دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
السبت 4/1/1440 هـ الموافق 15/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الأمطار تمنع، والدّماء تسمح..!!/ مطانس فرح

إنّ الأمطار والعواصف والرّياح، الّتي عصفت بمدينة حيفا قبل أسبوعين، دفعت إدارة مدرسة "راهبات النّاصرة" والقيّمين على احتفاليّة "السّعادة" (الـ"هاپينينچ") إلى تأجيلها؛ ما لم تدفعهم إليه الدّماء الذّكيّة الطّاهرة لأطفال شعبنا الفِلَسطينيّ، وضحاياه وجرحاه، من جرّاء "إمطار" (قصف) قطاع غزّة بالقنابل والصّواريخ!! نعم، فقد ارتأت إدارة مدرسة "راهبات النّاصرة" والقيّمون على احتفاليّة "السّعادة" تأجيل الحدث، قبل أسبوعين، "خوفًا" من الأمطار والرّياح العاتية؛ بينما قصفُ جيشِ الاحتلال الإسرائيليّ شعبَنا الفِلَسطينيّ بالصّواريخ، وسقوط الضّحايا، ما بين جرحى وقتلى – عدد كبير منهم من الأطفال!! –  لم يدفعهم إلى التّأجيل..!
وكان قد أثير نقاش محتدم في موقع التّواصل المجتمعيّ ("فيسبوك")، من قبل بعض خرّيجي وخرّيجات المدرسة ومشاركين آخرين، انتقدوا فيه بشدّة تصرّف مدرسة "راهبات النّاصرة"؛ فكالوا لها اللّائمات، وصبّ البعض عليها جام غضبه، لتنصّلها من كلّ ما يحدث في قطاع غزّة، وإصرارها على المُضيّ في برنامَجها الفنّيّ، الهادف، أساسًا، إلى جمع تبرّعات لبناء روضات للأطفال، تعود بالمنفعة، أوّلًا وأخيرًا، على المدرسة نفسها.
مطلوب من مؤسّساتنا التّعليميّة – عدا التّعليم لمجرّد التّعليم – أن تملك حسًّا إنسانيًّا ووطنيًّا، ومن واجبها نشر رسالات تربويّة وإنسانيّة، وتعزيز وترسيخ روح الوطنيّة والانتماء لهذا الوطن، وزرعها في طالباتها وطلّابها، أجيالنا القادمة... وكان من المفروض على مدرسة "راهبات النّاصرة" أن تؤجّل احتفاليّة "السّعادة" في ظلّ الأوضاع الّتي سادت، كما فعلت وأجّلتها لسبب الأمطار؛ وكان من واجبها أن تتّخذ قرارًا بذلك ينمّ عن بُعد تربويّ ووطنيّ وإنسانيّ – إنسانيّ، أساسًا. فكيف يُمكن الاحتفال وجمع التّبرّعات والرّقص والغناء وأبناء شعبنا، من أطفال ونساء وشباب – قلت شعبنا؟!! – يُحاصَرون، تُهدم بيوتهم، يُشرّدون، يُقصَفون، يُنكَبون، يُقتَلون.. ويُقتَلون.. ويُقتَلون؟!!
من واجبنا الإنسانيّ والأخلاقيّ والمجتمعيّ والتّربويّ والوطنيّ والقياديّ أن نملك مشاعر التّعاطف والتّضامن، لنعبّر – من خلالها – عن تعاطفنا الإنسانيّ وتضامننا – مع أبناء شعبنا الفِلَسطينيّ النّازف على الأقلّ، لأنّنا أبناء شعب واحد، ألم واحد، حلم واحد، مسير واحد، ودم واحد...
على ما يبدو، أسوار وجدران وبوّابات مدرسة "راهبات النّاصرة" تحجب الرّؤية، فلم تنتبه إدارة المدرسة، ولم تعِ ما يجري خارج جدرانها!! لذا فإنّ تَكرار كتابة ورشّ الشّعارات الوطنيّة على جدران المدرسة، للمرّة الثّالثة خلال فترة وجيزة، للتّذكير بفِلَسطين وغزّة – الّتي تسعى الإدارة لمحوها بسرعة و"ضبّ الطابق" – لم تأتِ – على ما يبدو – من فراغ، ولم تكن عبثيّة أو مجرّد حدث عابر؛ فهناك رسالة واضحة من وراء ذلك.. فهل تساءَلتم: لِمَ لا تُكتب مثل هذه الشّعارات، وبهذه الوتيرة، على جدران وأسوار باقي المدارس، مثلًا؟!!
كان من الواجب، احترامًا لأبناء شعبنا، تأجيل احتفاليّة "السّعادة"؛ ولكن لأمطار السّماء كان في المدرسة تأثير أكبر من تأثير دماء الضّحايا والشّهداء!!
ولا يقتصر الحديث على مؤسّسة أو مدرسة أو جمعيّة، بل يطول ذلك كلّ من سوّلت له نفسه المُضيّ ببرنامَجه الفنّيّ والغنائيّ والاستعراضيّ والمسرحيّ والتّرفيهيّ والاحتفاليّ، ضاربًا عُرض الحائط بكلّ ضحايا ودماء ومعاناة أبناء شعبنا. فكيف لنا أن نتنصّل ممّا يجري ونبتُر جزءًا منّا؟!
في خضمّ احتدام القصف على أبناء شعبنا في قطاع غزّة، وانتشار الدّمار وارتفاع عدد الضّحايا والجرحي، وشلّال دماء أطفالنا النّازف، صدحت قاعة "الأوديتوريوم" في حيفا، بالأنغام الموسيقيّة والغناء والرّقص..!! ألا يستحقّ منّا شعبنا تأجيل حفلاتنا وعروضنا وغنائنا ورقصاتنا، لنقف وِقفة الإنسان مع أخيه الإنسان – وذلك أضعف الإيمان؟!
إنّ أكثر من 130 ضحيّة و1,000 جريح من أبناء شعبنا يستحقّون منّا التّأجيل والتّأجيل والتّأجيل وأكثر، وبالطّبع – يستحقّون أكثر بكثير من الوقوف دقيقة حداد في احتفال فنّيّ راقص وصاخب!!
(*) مطانس فرح – صِحافيّ فِلَسطينيّ، مدير تحرير صحيفة "حيفا"

2012-11-25