الثلاثاء 9/1/1446 هـ الموافق 16/07/2024 م الساعه (القدس) (غرينتش)
مضربون عن الطعام أسرى فلسطين.. إلى متى ؟/د. لطفي زغلول
مضربون عن الطعام  أسرى فلسطين.. إلى متى ؟/د. لطفي زغلول

أربعة آلاف وسبعمائة وخمسون أسيرا فلسطينيا، بينهم مائة وستة أسرى معتقلون قبل أوسلو، ما زالوا خلف القضبان في المعتقلات الإسرائيلية. ليس المهم الفصائل التي ينتمون إليها. المهم أنهم فلسطينيون ينتمون إلى الوطن الفلسطيني الذي ما زال هو الآخر أسير الإحتلال الإسرائيلي.
لقد مضت عشرات السنين على كثير من هؤلاء الأسرى الفلسطينيين وهم قابعون خلف قضبان معتقلات الإحتلال الإسرائيلي. إن هؤلاء الأسرى هم من خيرة أبناء الشعب الفلسطيني، ومنهم من دخل اعتقاله العقد الرابع من عمره. إن الشعب الفلسطيني. إن الشعب
يعيش آلامهم ومعاناتهم، مجددا إصراره على تحرير كافة أسراه من معتقلات الإحتلال الإسرائيلي دون استثناء، رافضا هذه الإعتقالات أيا كانت خلفيتها وأسبابها اللامبررة.
يتبادر إلى أسماعنا حكايات كثيرة تروي بعضا من صمودهم في مواجهة السجان الإسرائيلي. من هذه الحكايات الإضراب عن الطعام . إنه السلاح الوحيد الذي يملكه هؤلاء الأسرى الذين تتعرض حياة بعضهم إلى الهلاك جراء إضرابهم هذا.

بداية لا بد لنا أن ننطلق من تعريف مفهوم الأسير كما هو في القوانين والأعراف الدولية.  للأسير تعريف واحد ينطبق على كل من ألقي القبض عليه من قبل الخصوم والأعداء سواء كان ذلك في غمرة القتال، أو الإستعداد له، أو الإغارة عليه في عقر داره ،فهو عندئذ يكون أسير حرب. في العصر الحديث أقرت الإنسانية والشرعية الدولية "اتفاقيات جنيف" بشأن أسس معاملة الأسير وبقية الإجراءات التي ينبغي على الآسرين أن يطبقوها عليه بحذافيرها، بما فيها حتمية منحه حق الحرية بالإفراج عنه، والعودة إلى وطنه وأهله مهما طالت مدة أسره.
ثمة فرق كبير بين الأسير والسجين. فالسجين هو شخص آخر يطلق عليه "سجين الحق العام" أي كل من ارتكب مخالفة قانونية أو جنحة أو جريمة أيا كانت وأمره يعود إلى قوانين بلاده. وهناك السجناء السياسيون أو الموقوفون السياسيون جراء معارضة أو ممارسة سياسية أو اختلاف في الرأي. في العالم الثالث يكثر هذا الشكل من السجناء على خلفية انعدام الديموقراطية وغياب منظومة حقوق الإنسان.
الأسير لا يحاكم ولا يحكم عليه بالسجن إلا اذا ثبت بما لا يدع مجالا للشك أنه ارتكب جرائم حرب، أو جرائم ضد الإنسانية، ساعتئذ تتولى أمره محاكم دولية خاصة بهذا النوع من المحاكمات وهي المخولة في البت في أمره. والأسير لا يعامل معاملة السجناء العاديين ولا يحشر معهم في معتقلاتهم.
إنطلاقا من هذه المقدمة القانونية المبسطة جدا، نعرج على قضية أسرانا الفلسطينيين في المعتقلات الإسرائيلية. منذ العام 1948 هناك حرب دائرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين عبر أساليب قتال مختلفة ومتنوعة، وجراء هذه الحرب وقع عدد كبير من القتلى والجرحى والأسرى من كلا الطرفين.
فيما يخص القتلى والجرحى، ثمة نسبة تعلو أحيانا وتنخفض أحيانا أخرى، وقد كانت على مدار كل الحروب الفلسطينية الإسرائيلية لصالح الطرف الإسرائيلي، كونه له جيشه المنظم الحائز على كل أشكال السلاح والقادر على استخدام كافة تقنيات الحروب. إن أعداد القتلى والجرحى الفلسطينيين أضعاف أمثالهم من الإسرائيليين، وهذا ينفي عنهم تهم "القتل والإجرام" التي تصر إسرائيل على إلصاقها بكثير من الأسرى الفلسطينيين.
  هذا الحديث ينطبق على الأسرى. إن الملاحظ أنه على مدار هذه الحروب كان جل الأسرى أيضا هم من الفلسطينيين لذات السبب الذي أشرنا إليه آنفا. كما كانت هناك حالات محدودة ومعدودة لوقوع أسرى إسرائيليين في أيدي الفلسطينيين. 
إن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ تأسيس الدولة الصهيونية في العام 1948 حتى أيامنا الحالية قد انتهجت سياسة ثابتة تجاه الأسرى الفلسطينيين تتمثل في عدم اعتبارهم أسرى حرب، ودأبت على معاملتهم على أنهم " قتلة، مخربون، إرهابيون، ملطخة أيديهم بالدماء أو خارجون على القانون، أو خطرون، أو أعضاء في تنظيمات معادية".
هكذا فإن كل من وقع في يدها، أو ألقت القبض عليه زجته في غياهب سجونها بعد أن تقدمه إلى محاكمها الأمنية، وأصدرت بحقه أحكاما تتراوح مددها ما بين شهور إلى سنين طوال وانتهاء بعشرات المؤبدات. هناك في سجونها ومعتقلاتها فئة أخرى من الأسرى الفلسطينيين تطلق عليهم مسمى "الموقوفين والمحكومين إداريا" وهم لا يحاكمون وإنما يمكن تجديد مدة موقوفيتهم، وهي في الغالب ستة أشهر قابلة للتجديد التلقائي.
إن الحكومات الإسرائيلية دأبت على تصنيف الأسرى الفلسطينيين. هناك فئة تقول عنها إن أيديها "ملطخة بالدم"، وأخرى تقول عنها إنها منتمية لهذا التنظيم أو ذاك، وثالثة تقول إنها لن "تتوب" فيما لو تم الإفراج عنها، وستعود إلى ارتكاب ما ارتكبته. ورابعة لا "تبدي ندما على ما اقترفته"، وهذه الفئات في مجموعها ومن منظور إسرائيلي لا يمكن أن تدخل في أية تسوية لإطلاق سراحها.
في ذا ت السياق، وعلى خلفية هذا المنظور الإسرائيلي في تعاملها مع الأسرى الفلسطينيين، فإن ظروف اعتقالهم تظل إحدى القضايا الإنسانية اللافتة للنظر، والأكثر تأثيرا في الشارع الفلسطيني. إن هذه الظروف لا تخضع لاتفاقيات جنيف بأي شكل من الأشكال. بناء عليه فلم يعد وصف أحوال هؤلاء الأسرى ضربا من التخيل أو التخمين.
  هؤلاء الأسرى يعيشون في معتقلات نائية محاطة بالأسلاك الشائكة، وإن إحدى أهم سماتها الإكتظاظ الشديد وانقطاعها عن العالم الخارجي. أما الظروف الحياتية فهي سيئة للغاية وتنعدم فيها أبسط الشروط لإيواء البشر علاوة على عوامل العزلة، وانقطاع الإتصال بالأهل، كون الزيارات تخضع هي الأخرى لمعايير خاصة فرضتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وهذا يفسر الإضرابات المتلاحقة عن الطعام التي يقوم بها الأسرى بين الفينة والأخرى احتجاجا على هذه الظروف اللاإنسانية التي يعيشونها.
إن الحكومة الإسرائيلية الحالية شأن سابقاتها وفي هذه المرحلة بالذات تضع العراقيل أمام إغلاق ملف الأسرى الفلسطينيين. فهي من ناحية تضع اشتراطات ومعايير مرفوضة فلسطينيا. وهي من ناحية أخرى تحاول أن تصور أن هناك ضغوطات عليها من قبل وزراء هم جزء من الإئتلاف الحكومي، أو أن هناك رفضا من قبل الشارع الإسرائيلي، أو من يسميهم إعلامها "عائلات ضحايا الإرهاب الفلسطيني" متناسية ومتجاهلة آلاف العائلات الفلسطينية الثكلى جراء ممارسات الإحتلال الإسرائيلي.
إن موضوع الأسرى الفلسطينيين بالغ الأهمية، وهو جزء لا يتجزأ من القضية الفلسطينية التي يطالب كل فلسطيني ويصر أن يوجد لها حل شامل وعادل، وهذا الحل لا يمكن أن يكتمل إلا بإغلاق ملف الأسرى الذي هو واحد من منظومة الثوابت الفلسطينية. إن الفلسطينيين صغيرهم قبل كبيرهم لا يتصورون سلاما يحل في المنطقة دون آخر أسير يتحرر من المعتقلات الإسرائيلية.
كلمة أخيرة لا بد منها. إنهم أسرى فلسطينيون، وليسوا سجناء عاديين. وليس لهم أية صفة أخرى سوى أنهم أسرى نضالات الشعب الفلسطيني. إنهم لم يقاوموا الإحتلال والإغتصاب لوطنهم إلا باسم فلسطين وباسم شعبها وهو حق مشروع كفلته الشرائع السماوية والوضعية. ولا فرق بين أسير وأسير فكلهم أبناء فلسطين.
أما المواصفات والمعايير والمسميات الإسرائيلية فهي تخص الحكومات الإسرائيلية وحدها، وهي لا تتقاطع بأي شكل من الأشكال مع المواصفات والمعايير الخاصة بثوابت القضية الفلسطينية، ولا بالعملية السلمية التي لا يضمن لها النجاح إلا على أرضية نظيفة من الأضغان والأحقاد والمواقف التعصبية.