الإثنين 8/7/1444 هـ الموافق 30/01/2023 م الساعه (القدس) (غرينتش)
بين اليأس والرجاء/ بدوي الدقادوسي

‏ حينما أحس بظفرات ملتهبة تخرج من بين أضلعه أعطى ظهره للمدينة .سارحاملاً على ظهره كل هموم الدنيا، هرب من الضوضاء والاختناقات المرورية، مخلّفاً وراءه كل مشكلاتها ومنغّصاتها، وحواراته العقيمة مع زملائه الذين ابتلعت همومهم الصغيرة كثيراً من طموحاتهم، وليتجنّب رؤية المدينة التي تُذَكّره بكل المنغّصات .. هناك على مقهى في طرف المدينة طلب فنجانا من القهوة . - لا فائدة .. لا فائدة!.. فنحن نحتاج إلى معجزةٍ أو إلى رجلٍ خارقٍ لإنقاذ هذا البلد وهذه الأمة، فقد جرّبنا كل طريقةٍ .. ولا نتائج!

.. ارتشف من فنجانه سمع هاتفا يقول : - (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ)!.. صدق المولى وكذب شيطاني - لكن من أين لنا أن ننطلق مرةً ثانيةً ؟ ولا أمل لنا ونحن أضعف في هذه الدولة من عبيد قريش ؟فتذكر قوله تعالى ؟ - (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)!.. لقد فعلنا كل شيئ من أجل حياة كريمة بين الشعوب .. وقف فجأة ثم قال : - (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً)!

.. رفع صوته قائلاً : - نعم .. وما بدّلوا تبديلاً .. وما بدّلوا تبديلاً!.. أنا لاأشكك في وعد الله بل أشكك في نوايانا وقدرتنا على التغيير - الإنسان عدوما يجهل والتغيير له أعداؤه - إنّ الله عز وجل لا يُخلِف وعده للمؤمنين الصادقين، وهو سينتقم من الأعداء المجرمين، لا أشك في ذلك مطلقاً!..أخذ رشفة من فنجانه الذي سهى عنه اصطكّت أسنانه غيظاً .. نهض ليتمشّى قليلاً، - المؤمن لا يخاف إلا اللهَ عز وجل، وشعاره في كل الظروف هو : حسبُنا الله ونعمَ الوكيل!.. عموما أنت لست ذا صفة.عليك بنفسك وأولادك .ولكن ما يحدث يمسني باعتباري مواطنا في هذه البلدة . ثم مسح خدّيه بكفّه الأيسر وتمتم :

- (.. وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ..)!.. لابد من الكفاح والدعوة والجهاد، ولا بد من الصبر .. لأنّ نتيجة الصبر هي الاستمرار .. ونتيجة الاستمرار والعمل الدؤوب المخطَّط هي الفوز والنصر والوصول إلى الأهداف!.. فقد خسرتُ الدنيا، فهل أخسر بعد ذلك الآخرة؟!.. - لا .. لا .. الدنيا ملعونة، أما الآخرة .. فلا!.. لا يأس بعد اليوم، ولا إحباط، فقد تعجّلنا النتائج، ولم نقم باتخاذ كل الأسباب، والله يختبرنا، ويصقل نفوسنا، ويعمّق تجربتنا!.. ابتسم لإشراقة نفسه وسط الظلام المحيط الذي تغلغل في كل أنحاء المكان، ورفع كفّيه إلى السماء، ناظراً إلى الأعلى، متلقياً بوجهه خير الله المنهمر، مردّداً بقوّةٍ ويقينٍ وثباتٍ وخشوع :

- (.. رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ)!.. عاد لمحاسبة النادل على فنجان القهوة ولكن الظلام الدامس منعه فلقد انقطع التيار الكهربائي ابتسم وهذا أول طريق الكفاح

2013-02-03