دار الوسط اليوم للاعلام و النشر
الجمعة 3/1/1440 هـ الموافق 14/09/2018 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الراقصة سما المصري تواجه «الإخوان» مجدداً

على منصة مؤتمر استضافته القاهرة أخيراً، وخُصّصت إحدى جلساته للسؤال عن العلاقة بين «الثقافة والثورة»، قالت الناشطة المصرية سلمى سعيد: «أعتبر كليب الراقصة سما المصري عن الثورة المصرية، أقرب لي من كل الأغنيات التي حاولت أن تنسب نفسها إلى هذا الحدث الكبير».

إشارة سلمى سعيد (27 سنة)، والتي اختارتها مجلة «نيوزويك» الأميركية من بين أفضل 150 امرأة في العالم للعام 2010 لنضالها ضد استبداد نظام مبارك، كانت صادمة لكثيرين بين الحضور الذين لا تعرف غالبيتهم سما المصري. إذ جهل المثقفون شعبية سما المصري، فيما نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي يتداولون كليبها الثاني الذي يستهدف جماعة «الإخوان المسلمين» والرئيس محمد مرسي. وعمل سما الأخير بعنوان «يا حبسجية، يا تجار الدين»، انطوى على نقد لاذع بالإشارة إلى تجربة «الإخوان» في السجون والتي قادتهم إلى حكم مصر. وتستند الأغنية التي تضمّنها الكليب إلى «تيمة» مأخوذة من أغنية شعبية مصرية معروفة.

لم تكن سما المصري، قبل شهر واحد، سوى راقصة مغمورة جربت حظها في التمثيل في أفلام عدة، أشهرها «الدادا دودي» مع ياسمين عبد العزيز، فظهرت في مشهد لم تزد مدته عن خمس دقائق أدت فيه دور «فتاة ليل»، لكنها واصلت العمل في أفلام تجارية حتى نالت شهرة كبيرة مع طرح فيلمها «على واحدة ونص»، وواكبته بحملة دعاية دفعتها إلى ترويج مزاعم عن زواجها من نائب سلفي في البرلمان المصري المنحل، هو أنور البلكيمي.

ورأى كثيرون إن المصري لم تتمكن من تأكيد واقعة الزواج، لكنها استثمرت قصة انكشاف كذب ادعاءات البلكيمي بتعرّضه لاعتداء مسلح، ليبرر تغطية وجهه بضمادات على أثر جراحة تجميل لأنفه. وكما راجت قصة الزواج المزعوم بسرعة، فإنها انطفأت بالسرعة ذاتها، لولا أن سما عادت بـ»كليب» جديد يؤكد سعيها إلى الشهرة مهما كان الثمن. فقبل شهر، سخرت في كليب مصور من مشروع «النهضة» الذي يروج له «الإخوان»، ثم كانت ضربتها الكبرى بكليب «تجار الدين» الذي ما زال ضمن أكثر الكليبات مشاهدة على «يوتيوب»، وعدّه نشطاء «عملاً ثورياً»، على غرار سلمى سعيد، وهي واحدة من مؤسسي مشروع «مُصرين»، المعنى بتوثيق الثورة المصرية وتفاعلاتها سينمائياً.

شكّلت عبارة سلمى القاطعة مفاجأة كبيرة، لكنها تشير إلى تطابق ظاهر بين خطاب الثورة الذي تمثله، والخطاب الذي تروج له سما ويصعب وصفه بـ «الاستهلاكي»، إذ اعتمد إنتاجاً منخفض الكلفة وصُور بكاميرا فقيرة في غرفة، لكن مخرجه وضع العلم المصري في الخلفية لإثارة الانتباه والتأكيد على أنه «عمل ثوري محض»، كما أنهاه بشخص ضخم البنية يباغت المصري ويسعى إلى ترويعها، وقبل أن تظهر خوفها، ينتهي الكليب بصراخ أحد الدعاة التلفزيونيين المعروفين: «هاتوا لي راجل!»، وهي إشارة دالة من سما التي تنفي عن نفسها تهمة الخوف.

وفيما تساءل كثيرون عن الأهداف التي تحمّس صاحبة الكليب على الدخول في هذه الأرض الملغومة، في حين يعاني الفنانون المصريون ضغوطاً واتهامات بعض الدعاة، بالغ آخرون في الإشارة إلى وقوف جهة خفية وراء سما المصري تدعمها مالياً بهدف تشويه صورة «الإخوان» والرئيس الذي ينتمي إليهم، وهي تهمة لا تصمد طويلاً بسبب الفقر الإنتاجي للشريط المصور، واعتماده في الترويج على الفضاء الافتراضي إذ يصعب عرضه تلفزيونياً بسبب جرأة محتواه.

وعلى «فايسبوك» دار جدل حول الكليب نفسه، إذ انتقد الفنان التشكيلي المصري المقيم في فيينا، حازم المستكاوي، رقص الفنانة على خلفية العلم المصري، ما يعد استخفافاً بهذا الرمز. واتفق رئيس «الهيئة المصرية العامة للكتاب» أحمد مجاهد مع فكرة المستكاوي، التي اختلف معها تماماً النحات شريف عبد البديع، معتبراً أن «التعبير الجسدي بكل إيماءاته ليس عيباً». فيما لم تجد الناقدة الأدبية والأستاذة في الجامعة الأميركية في القاهرة، سامية محرز، مشكلة في «خطاب الأغنية»، مضيفة إن الكليب لا يسيء إلى علم مصر.

وبعيداً من هذا الجدل، يبقي لافتاً أن الثورة المصرية في تفاعلاتها المختلفة أفرزت أنماطاً من الفنون الأدائية اعتمدت في الأساس على صلتها بالشارع المصري وعشوائياته. فإلى جانب سما المصري، تُمكن الإشارة إلى أغنيات «راب شعبي» قدمها مغنون مثل «أوكا»، و»أورتيغا»، وفريق «السادات راب»، عملت على تبسيط شعارات الثورة.

واللافت أن هذا الغناء يهمّش في الإعلام الرسمي، فيما هو رائج في «الموالد» و»الأفراح» الشعبية. ويرى البعض أنه امتداد لمشروع أحمد عدوية (بغض النظر عن التميز البالغ في قدرات عدوية وإمكاناته الصوتية) المقاوم لأنظمة منح صكوك الاعتراف التي وضعتها المؤسسة الرسمية، وهي مؤسسات لا تقدم الحياة كما هي، بل ثقافة الهيمنة بما تنطوي عليه من أشكال التمييز، كما يشير الناقد السعودي البارز عبد الله الغذامي، في سياق تحليله الثقافة التلفزيونية في أحد كتبه.

وتجدر الإشارة إلى أن غالبية هؤلاء الفنانين تسربت إلى الذوق العام عبر الإعلانات التلفزيونية، وبفضلها تمكنوا نسبياً من «كسر الحظر» المفروض عليهم.

الحياة اللندنية

2012-12-24