الجمعة 11/4/1442 هـ الموافق 27/11/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
السبب الأساسي للأوبئة هو التنكيل بالحيوانات وحشرها بكثافة مرتفعة في مساحات صغيرة وحقنها بالمضادات الحيوية ... جورج كرزم
السبب الأساسي للأوبئة هو التنكيل بالحيوانات وحشرها بكثافة مرتفعة في مساحات صغيرة وحقنها بالمضادات الحيوية ... جورج كرزم

يبدو أن كل ما يمكن أن يقال عن فيروس كورونا قد قيل فعلا، وكل ما يمكن كتابته وتحليله قد أنجز حتى آخر وأدق التفاصيل. ربما هذا هو سبب تجاهل معظم الناس لمسألة إيكو-حيوية مرتبطة بالفيروس القاتل، ما يثير الانزعاج والقلق.  فنحن لا نزال ذات بني البشر عاشقي الرفاهية والشره للترف الغذائي، لدرجة أننا لا ننزعج من حقيقة أن الجائحة العالمية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بأنماط سلوكنا تجاه الكائنات الحيوانية وطريقة تعاطينا معهاواستهلاكنا لها.رغم ذلك، فإننا لا نسأل أنفسنا للحظة ما إذاكانت طبيعة الوجبات الغذائية التي نلتهمهاقد تسهم في تدمير الكوكب، بل في قتل سكانه أيضا.

اللافت أن معدل وفيات الأطفال من فيروس كورونا يكاد يقترب من الصفر، بينما معدل الوفيات من أنفلونزا الطيور يبلغ 50٪؛ بمعنى أننا نقف على مسافة صغيرة من حدوث تحور جيني ضئيل يمكن أن يؤدي إلى مأساة لا يمكن تصورها.  وهنا من المهم أن ندرك ما يلي: بحسب المركز الأميركي للسيطرة على الأمراض (CDC)، فإن منشأ 75٪ من الأمراض المعدية –وتحديدا تلك التي معدل الإصابة بها يتزايد- منشأها الحيوانات.  وبشكل عام فإن 60٪ من الأمراض المعدية جاءتنا من الحيوانات التي استهلكناها أو تاجرنا بها؛ وهي (أي الأمراض) تعرفبالأمراض حيوانية المنشأ. ومن بين هذه الأمراضنجد العديد من أنواع الإنفلونزا (إنفلونزا الطيور، الإنفلونزا الإسبانية، وأنفلونزا هونغ كونغ)، بالإضافة إلى مرض جنون البقر ومارس وسارس وإيبولا وكورونا، بل وحتى الإيدز.

حاليا، يقدر الباحثون بأن نحو مائتين من الأمراض المعدية الأخرى التي تم توثيقها خلال العقود الثلاثة الماضية مصدرها حيواني.تشير هذه الأرقام إلى واقع حيواني عالمي غير مسبوق بكل المقاييس، حيث تنتشر المنشآت والمزارع الحيوانية الضخمة وتحشر فيها الحيوانات (الدجاج والبقر وغيرها) بكثافة كبيرة في مساحة محدودة جدا، ويذبح منها سنويا أكثر من مئة مليار وحدة حيوانية. ومن بين قطاعات الأغذية الحيوانية الغذائية، برز قطاع الدواجن بكونه أكبر خزان للأمراض الخطرة للبشر؛ فمن أصل 16 سلالة من الإنفلونزا المعروفة بأنها "آفات واسعة النطاق"، 11 منها تأتي من مزارع الدواجن الصناعية.

قبل عامين، درس العلماء 39 طفرة جينية سمحت للفيروس بالتحول من طفرة تؤذي الحيوانات فقط إلى طفرة تصيب البشر أيضًا. النتائج كانت واضحة: 37 من هذه الطفرات الوراثية وقعت في منشآت ومزارع الدواجن.  وفي حين أن معدل الوفيات من وباء كورونا يبلغ حوالي 4٪ (عالميا) ويكاد يقترب من الصفر بين الأطفال (بحسب worldometer) فإن معدل الوفيات من أنفلونزا الطيور هو 50٪ بين الأطفال.  العديد من علماء الأوبئة يعتقدون بأننا نقف على مسافة صغيرة من التحور الجيني الصغير الذي قد يؤدي إلى تفشي متسارع وكبير لأنفلونزا الطيور، لكن هذه المرة ستكون المأساة على نطاق يصعب حتى تخيله.  هل يستحق تناول صدر الدجاج على وجبة العشاء بأن نخاطر بفقدان طفل(من بين كل طفلين) بسببانفلونزا الطيور؟

العلاقة بين التنكيل بالحيوانات والصحة العامة

منذ أكثر من عشر سنوات توقع كثيرون تفشي فيروس كورونا. فمنذ عام 2007 أشار مقال علمي نشره مجموعة من الباحثين من جامعة هونغ كونغ في الدورية العلمية المحكمة: Clinical Microbiology Review- أشار صراحة إلى أن نوعًا جديدًا من مرض السارس منشأه الخفافيش على وشك أن ينفجر. وحذر الباحثون من أن "وجود مخازن كبيرة من فيروسات SARS-CoV  في الخفافيش، إلى جانب ثقافة تناول الثدييات الغريبة في جنوب الصين، يعد قنبلة موقوتة"؛ ورغم ذلك لم يستمع إليهم أحد.في ذات السنة، نشرت افتتاحية غير اعتيادية في المجلة العلمية الأميركية للصحة العامة (American Journal of Public Health)، أفادت بأن العلاقة بين الأوبئة وحيوانات المزرعة لا جدال فيها. وأطلقت المجلة صرخة مدوية: لمنع حدوث جائحة عالمية حان الوقت للتوقف عن أكل الحيوانات.

عام 2007  تحديدا، كان خصباً بشكل خاص بالصرخات التي أشارت إلى العلاقة بين الحيوانات التي بحوزة الإنسان والأمراض.  ففي كتاب نُشِر في ذات السنة ("إنفلونزا الطيور: فيروس صنعناه بأنفسنا")، كتب خبير الصحة العامة الأميركي، الدكتور مايكل جيرغر: "إذا كنتم ترغبون في خلق أوبئة عالمية، فما عليكم سوى بناء مزارع صناعية".

خلال الأسابيع الأخيرة نشرت صحيفة "الجارديان" البريطانية مقالين حول هذا الموضوع، أحدهما كتبه الكاتب "جوناثان سافران فوير" واللاهوتي د. "آرونغروس".  قدم المؤلفان تشبيها مثيرا يساعد في فهم التحدي الذي يواجهنا:  "تخيلوا أنه بينما تقوم دولتك بتنفيذ التباعد الاجتماعي، فإن الدولة المجاورة تستجيب لفيروس كورونا من خلال حشر عشرات الآلاف من مواطنيها في القاعات الرياضية.  وتخيلوا أنهم بالإضافة إلى ذلك قاموا بتدخل جيني ودوائي لمساعدة مواطنيهم في الحفاظ على الخصوبة في ظل هذه الظروف القاسية، متجاهلين حقيقة أن ذلك سيتسبب في تحطم أجهزتهم المناعية ... من الواضح أن مثل هذه الإجراءات ستزيد بشكل كبير من معدل الوفيات ليس فقط في الدولة المجاورة، بل أيضًا في دولتكم".

لطالما كان موقف سافران فويروغروس من أكل الحيوانات معروفًا، لكن يبدو أن الوعي بهذه المشكلة بات يبرز من اتجاهات غير متوقعة أيضًا.  "نيك كوهين"المعلق السياسي سليط اللسان في صحيفة الغارديان،والذي، في الأيام الاعتيادية،اشتهر بمهاجمته السياسيين، كرّس عموده الأسبوعي لهذا المسألة تحديدا؛ فكتب مقالا بعنوان: "بالتأكيد، العلاقة بين التنكيلبالحيوانات والصحة العالمية واضحة الآن". العنوان ساخر عمداً، والمقال يتعامل مع عدم رغبة الجمهور والمسؤولين المنتخبين في رؤية السبب والنتيجة بين الاثنين: "تجاهل رفاهية الحيوانات مكون أساسي في تفشي الأوبئة. لكن السياسيين لا يجرؤون على إجراء مثل هذا الربط".

كتب كوهين أيضا ما يلي: "إذا استمرت المقاومة للمضادات الحيوية في التزايد، فسننظر يوما ما إلى الوراء لنتذكر معدل الوفيات من فيروس كورونا 2020 ونقول: 'أحقًا؟ هذا كل شيء؟' مقاومة المضادات الحيوية قد تنهي حقبة الطب الحديث وتعيد الإنسانية إلى العصر الذيكانت فيه الإصابات الطفيفة والعمليات الجراحية الروتينية قاتلة".  تتوقع الدراسات 10 ملايين حالة وفاة سنويًا بسبب البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية بحلول عام 2050.

تكمن المشكلة، كما يكتب كوهين، في حقيقة أنه حتى لو استوعب الأفراد العلاقة وأصبحوا نباتيين، فإن الثقافة السائدة المهيمنة لن تتغير بسهولة. "تخيل أن رجل سياسة يدير حملة لفرض قيود مشددة على استهلاك اللحوم. سيتهمه النقاد بمعاقبة الفقراء- لأن الأشخاص الذين لا يملكون أي حس إنساني تجاه الفقراء أو بالكاد يفكرون بهم،يلوحون بهم دائمًا كذريعة،وبخاصة عندما تكون إحدى ملذاتهم مهددة.سيتم مهاجمة هؤلاء السياسيين أنفسهم بسبب سعيهم لتغيير محتوى وجبات العطلات التقليدية أو القضاء على المتعة التي يسببها تناول وجبات اللحوم الجاهزة والسريعة.  في المستقبل، عندما ينظر أحفادنا إلى الوراء، سيجدون بأن تنكيلنا بالحيوانات كان غير مفهوم.  أما في الوقت الحالي، فيُساء في الغالب فهم الحجج المطروحة لوقف هذا التنكيل".

كم هائل من الدعايات المضللة والمخدرة

اللافت أن البشرية تعرضت في العقدين الأخيرين، لهجوم متواصل من الأوبئة المعدية الخطيرة، بما فيها "إنفلونزا الطيور" (H5N1)، "جنون البقر"، الـ"سارس"، "إنفلونزا الخنازير"(H1N1)، "الإيبولا" وأخيرا كورونا.  وكما هو معروف، "إنفلونزا الطيور" و"الخنازير" والـ"سارس" و"الإيبولا" والكورونا عبارة عن أمراض فيروسية؛ أما مرض "جنون البقر" (أو مرض "كروتسفلد-جيكوب") فهو تلف في الجهاز العصبي سببه بروتينات معتلة متراكمة في الدماغ.  وباستثناء مرض الـ"سارس" (الذي ترجمته الحرة: "أزمة تنفسية حادة")، فإن أسماء هذه الأمراض تشير إلى أصولها.  وبالفعل، يكمن القاسم المشترك بينها في أنماط التربية الحيوانية بالمزارع؛ حيث تحشر الحيوانات (الدجاج والبقر وغيرها) بكثافة كبيرة في مساحة محدودة جدا، ويذبح منها سنويا نحو مئة مليار.

وتعود أصول هذه الأمراض إلى أنماط التربية الحيوانية في المزارع، وذلك تماما كما هو حال "إنفلونزا الطيور" التي انتشرت بسبب ما يسمى التربية الصناعية للدجاج التي تعد أقل تكلفة وجهدا، وهي عبارة عن تربية أعداد كبيرة في مساحات ضيقة جداً.  ومن المدهش أن المجلس القومي للدجاج في الولايات المتحدة حدّد "المجال الحيوي" للدجاجة الواحدة بـِ 550 سم2، أي أقل من مساحة ورقة ِA4 (التي مساحتها نحو 620 سم2)، حيث تكبر فيها الدجاجة إلى أن تحتل جميع المساحة؛ فتصبح عاجزة عن الحركة، وبالتالي، تُساق إلى الذبح.

الأبحاثبينتبأن الفيروسات التي تحملها الدواجن البرية أو البلدية تعد غير خبيثة؛ إلا أن هذه الفيروسات (غير المؤذية) عندما تنتقل إلى المزارع الصناعية الكثيفة تطرأ عليها طفرات (mutations) فتتحول إلى فيروسات خبيثة ومعدية؛ أي، وكما أكدت منظمة الفاو (منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة)، مناعة الدواجن والطيور التي تربى بطرق بلدية وتقليدية في المزارع الصغيرة غير الكثيفة، أقوى من مناعة الدواجن والطيور التي تربى في مساحات صغيرة جدا وكثيفة، علماً أن التنوع الطبيعي للدجاج البلدي يشكل وقاية لها من الأمراض، ويحول دون تحول الفيروس إلى الحالة الخبيثة.

وينسحب هذا الأمر أيضا على أمراض الطيور الأخرى مثل Newcastle (طاعون الطيور)، بل وأمراض سائر الحيوانات (الأبقار والأغنام والخنازير وغيرها) التي تربى في المزارع الكبيرة وتحقن بشكل متواصل بالمضادات الحيوية وهورمونات النمو، لزيادة وزنها؛ ما يتسبب في زيادة مناعة الجراثيم تجاه المضادات، ويجعل تلك الحيوانات أقل مناعة وقدرة على مقاومة الفيروسات والجراثيم.

إذن، المزارع الصناعية الكبيرة هي سبب إنفلونزا الطيور وغيرها من الأوبئة، أما الدجاج البلدي والطيور البرية فهي ضحايا المرض وليست سببه.

في الواقع، تعد مزارع الحيوانات أرضية خصبة لظهور الأمراض المعدية؛ فالحيوانات تعامل يوميا معاملة شرسة، وذلك بمجرد حشرها بكثافة كبيرة في المزارع، وتسمينها بالغذاء الكيماوي المشبع بالمضادات الحيوية والهورمونات، وممارسات زراعية مسيئة بحقها تتضمن عنفا قاسيا وترك عاهات. وبالتالي، فإن حالتها الذهنية والجسمية الصعبة تضعف نظامها المناعي؛ ما يزيد من قدرة مسببات المرض على النمو بداخلها.

وفي سبيل خدمة قطاع الإنتاج الحيواني الضخم والصناعات الغذائية الحيوانية في العديد من الدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية، تعكف الوزارات والوكالات الحكومية المعنية على إغراق السوق بالدعايات المضللة والمخدرة حول اللحوم الطازجة والمصنعة وأهميتها وفوائدها، بهدف التأثير على أنماط استهلاك الناس وحياتهم، وجرهم بالتالي لاستهلاك أكبر قدر ممكن من اللحوم والأغذية الحيوانية (لحوم، بيض، ألبان وأجبان)؛ وبالطبع، تساندهم في ذلك الماكنة الدعائية والإعلامية الضخمة التي تعمل لصالح كبرى الصناعات الغذائية.  لذا، من غير المستغرب أن تحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى عالميا في استهلاك المنتجات الحيوانية، وبالتالي فهي تحتل أيضا المرتبة الأولى في عدد الإصابات والوفيات من فيروس كورونا؛ علما أن التقديرات تشير إلى أن حوالي 10 مليارات حيوان يذبح سنويا في الولايات المتحدة؛ وبالتالي فإن أرباح هذا القطاع تزداد باستمرار، وتزداد معها المآسي البيئية والصحية المرتبطة بها، مثل الزيادة الكبيرة في كمية المياه العادمة التي تحوي بقايا الأدوية التي تصل إلى الموارد المائية والمحاصيل.

وغالبا ما تحشر الحيوانات بكثافة على أكوام كبيرة من الروث والبول.  فالحيوانات التي تُربى في المزارع الأميركية، على سبيل المثال، تولّد وحدها فقط، كمية روث أكبر مما ينتجه مجموع البشرية، وبالتحديد، أكثر من 39 ألف كيلوغرام في الثانية.  ويلوث هذا الروث مياه الشرب وينشر مسببات المرض. 

ظهور أمراض صعبة في مزارع الحيوانات هو مؤشر على الظروف القاسية، وأحيانا الوحشية، التي تجبر الحيوانات على العيش فيها.  ويدل هذا النمط من تربية الحيوانات على أننا نعاملها كأشياء وظيفتها إنتاج الغذاء، وليس ككائنات تعيش وتحس.

الدوران في حلقة مميتة ومفرغة

العديد من الباحثين والمنظمات الصحية والبيئية أوصوا بحظر استخدام المضادات الحيوية في صناعة تربية الحيوانات لأغراض غير طبية، وتقييد استخدام هذه الأدوية فقط لمنع أمراض معينة ولعلاج البكتيريا المسببة للأمراض، وذلك لفترة قصيرة جدا.  بل إن جهات علمية أخرى أوصت بالتخلي كليا عن استعمال المضادات.  إلا أن تلك التوصيات لم تنفذ، بسبب الضغوط التي تمارسها أوساط الصناعات الغذائية الحيوانية التي لا تقل قوتها عن قوة صناعات التبغ والأسلحة التي منعت في الماضي اتخاذ إجراءات تشريعية كان من شأنها فرض قيود مختلفة على تلك الصناعات.  وحاليا، 80٪ من كمية المضادات المستهلكة في الولايات المتحدة، تستخدم في الصناعة الحيوانية.

وبشكل عام، تعطى هذه الأدوية للحيوانات بجرعات منخفضة مع الطعام أو الماء لمنع البكتيريا مسبقا من النمو، وذلك حتى تساق الحيوانات إلى الذبح؛ علما أن أهم سبب لنمو وتكاثر تلك البكتيريا الممرضة هو حشر الحيوانات بكثافة كبيرة للغاية، وإبقائها واقفة أو رابضة على برازها طوال حياتها.

السبب الوحيد لعدم موت تلك الحيوانات، وبالتالي بقائها على قيد الحياة في ظل هذه الظروف، هو الاستعمال غير الطبي للمضادات الحيوية.  ومع مرور الزمن، ونظرا لاستخدام المضادات بشكل مكثف في منشآت تربية الحيوانات، تتسارع وتيرة نمو البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية، فيتم رفع تركيز المضادات أو استخدام مضادات أقوى؛ وهكذا يستمر الدوران في حلقة مميتة ومفرغة.  أما انتشار تلك البكتيريا في البيئة فيتم عن طريق الحشرات أو الطيور.

الدروس المستفادة

خبراء علم مسببات الأمراض (باثولوجي) حددوا ثلاثة عوامل مباشرة وعاملين ظرفيين لظهور الأمراض حيوانية المصدر، أحدهما في المواشي وظروف حشرها سوية بكثافة عالية. وهنا ليس المقصود المعاملة القاسية للحيوانات، فهذه مسألة أخرى؛ بل المقصود الحشر المكثف لعدد كبير من الحيوانات، بما يشكل بيئة مثالية لازدهار الفيروسات وظهور الطفرات التي تسمح لها بالانتقال إلى البشر.

عامل آخر هو اجتثاث الغابات في العالم، والذي يتم بالعادة لغرض زراعة أعلاف الحيوانات في الصناعات الغذائية. مثال على ذلك محاصيل فول الصويا؛ إذ أن حوالي 80٪ منها مخصصة للماشية وليس للاستهلاك البشري المباشر. عمليات الاجتثاث تتسبب في إزالة المنطقة العازلة بين الغابات والتجمعات البشرية، وبالتالي زيادة انكشاف البشر للأنواع البيولوجية التي، لولا تجريف الغابات، لما التصقت بالبشر.هكذا تنتقل الأمراض إلى البشر.

العامل الثالث يتمثل في "الأسواق الرطبة"، حيث يتم تداول الحيوانات الغريبة إلى جانب حيوانات المزرعة؛ بما يشكل دعوة مفتوحةللفيروس كي يزورنا في منزلنا.

إلى جانب التغير المناخي، فإن ارتفاع الكثافة السكانية يحفز أيضًا تفشي الفيروسات وانتشار الأمراض؛ إذ أن ازدياد أعداد السكان يعني اجتثاث أكبر وأسرع للغابات والمزيد من الزراعات المكثفةوالضغط الإضافي على الطبيعة.  أما ما يتعلق بالتغير المناخي، فإن الدراسات الوبائية تشير إلى أن الاحترار العالمي يطيل فترة نشاط بعض الأمراض.

إذن، توجد طرق مباشرة وغير مباشرة لتفشي الأوبئة.  ففرص ازدياد إنفلونزا الطيور و"ازدهارها" ستنخفض مع تراجع وتقلص مزارع الدواجن، وهذا مثال على التأثير المباشر. لكن الآلية غير المباشرة أكثر خطورة.  فعندما يستهلك شخص ما كمية "س" من الأطعمة النباتية، فإنه يحصل على "ص" من السعرات الحرارية.  لكن، كي يستهلك نفس كمية السعرات الحرارية من الأطعمة الحيوانية، فإن الحيوانات نفسها يجب أن تستهلك عشر مرات "ص" من السعرات الحرارية، أي عشرة أضعاف كمية الطعام.  إنها آلية غير فعالة يتم من خلالها القضاء على غابات العالم، مع ما يعنيه ذلك من نتائج كارثية.   والخلاصة: من شأن تقليل الاعتماد على الطعام الحيواني أن يقلل أيضًا، بشكل غير مباشر، مفعول المعادلة التي ذكرناها للتو.

السؤال المطروح: هل ثمة ما يدعو للتفاؤل في أعقاب أزمة كورونا، من حيث استعدادنا لمواجهةتكرار تفشي مثل هذه الفيروسات؟أعتقد أن الجواب القاطع هو لا، وربما لا كبيرة.  فقد تنتهي الموجة الفيروسية الحالية، لكننا سرعان ما سنواجه، في المستقبل القريب أو المتوسط، جائحة جديدة، علما أن الأزمة الحالية كان من الممكن أن تكون أسوأ بكثير.  وفي كل الأحوال، بما أننا لمنتوقع جائحة كورونا، فعلى الأقل، وهذاأضعف الإيمان، لنتعلم منها العبر والدروس.

الدروس واضحة: بعيدًا عن ضرورة حظر الأسواق الرطبة، يجب إنفاذ المعاهدات الدولية التي تحظر تجارة الحيوانات الغريبة، وإعلان جميع الغابات المتبقية في العالم كمحميات طبيعية لا ينبغي تدميرها.  يضاف إلى ذلك أمر بسيط يمكن لكل واحد منا القيام به، ألا وهوأن نقلل استهلاك اللحوم والحليب والبيض إلى الحد الأدنى.هذه الممارسة ليست متطرفة كما يزعم أصحاب المصالح وذوو النزعات الاستهلاكيةالشرهة الذين يحلو لهم دائما التلويح بهذا الزعم.  كل ما علينا فعله هو التفكير في وجبتنا الغذائية القادمة:هل يجب علينا أن تناول هذا الطبق الآن، أم هناك خيار طهي آخر أقل خطورة؟إن تقليل استهلاك الحيوانات ومنتجاتها، وليس بالضرورة التوقف التام عن تناولها، يعد عملاً مهما ومفيدا.

بعد إنجاز تخفيض استهلاك منتجات اللحوم على الصعيد الفردي، وهو الجزء السهل، فإن الخطوة التالية تتمثل فيأن يطالب الشارع بإحداث تغيير في بنية اقتصادنا وسياستنا الغذائية، كجزء من مطالب الناس لتحسين الصحة العامة.من الواضح أن عملية التغيير ليست سهلة أو سريعة؛ إذ أن قوى رأس المال الغنيةوالقوية تبذل قصارى جهدها كي لا نفهم العلاقة بين الأغذية الحيوانية التي نتناولها وصحتنا وصحة البيئة، وبالتالي تدجين عقولنا بأن شواء اللحوم على النار هو تقليد ضروري، وبأن لا بديل لوجباتنا المتخمة باللحوم، ولحليب الأطفال.  البديل حتما موجود،وعلى ضوء الأزمة الوبائية الحالية، لا يبدو أن بحوزتنا خيارًا آخر سوى التبني السريع لهذا البديل.

ومن الناحية الصحية، فإن تقليل استهلاك اللحوم والتحول نحو البدائل النباتية لا يتسبب بأي ضرر لكمية البروتينات اللازمة للإنسان، ويخفض كثيرا استهلاك الدهون المشبعة التي تعد من المسببات الهامة لأمراض القلب.  ويمكننا الاكتفاء بأكل اللحوم مرة واحدة أسبوعيا على الأكثر، ما سيحسن ليس فقط أوضاعنا الصحية، وبخاصة حالة الأوردة والأوعية الدموية والقلب، بل سيساهم أيضا في تحسين أوضاعنا المناخية المحلية والعالمية (غاز الميثان الذي ينتج في الجهاز الهضمي للبقر وغيره في مزارع الحيوانات، مسؤول عن ما لا يقل عن 18% من كمية غازات الدفيئة المنبعثة إلى الغلاف الجوي والتي تتسبب في تسخين الكرة الأرضية.).  وكلما ازداد غذاؤنا النباتي وانخفض غذاؤنا الحيواني، ازدادت مساهمتنا في حماية البيئة.  يضاف إلى ذلك، أن الغذاء القائم على الطعام النباتي بشكل أساسي يعد خطوة أولية ضرورية للحد من النفقات الكبيرة المتفاقمة على الصحة والكوارث البيئية.

من الواضح، أن مناعة الحيوانات والدواجن والطيور التي تربى بطرق بلدية وتقليدية في المزارع الصغيرة غير الكثيفة، أقوى من مناعة الحيوانات التي تربى في مساحات صغيرة جدا وكثيفة، علما أن التنوع الطبيعي للحيوانات البلدية يشكل وقاية لها من الأمراض، ويحول دون تحول الفيروسات إلى الحالة الخبيثة.

ولتجنب تفشي الأمراض والأوبئة التي مصدرها الحيوان، لا بد من التخلي عن الأساليب المؤذية لتغذية الحيوانات والدواجن، والعودة إلى التربية البلدية؛ حيث تترك الحيوانات ترعى في الهواء الطلق مع المراقبة المتواصلة، وتتغذى على النباتات والمحاصيل المحلية، دون مضادات حيوية وهورمونات تضعف مناعتها وتعرضها للأمراض. 

الحفاظ على التنوع الطبيعي يعدُّ عاملا أساسيا من عوامل الوقاية من الأمراض، وبخاصة في عصر أخذت الأصناف المحلية والبلدية تتآكل وتنقرض، لتحل مكانها الأصناف الصناعية المهجنة والمستوردة من الدول الغربية وغير المتأقلمة مع البنية المناخية المحلية.

والمثير، أن نحو ثلث إنتاج الحبوب في البلدان النامية مخصص لتغذية الماشية في البلدان الصناعية، وحوالي ثلث المحاصيل الزراعية التي يتم إنتاجها حاليا في العالم، تستخدم لإطعام الحيوانات.  كما أن تغذية الماشية تستهلك نصف المساحات المزروعة حبوبا في العالم.  ناهيك أن مساحة الأراضي المستخدمة لرعي الأغنام والماشية أكبر بمرتين من مساحة الأراضي المستعملة لجميع أنواع الزراعات.

علاوة على ذلك، تربية الحيوانات تعتبر من المسببات الرئيسية للعديد من الآثار البيئية المدمرة، وبخاصة تلويث المياه، الغابات المطيرة، تدمير الموائل والتصحر على نطاق عالمي واسع، إضافة إلى قائمة طويلة من الآثار السلبية الأخرى. والغريب أن المنظمات البيئية العالمية الكبيرة، مثل "جرين بيس" و"المنظمة العالمية للحياة البرية" و"350.org" وغيرها تتجاهل الآثار الصحية-البيئية الجدية الناجمة عن قطاع تربية الحيوانات والإنتاج الحيواني، بل عجزت حتى الآن عن معالجة هذه الآثار باعتبارها أحد أهم أسباب الدمار البيئي على الكرة الأرضية. 

والمسألة الجوهرية التي يجهلها الكثيرون، هي أنه حتى لو افترضنا أن السلوك البيئي لشخص ما كان مثاليا من جميع النواحي، فإن مجرد كون وجباته تتضمن كمية كبيرة من المنتجات الحيوانية، يؤدي إلى رفع بصمته الإيكولوجية (البيئية) بنسبة 75%.