريكا، وقد ذكرها الكاتب في أكثرَ من صفحةٍ ناقلاً بذلك البيئة الواقعيّة للسّجن الأمريكيّ، فالشتائم هناك تنهال ككلمة الترحيب "السّلام عليكم". ذكر عدة شتائم باللّغة العربيّة (ص 111، 112)، وجعل الأخرى باللّغة الأجنبيّة ولكنّه كتبها بحروفٍ عربيّةٍ وحروفٍ أجنبيّةٍ (ص 112، 113)، رغم أنَّ القائل واحدٌ، أجنبيّ!! أمّا سبب ذلك فهو غير واضحٍ ولم نجد له أيَّ مبرّرٍ، سوى التحفّظ من ترجمتها!

 

كذلك السّرد جاء متنوّعًا، فتارةً يكون الكاتب السّارد والراوي العالِم بكلّ شيء مستخدِمًا صيغة الغائب (كما في الفصل السادس عشر)؛ وتارةً أخرى، يأخذ دور البطل ويروي حكايته بنفسه مستخدمًا ضمير المتكلّم "الأنا" (نحو ما جاء في الفصول: الخامس، السّابع والثامن وغيرها)، حيث تماهى المؤلِّف مع الأنا ومع الراوي، فكان ظلُّه حاضرًا في الحوار مقرِّبًا بذلك النّصّ من الحياة الحقيقيّة.

 

لقد عبّر الكاتب من خلال ضمير المتكلّم والمونولوج الداخلي عن الجانب النفسيّ للشّخصيّة، وعن أفكاره، آرائه ومواقفه.

 

أمّا الأسلوب المسيطِر في السّيراوية فهو أسلوب الراوي الثّاني، حيث خاطب الشخصيّة الرئيسيّة بضمير المخاطَب (نحو ما جاء في الفصول: الثّاني، الثّالث، السّادس، التّاسع والعاشر وغيرها)، فَفَصَلَ بين ذاته وبين الشّخصيّة الرئيسيّة من جهةٍ وأشار إلى نفسه من جهةٍ أخرى. كما بدا وكأنّه يخاطب المتلقي جاعلا إيّاه جزءًا فاعلا من الحدث، يشعر بتتابعية الحركة في الزّمان والمكان والأحداث. لقد وُفّق الكاتب في توظيف هذه الآلية ليتآلف ذلك مع الثنائيّة الجنسيّة للنّص: سيرة- رواية.

 

لم يخلُ هذا العمل النثريّ من التعابير الفنيّة الشِّعريّة. إنَّ تقمّص النّثر للغة الشّعريّة في بعض المواضع، إلى جانب الصّور الفنيّة، أكسب النّصَّ كثافةً وأبرز لغة الصّراع والمعاناة. لقد استخدم الكاتب كذلك الأسلوب الإنشائيّ، خاصة صيغ الاستفهام، الأمر الذي ساهم في منح السّيراوية بعضًا من شعريّتها، إذ يعمّق ذلك من غموض التّجربة الإنسانيّة ويُشرك القارىء بانفعالاته مع النّصّ.

 

تنثال هذه الأسئلة بشكلٍ خاصٍّ في نهاية العمل الأدبيّ، فبعد أن منعته قوى الاحتلال دخولَ بلاده واتَّهمَته بأنّه قادمٌ للبقاء في الوطن، طَرح أسئلةً كثيرةً تمتدّ على نحو صفحةٍ ونصف، محقّقًا بذلك الشّعريّة بين الواقع والخيال، بين اليقين والشّكّ، مانحًا القارىء مساحةً للإجابة على هذه الأسئلة الاستنكاريّة.

 

نذكر منها:

 

"هل أُحضرهم لزيارتي ثم أعيدهم لفلسطين لعلي أنجح في الدّخول في سنواتٍ قادمة؟ أم أستسلم رافعًا راية الغُربة البيضاء إلى الأبد؟

أم أنتظر حتى تتحرّر، وأعود رافعًا شارة النّصر؟

ضحك بيأسٍ!!!

تتحرر؟؟ لقد دمّروا سوريا، العراق، اليمن، ليبيا. فمن سيحرّرها؟

 

وإلى أن يحصل ذلك، هل أتركهم في فلسطين؟ أم يلحقون بي". (ص 219)

 

 

هذه الخاتمةُ إنّما هي اعترافٌ بالواقع المرير الذي قاتل الكاتب بحُلْمه وحنينه من أجل تغييره. هذه الخاتمة تجسِّد الصّراع مع ذاته أوَّلا ومع الآخر والبيئة ثانيًّا، وقد صوّر ذلك من خلال الحنين الذي رصد فيه أعماقه، راسمًا الحقيقة كما يريد بضمير المتكلّم "الأنا" مصوّرًا عالمه تصويرًا أدبيًا وفنّيًّا.

 

الزمان كمكان

 

لقد خصَّ الكاتب الحنين بالمستقبل، والمستقبل تعبيرٌ زمانيّ لا مكانيّ!!

 

إلا أنَّ الحنين في هذه السّيراوية لا يقف عند حدٍّ معيّنٍ، لا زمانيّ ولا مكانيّ؛ يسير في اتّجاهات عدّة. إنّه يحنّ إلى عائلته البعيدة عنه، يحنّ إلى الحريّة المسلوبةِ منه، يحنّ إلى وطنه القابع تحت الاحتلال، يحنّ إلى سجن النّقب رغم ظروفه الصّعبة، فالسّجن في الغربة، وإن كانت ظروفه أفضلَ، فهو أشدّ قسوةً ومرارةً. السّجن في الغربة يميتُ عنفوانَكَ فتشعر أنّكَ تموت وأنتَ فيه، أمّا في سجون الاحتلال فتشعر أنّكَ تقاوم وأنتَ فيه. (ص 195).

 

إنَّ هذا الحنين المعلَّق بحبال الزّمان، المستقبل، لا ينفصل عن المكان، وبهذا تنكشف ملامح الانتماء والتعلّق بالمكان. لقد شكّل المكان عاملا مهمًا في بُنية هذا العمل الأدبيّ، شكّل زاويةً يستدعي فيها الكاتب صور حياته المختلفة.

 

استذكر مدينتَه الأولى والأخيرة، القدس؛ القدس ليست مكانًا جغرافيًّا فحسب، إنّما انتماء يعكس علاقة الكاتب بها وبأحداثها. فذكر أسماء مناطقَ مقدسيّة نحو: وادي الجوز، البلدة القديمة، باب العمود، باب خان الزيت، وأسماء محلات نحو محل عاهد طقش وغيرها. بالمقابل، اقتصر ذِكر الأماكن الأمريكيّة على أسماء السّجون التي دخلها والبلدة التي تواجد فيها.

 

إنَّ التغييب الطبوغرافي للمناطق الأمريكيّة في الرواية دليلٌ على إدانته لها، وعن ابتعاده عنها من حيث الانتماء. فلم تكن للمناطق الأمريكيّة، كما جاء ذكرها في السّيراويّة، أيّ وظيفةٍ، بل شكّلت محطةً إجباريّةً ينتقل منها الكاتب إلى أخرى. أمريكا، بالنّسبة له، لهذا الشّاب الذي أراد العمل والعودة إلى أرضه وعائلته، هي أرض التّعاسة والشّقاء.

 

ارتبطت الأماكن في أمريكا بأماكن الإقامة المؤقتة، لأن إقامته بها كانت مؤقتة، فاستأجر بيتًا، نزل في فندقٍ وانتقل من سجنٍ لآخرَ. لقد عزّزت هذه الأماكن المؤقتة والضّيِّقة تقنية الاستبطان لدى الكاتب، فكلّما ضاق عليه المكان ازدادَت دواعي لجوئه إلى نفسه، وأخذ يستذكر، يسترجع ويحلم.

 

في السّجن، زارته الذكريات، ذكريات الماضي، وفيه قلَّب حياته ومنه انطلَقَتِ الأحلام، أحلام المستقبل. فالذكريات تستعيدها كما هي أمَّا المستقبل فتنسجه بخيالك، تلوّنه كما تشاء، وتفرح فرحًا ممزوجًا بالخوف من هذا المجهول الذي قد يخيِّب ويحطِّم أحلامكَ أو يمحي ألوان رسمتِكَ.

 

إن الصّراع الداخليّ للكاتب (بُعده عن الأحبة وحلمه في العودة) تحوّل لاحقًا إلى صراعٍ مع المحيط، تمثَّل في عدم السّماح له بالدّخول إلى البلاد مما زاد الشّرخ، وكان دافعًا له للحنين إلى المستقبل، المستقبل الذي رسمه هو، المستقبل الذي تخيّله ولوّنه بريشته وأحلامه.

 

أمّا المستقبل الذي رسمه فيتلخّص بالعودة، العودة لأسرته بل لوطنه، تلك العودة التي تحطّمت في نهاية السّيراوية. ولعلّه أراد بهذه الخاتمة، والتي ذيّلها بأسئلةٍ استنكاريّة إشكاليّةٍ، أنَّ هذا الحنين إلى المستقبل سيبقى حُلُمًا، لأنَّ المستقبل لن يكون أفضل من هذا الحاضر؟! والأسئلة في نهاية العمل توحي بذلك.

 

كما توحي بالحالة التي يعيشها الفلسطينيّ، إلى ما يتعرّض له من سلبِ حقوقٍ واضطهادٍ، تمييزٍ وإرهابٍ.

 

إنَّ الأسئلة في نهاية السّيراوية ترصد حال العالم العربيّ وتأخذنا إلى شريطٍ أسودَ، تأخذنا إلى فلسطين القابعة تحت الاحتلال الإسرائيليّ، إلى سوريا، العراق، اليمن، ليبيا، الذين يتعرّضون إلى القتل، الدّمار وأعمال العنف والإرهاب، التي تقوم بها المجموعات الإرهابيّة المموَّلة من قِبل أمريكا وحلفائها في المنطقة. الإرهاب الذي يَفْتِكُ جسد المجتمعات. فالإرهاب والقتلُ لا وطنَ لهما ولا دين!

 

في ظلّ هذه السّياسة الرخيصة، وفي ظلّ عالم عربيّ يسكنه السّبات، لم يبقَ له سوى الحنين إلى أحلام المستقبل التي نسجها بمخيِّلَته.

العنوان: الحنين إلى المستقبل

يكون الحنين عادةً إلى شيءٍ ما مضى، إلا أنَّ الحنين هنا خرج عن معناه المألوف واكتسب دلالةً جديدةً وذلك لإسناده إلى شبه الجملة "إلى المستقبل".

وهل يكون الحنين إلى المستقبل المجهول؟ كيف نحنّ إلى المستقبل؟!!

 

يرتبط الحنين، بشكلٍ عامّ، بالماضي ويكون عبر الذِّكريات، أمّا الحنين إلى المستقبل فيكون من خلال الأحلام، أو من خلال عملٍ فنّيّ أدبيّ نناقش من خلاله رؤيةً معيّنة ونبني عليها مستقبلا متخيَّلا، على سبيل ما قدّمه لنا الكاتبُ في سيراويته.

يجسّد العنوان رؤية الأنا لحياته، يجسّد الرؤية المستقبليّة التي وضعها الكاتبُ، ويشكّل مفتاحًا يساهم في تفكيك دلالات النّصّ. إنَّ المستقبل الذي يحنّ إليه هو خارج السّجن. نعيم يريد أن ينعم بالحريّة، وعادل يريد أن تعدل به الحياة، يريد أن يعود إلى بلاده.

 

عانى المؤلّف من غربتين: مكانيّة ونفسيّة، والغربة النّفسيّة أشدُّها إيلامًا. وهذا الألم يتصدّر هذا العمل من خلال كلمة "حنين".

 

"الحنين إلى" يأخذنا عادةً إلى الماضي- أو كما يسميه علماء النّفس نوستالجيا؛ وهي كلمة يونانيّة الأصل مكوَّنة من مقطعين: "نوستوس" وتعني رحلة العودة إلى الوطن، و"ألجوس" أي الألم. وتشير إلى الألم النّاتج عن الرغبة والحنين في العودة إلى الوطن والخوف من عدم التمكّن من تحقيق ذلك. والحنين في سيراوية عادل سالم يحمل هذا الألم، ألم العودة.

 

ولعلّ الكاتبَ أراد من خلال توظيف كلمة "المستقبل" تحميل "الحنين" معنى الأمل، إلا أنّه لم ينجح في التّخلُّص من الألم. لقد جمع الكاتب من خلال دال "الحنين" الوطنَ والألمَ معًا. إنَّ هذه الدّلالة التي يحملها العنوان تُلقي بظلالها على العمل الأدبيّ كلّه، كما نجد له صدى في العتبات النّصيّة المختلفة، نحو الإهداء، فيكتب "إلى أبناء المستقبل الذي أحنّ إليه" (ص 5)، وفي العتبة الخارجيّة: لوحة الغلاف.

 

تجسِّد لوحة الغلاف مرارة الحنين إلى المستقبل، تجسّد الثنائيّة التي رافقت الكاتب ألا وهي الأمل والألم.

 

يقدّم الغلاف لوحةً تحمل فضاءً واسعًا حرًّا، نورًا يحلّق بالأفق مبشّرًا بغدٍ أفضل، وورودًا حمراء متمايلة محاطة بأعشاب خضراءَ. قد تبدو اللّوحة لوحة أملٍ، لكنه الأمل الباكي.

 

يحتّل اللّون البرتقالي، الذي يمثّل الدفء الإبداع والنّجاح ويرتبط بالسّعادة والحماس، معظمَ لوحة الغلاف. ويعترضه اللّون الأصفر الذي يدلّ على التفاؤل، الإبداع والوضوح الذهنيّ، من جهةٍ، وعلى الإحباط والغضب والقلق من جهةٍ أخرى، كما يُستخدَم من أجل التنبيه والتحذير.

 

أمّا اللّون الأخضر، الذي يحتل الربع السّفليّ من الغلاف، فيدلّ على الطبيعة ويرمز إلى الخصوبة والنّموّ كما يدلّ على المال، الثّروة والاستقرار الماديّ. وقد علت هذه اللوحة الخضراء ورودًا حمراءَ، واللّون الأحمر يعبِّر عن الدفء والحبّ، كما أنّه يرتبط بالقوّة والعنف ويُستخدَم للدلالة على وجود خطر، فالأحمر أحمر الحبّ والحرب.

 

وبين هذه الألوان التي تحمل دلالات متضادّة وقع كوكب صغير يميل إلى البياض حاملا معنى الأمل، ولكنه الأمل المحاصر بالألم.

 

لقد جعل الكاتب اسمه باللّون الأسود، والأسود لون قويّ يرمز إلى الشّؤم، الموت، الحداد، سوء الحظّ، التعاسة والحزن. إنّه لون سلبيّ يدلّ على الفناء. الأمر الذي يحيلنا مباشرة إلى الرّواية وما رماه هناك من أحداث، آراء ومواقف.

 

وبهذا، تداخَلَت الدّلالات المتضادّة التي تحملها الألوان مجسِّدةً أبعاد السّيراوية المختلفة. لقد تآلفَت هذه الدّلالات التي جاءت في العتبات النّصيّة المختلفة وانسجَمَت معًا ومع أحداث الرواية والرؤية التي طرحها الكاتب في تضاعيف كتابه، فساهمت في تكامل جزيئيات السّيراويّة.

 

*        *           *

 

كَتَبَ المؤلِّف بعضا من سيرة حياته في أجزاء عدّة من هذا العمل، السّيراوية، غلّفها بآليات الفنّ الروائيّ ومزجها بالحقيقة المقتلَعة من حياته، مقدِّمًا بذلك عملا يقوم على المزاوجة بين الحقيقة وبين الخيال الذي يقتضيه العمل الروائيّ. 

 

في هذا العمل الأدبيّ وقف الكاتب على أدراج الزّمان استرجع ماضيه ورسم مستقبلا ورديًّا حتّى أصبح يحنّ له، ثم بات الحنين إلى المستقبل رفيقًا له.

 

الحنين إلى المستقبل.. أوراق من ذاكرة المؤلّف نسجها الألم الكامن في تأملاته، في مستقبلٍ رسمه بحبر خياله، بحبرٍ مشبّعٍ بالإصرار والسّعيّ نحو الحريّة، وما هذا إلا نتاج لألمه الفكريّ، الألم الكامن في داخله نحو بلاده.

 

عبّر الكاتب عن ألم النّفس الأسيرة المعذّبة، عن ذكريات تقضّ المضاجع، عن حاضرٍ غطّى الآمال بحرّ اللهيب، فضاقت آماله ونزَفَ ماضيه السّعيد، وبدأ الملل، ملل الانتظار، يتسرّب إلى نفسه، وفي عينيه حنين إلى مستقبلٍ أفضل.

إنَّ هذا الحنين مشبّعٌ بالألم والأمل، ألم الواقع وأمل المستقبل، وقد عبّر الكاتب عن ذلك من خلال التّشابك بين الأزمنة: الماضي، المتمثّل بالحنين، والمستقبل، مجسِّدًا بذلك ما يجول في قلبه. في ظلّ هذا الواقع الأليم لم يبق له إلا الحلم، الحلم بمستقبل أفضل وأجمل. فالأحلام مساحةٌ واسعة، لا حواجز فيها، نبحر بها كما نشاء، وعندما يرتفع النّهار نحنّ إلى ذاك العالم الذي رسمنا به رؤيتنا ومستقبلنا، نحنّ إلى شيءٍ من صنع خيالنا، نحنّ إلى المستقبل الذي نريد. والحنين إلى المستقبل إكسير الحياة في جسد شعبٍ حيٍّ لا يموت.

2019-04-20