الثلاثاء 17/8/1440 هـ الموافق 23/04/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الفردية مقابل الجماعية.....بقلم: محمد عودة الله

هذا المقال دعوة للتأمل في واقعنا المعاش ومحاولة لطرح مبنانا الإجتماعي والسياسي للنقاش في ضوء المتغيرات العاصفة التي يمر بها مجتمعنا الفلسطيني الذي عانى ويعاني الهزائم المتتالية وما زال ينبض بالحياة، أريد أن نسأل أنفسنا من نحن؟ من أين أتينا؟ وأين نحن ذاهبون؟ والمقال إستفاد من مطالعة لكتاب لعالم النفس الاجتماعي هاري تريندس*.

يعرف تريندس الفردية عن "جولد وكولب" بأن الفرد نهاية في حد ذاته ويجب أن يحقق ذاته بغض النظر عن القوى الإجتماعية الجامحة للإمتثال للمجموع، بينما الجماعية هي التأكيد على آراء وأهداف واحتياجات المجموعة الداخلية وعاداتها وأعرافها، الفردية والجماعية ليستا طرفي نقيض، بل متعامدتين أي أن الفرد يمكن أن يكون فردي وجماعي في آن واحد. إن نقيض الجماعية هو الأنانية وليس الفردية، ولا يوجد مجتمع فردي أو جماعي بالكامل، وكذلك هم الأفراد، هناك نزعات جماعية ونزعات فردية في كل فرد ومجتمع، الفردية موجودة بشكل أساسي في أوروبا الغربية وأمريكا بينما النزعة العالمية هي إلى الجماعية، وعندما تكون النزعة بإتجاه العلاقات المتناظرة تكون أفقية بينما في العلاقات التراتبية تكون عمودية، فيصبح هناك فردية عمودية كالولايات المتحدة وفردية أفقية كالدول الإسكندنافية وجماعية عمودية كاليابان والصين، وجماعية أفقية يقال أنها في الكيان الصهيوني، وتعتبر الفردية ركيزة أساسية للأنظمة الرأسمالية تدافع عنها بقوة في وجه الإشتراكية والشيوعية كأشكال سياسية للجماعية نقيضة للاستغلال الرأسمالي.

لا بد لنا أن نتذكر أن الإنسان تطور في مجموعات، وأن اللغة ومعجزة العقل البشري ما كانت لتكون لولا تطور الإنسان في جماعة، وصحيح أن كل فرد هو عالم بذاته إلا أنه ينمو بالتفاعل مع الاخرين، وصحيح أن سلامة المجموع تبدأ بسلامة الفرد، لكن الواقع هو أن الجماعية هي الشكل الأقرب إلى الطبيعة البشرية وتلبية إحتياجات النفس الإنسانية، ويعتقد أن الحضارات المعتمدة على الصيد والجمع تطورت إلى الفردية بينما تطورت الحضارات الزراعية إلى الجماعية.

الفردية تضع الأهداف الشخصية أولاً، والفردية المفرطة ساهمت في رأيي في وضع ترمب بما هو الوجه الحقيقي لسياسة الحكومة الأمريكية في سدة الحكم، وصحيح أن الفردية تقيم وزناً للحريات الشخصية وربما، أقول ربما، تفتح الباب للتطور والإزدهار إلا أنها تأتي على أنقاض الوحدة والإغتراب والعنصرية والعنف الداخلي والخارجي، وفي المقابل تضع الجماعية مصلحة المجموع فوق الفرد وطموحاته وأحلامه وتؤكد على العلاقات داخل المجوعة فوق الإزدهار والتقدم وتوجه العنف إلى المجموعات الخارجية على حد رأي الكاتب تريندس، إذا الحل هو التوازن الدقيق بين الفردية والجماعية، أي أن كلا النزعتين تشكلان خطراَ في تجلياتهما النقية.

يتحدث الكاتب عن أن الجماعية تبرر أفظع الجرائم ضد ما تعتبره مجموعة خارجية، لن أخوض هنا في الجرائم التي ارتكبتها وترتكبها أمريكا أو بريطانيا ضد الإنسانية وهي أكثر البلدان فردية في العالم، ويتحدث كذلك عن إرتباط الفردية بحقوق الإنسان وبالأخلاق، وهي مقولات ترتبط بصورة الغرب عن نفسه أكثر من إرتباطها بواقع الممارسة الفعلية، والكاتب ببساطة يهنئ نفسه والغرب بعيداَ عن الدراسة الجدية والمعمقة لأخلاق التفوق الأبيض والعدالة وسيادة القانون والحركة الإجتماعية المرتبطة في الغرب عموماَ وأمريكا خصوصاَ بلون البشرة والخلفية الإثنية أكثر من جدارة الفرد نفسه، ولا يسأل الكاتب نفسه لماذا يتصرف الغرب الفرداني "كقبيلة" محاربي حلف الناتو في وجه ما يرون أنه "الخطر الإسلامي" أو"الكونفوشي"؟ وأين سيتوقف قطار جرائم الغرب ضد الإنسانية بعد الأمريكيتين وأفريقيا وأسيا وأستراليا والشرق الأوسط؟ وكم من الدماء سيحتاج هذا الجليد البشري ليذوب؟ وهل من الأخلاق مثلاً الترويج لفكرة أن كل مسلم إرهابي عن طريق التأكيد أن كل إرهابي مسلم بعد إفتعال دوائر المخابرات الغربية للحوادث "الإرهابية"؟ هذا من الجدير بالذكر أن المفاوضات في الثقافات الفردية قصيرة فلماذا أخذتنا المفاوضات مع أمريكا وإسرائيل زهاء ثلاثين عاماً وربما أكثر؟

لننتقل الآن إلى المجتمع الفلسطيني، ففي الماضي كان هناك أشكال من العمل التعاوني الجماعي مثل قطف الزيتون وموسم الحصاد وبناء البيوت والأفراح والأتراح...إلخ، وفي الانتفاضة الأولى كان هناك مشروع وطني جماعي يوحدنا، يومها علمنا الفقر والكرامة والإحساس بالآخرين أن نتقاسم رغيف الخبز بدل أن نأكل لحم بعضنا البعض كما يحصل الآن، وبعد إنهيار المشروع الوطني في وحل أوسلو، تفتت الهوية الجمعية إلى هويات أصغر كالحزب والقبيلة والطائفة وحتى الفرد، ووضعنا اتفاق أوسلو في مواجهة داخلية، والملاحظ أنه وفي كل مرة يجف الأمل في التحرر يزداد توحش السلطة في الدفاع عن مصالح الحزب الواحد والطبقة المخملية التي يحميها، إسرائيل تعرف ذلك ومستشارو ترمب يعرفون ذلك، بعد ضياع الوطن لم يبق هناك سوى المصالح الفئوية لحزب يتصرف كمجموعة داخلية في الحكم أي كقبيلة في مقابل قبائل أخرى من نفس الشعب، بمعنى أن تدمير الحلم الفلسطيني بالتحرر والإنعتاق هي أخبث وسيلة تتبعها أمريكا وإسرائيل لتفتيت المجتمع الفلسطيني وتحويله إلى قبائل سياسية متناحرة، وعليه هناك حاجة ماسة إلى مشروع جديد لتوحيد الشعب الفلسطيني وهذا ما تفشل القيادة الحالية في بلورته لأنها جزء من منظومة الصراع والتصادم القبلي المدفوع بالدولار، ولا تعبأ أن تطرح حلولاً للشعب الفلسطيني لتوحيده. إن الرد على مشروع إسرائيل من البحر إلى النهر هو سحب الإعتراف بحق إسرائيل في الوجود وأن فلسطين عربية من البحر إلى النهر مهما طال أمد الصراع أو قصر، وأن حتى حفنة تراب من هذا الوطن ليست للمقايضة، علينا أن لا نسمح لما يبدو أنه ضعفنا أن يفسدنا مثلما أفسد الإحساس الخارجي بالقوة أعدائنا، ما لدينا الآن في الضفة هو خزان من الإمتيازات مخصص لفتح والسلطة وأجهزة الأمن بينما يخطب الرئيس من على منبر الأمم المتحدة باسم الشعب الفلسطيني! ببساطة أوسلو حولنا إلى قبائل وأفراد، والمنظومة الحالية من إقتصاد السوق تغذي الحلول الفردية وهي متاحة حالياً بقدر ما تسهم في تذرير الشعب الفلسطيني، والسؤال هل سيظل الإستعمار يطرح حلولاَ فردية دائماً؟ الجواب نعم ولكن نوعية الحلول الفردية المطروحة سيطغى عليها خيارات الأنانية وتدمير المجموع والإرتباط بمنظومة الإستعمار السياسية والإقتصادية والأمنية والثقافية، أي أنها ستبدأ وقد بدأت فعلا بالإنحسار إلى حلول كالجوسسة للإستعمار (مع أو بدون غطاء التنسيق الأمني الذي سينزع) وبناء المستوطنات والجريمة وتجارة المخدرات والتطبيع مع العدو ووضع الشخص غير المناسب في غير مكانه والتنسيق الأمني وتجارة الوكالات الغربية والليبرالية وغيرها في مجتمع يعاني العنصرية الغربية واليأس والفقر والبطالة وغياب العدالة الإجتماعية والحرية المفقودة والخيبات المتتالية (بيئة خصبة)، وعليه ستصبح الهجرة والبكاء في حضن العدو (قمة المذلة) والتي نرفضها الآن إمتياز لأكثر "المحظوظين"، هذا ما فعلته أمريكا بالسود فيها وما تفعله إسرائيل معنا: كسر الحالة الجماعية والتدرج في الحلول الفردية إلى أساليب البقاء المدمرة للمجموع جنباً إلى جنب مع شيطنة المجموع ونزع إنسانيته عنه والتنكر للسياق وتعدد أشكال تصفية قياداته المخلصة والمستنيرة، في وقت يسهم أفراد المجموع بدوافع الشقاء واليأس في تعزيز الصور النمطية التي تدغدغ العنصرية المنطقية والتي تظل غير عقلانية للإستعمار الذي يتوغل أكثر فأكثر في سياسة التصفية، وهكذا تستمر الحلقة حتى تنتهي بالتطهير العرقي وبحث العدو عن "شيطان" آخر، بإختصار حلول أمريكا وإسرائيل هي إنتحار الشعب الفلسطيني أو ترحيله، وهذا ما قالته هيلاري كلينتون لنا: "موتوا"، والسؤال لو فرضنا أن الشعب الفلسطيني نفذ رغبتها "الإلهية" ومات عن أكمله، فهل ستجد هيلاري كلينتون وحبيبتها إسرائيل السلام؟ قطعاً لا، وإلا لكانت الولايات المتحدة "أرض السلام" بعد إبادة الهنود الحمر ولما إحتاجت إلى هذا الكم الهائل من القنابل والدماء والمخدرات، إن الشر النسبي والذي يرنو إلى المطلق للرجل الأبيض الذي تمثله هيلاري كلينتون وترمب وخادمه نتانياهو ليس له حل إلا الهزيمة أو المضي "منتصراً" حتى النهاية في طريق الإنتحار لأن "الآخر" الذي ما فتئ يطارده ما هو إلا الأنا المختلة، أيعتقد ترمب أنه ليس من نسل المهاجرين حتى يلقي بأطفال المهاجرين في السجون؟

الحل يكمن في توحدنا كمجموع، كل الشعوب والجماعات المقهورة تتجه إلى الجماعية، النساء والفقراء أكثر جماعية من الرجال والأغنياء، الجماعية بقيم التكافل الإجتماعي توفر مظلة حماية للجميع وبما توفره من دعم هي أفضل للصحة النفسية للأفراد، وفي الجماعية هناك فرص أقل لإنتشار الجريمة والمخدرات وخيانة المجموع والعنف الداخلي، ومشروع التحرر لا يمكن أن ينجح إلا جماعياً، أمريكا وإسرائيل والغرب الفاشي عموماً يتعامل معنا جميعاً كفلسطينيين (وكعرب وكمسلمين) كمجموعة إرهابية وعنوان الهزيمة لنا هو هزيمة أي مشروع جماعي، ونحن علينا ويمكننا أن نواجه كجماعة قومية أو نستسلم للموت كأفراد.

المرجع:

Triandis, Harry C. Individualism & Collectivism: New Directions in Social Psychology. Taylor & Francis, 1995.

 

2019-04-23