الأربعاء 15/10/1440 هـ الموافق 19/06/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
استقالة فياض: فتح التي لم نعد نعرفها/ بقلم محمد قواص

هناك من تعرّف على حركة فتح حديثا، منذ أن أصبحت حزب السلطة التي أفرزتها اتفاقات أوسلو عام 1993. وهناك من تعرّف على حركة فتح منذ غدت نقيضا لحركة حماس، فتصادما حتى باتت فلسطين مقسّمة بحكم الأمر الواقع (الحسم/الإنقلاب) إلى كينونتين، واحدة تحكمها حماس من غزة وأخرى تحكمها السلطة في رام الله. وسواء كانت فتح حزب السلطة أو نقيضا لحماس، فقد تقزّمت الحركة وراحت تبرع في إنتاج التصريحات والمواقف لرفد الرئيس ومزاجه، واستقالت من أي دور لها يتجاوز حدود سلطة أوسلو وانشقاقاتها.

لمن لا يعرف حركة فتح قبل ذلك، قد يهوله الحجم الأسطوري للهوّة التي تفصلُ فتح الأمس عن فتح اليوم، منطق ذلك أن حركة التحرر أفاقت في غفلة على اختراق مفاجئ تحقق في أوسلو. بات على المناضلين أن يتحولوا بين ليلة وضحاها إلى موظفين يسهرون على رعاية دولتهم الفتيّة. على هذا تنقلب لغة النضال وأبجديتها وتقاليدها، إلى شيء آخر لا يشبه فتح ولا طقوسها.

لمن لا يعرف حركة فتح سنوات ما قبل أوسلو، وحتى ما قبل الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982، فإن جيلا عربيا كاملا رقص على إيقاعات تنظيم أبو عمار وأبو جهاد وأبو إياد ورفاقهم. تجاوزت الحركة فلسطينيتها، وأضحت فلسطين «مناسبة» تحجّ إليها تياراتٌ ومشارب وشخصيات، تحملُ زادها المتعدد المراجع، وتترجلُ داخل فتح كموقع طبيعي وحيد وميدان جدل وعمل رائد. توافدَ الاسلاميون واليساريون والقوميون والليبراليون، حلّت على الحركة أطياف ترجع إلى القاهرة، وجماعات تتنفس دمشق، وفرق تلوذ ببغداد، ورؤوس تقلّد موسكو وبعد ذلك طهران…

في معسكرات ومواقع فتح احتشد العربُ من كل حدبٍ وصوب، تعايشوا مع الأكراد المقاتلين ضد أنقرة، ومع القبارصة اليونانيين المقاتلين ضد الاحتلال التركي، ومع ثوار إيرلندا الساعين إلى الاستقلال عن بريطانيا، دون الكلام عن يسار أوروبا واليابان وجنوب أميركا.

لم تكن فتح فصيلاً من الفصائل الفلسطينية على ما يروق للبلادة الحالية أن تتخيّل. فهي «أم الصبي» كما يقال، وأم الجميع. تخال يساريي الجبهة الشعبية أو الديمقراطية فتحاويين يمارسون طقوسا أخرى تحت يافطة أخرى في مكان آخر. وكثيراً ما سقطت تلك اليافطات فعاد «الفتحاويون» هناك إلى فتحهم هنا. ولأنها «أم الصبي» لم تكن تتعامل مع الآخر بأدوات عصبوية كالتي تجري داخل الأحزاب، بل بأريحية الكبير في التعامل مع أبناء القضية. لوهلة كدت تخال كل فلسطين هي فتح، ولوهلة كدت تخال كل وطني عروبي أممي إسلامي مناضل هو فتح.

لمن لا يعرف فتح الأمس، هي الصبية الفخورة بذاتها وسعة صدرها. هي العصيّة التي لا تقبل وصاية أو تبعية، أو تحاول أن تكون كذلك. هي الصاعدة التي تخطب ودّها العواصم، فتتمرد صونا لاستقلال وحماية لقرار، فتسعى قصور الحكم للفتك بفتنتها.

لفتح ما لها وما عليها. سعت وحاولت وأصابت وأخطأت وانتصرت وهُزمت وكان أن انخرطت في ورشة سلطة مُرتجلة وقماشة دولة قيد التأسيس. ومن حق فتح أن تتبوأ مركز الصدارة في موقع الحكم، كما كان أمر حركات التحرر في الجزائر وفيتنام وكمبوديا والصين، لكن الدور الوليد سحب من فتح مشروعية وجودها.

لم تعد فتح تدلو بدلو يتجاوز حدود رام الله، أمست غير عابئة بفضائها العربي والعالمي وتنازلت عن عرشها وعن فرادتها، لتقبل استراحتها الكسولة من دور سرعان ما اختطفته حركة حماس وأطاحت بها.

للسلطة الفلسطينية اختصاصاتها في تدبير أمور فلسطينيي السلطة. في ذلك تقنية واحتراف يتعلق بإدارة الراهن وتفاصيله، لكن لفتح وظيفة أخرى. كان على فتح أن تنهلَ من بطون التاريخ وميادين المستقبل، كان عليها أن لا تُربكها جغرافيات أوسلو وحدودها. كان عليها أن لا تكون وقوداً لإنتاج النواب والوزراء، أي انتاج سلطة، وسلطة فقط.

في السجال الدائر حول استقالة رئيس الوزراء الفلسطيني علامات الترهل الذي أصاب الجسم الفتحاوي. فياض ليس فتحاويا، بالمعنى التنظيمي البسيط. لكن استقلالية الرجل وفلسطينيته تحيله فتحاويا بالفطرة. والنقاش ليس هنا، بل في ذلك الرجل التكنوقراط الوافد من تجربة دولية داخل البنك الدولي. لم يزعم الرجل يوما دورا سياسيا يتجاوز فتح والفصائل الرديفة. بقي أمر المرجعية السياسية في مكان آخر يقوده الرئيس أبو مازن.

لم تعد فتح حزب السلطة، صارت حزب الرئيس على منوال ما كان سائدا لدى أنظمة عربية انقرضت أو قيد الانقراض، وحين استبشر الفتحاويون بانعقاد مؤتمر حركتهم الأخير، خرج المؤتمرون بقيادة «مُـهندسة» وفق منطق الصفقات والتسويات، التي لا شأن لها بصناديق الاقتراع. استنسخت فتح وليدا جديدا يأتي على مزاج الرئيس في «المقاطعة».

في «لا دور» فتح الجديد كارثة على مستقبل العمل الفلسطيني الوطني. فتوازن كافة التيارات والفصائل الفلسطينية (بما فيها حركة حماس للمفارقة) معقود على دينامية وحيوية فتح. تستقيل فتح من دورها القائد لمنظمة التحرير، وتنسحبُ من وظيفة الرعاية الحقيقية لفلسطين الفكرة كيانا وشعبا وشتاتا ولاجئين. ترتبكُ فتح في مقاربة الربيع العربي. تُطل على الحدث من موقعٍ خجول وأحيانا متخاذل. تغيبُ عن «الفتحاوية» رؤوسها المفكّرة وقاماتها المنظّرة، فينشطُ الرداحون المطبّلون للرئيس يصلّون خلفه نحو أية قُبلة يختارها.

تنقضّ فتح على فياض كما انقضّت على محمد دحلان. وفي تباين الحالتين مشترك واحد: مزاج الرئيس. في طموحات فيّاض وسلوكه ما يربك رأس السلطة من بديل جاهز، وفي عملية الانقضاض الأخيرة، تشحذُ الفتحاوية مواهبها في النيل من إنجازات الرجل، فيما تنشط «مصادر فلسطينية» في الترويج لهرع عواصم غربية للتدخل لدى الرئيس وإنقاذ رأس رئيس وزرائه (أدان عزام الأحمد التدخل الأميركي في الشؤون الفلسطينية، وربما هذا التدخل هو الذي دفع فيّاض للإصرار على استقالته). وفي اهتمام الغرب بفيّاض اهتمامٌ بكفاءة تقنية لا بخيار سياسيي لم يدّعيه ولا يملك إمكانات الاضطلاع به. والهدف من تسريبات «المصادر» تقديم فيّاض بصفته «مفروضا» من قِبَل واشنطن ضد «القيادة في رام الله، فيأتي التخلص منه انجازاً وطنيا لا يدعو إلا إلى التثاؤب.

عجيب هذا التقاطع الفتحاوي-الحمساوي في إطلاق قصائد الهجاء ضد فياض. الرجلُ أوقف بمهنية عالية حالة التسيّب المالي وفق سلوك «يُصرف له» القديم. تقيّد بشروط العالم المانح في تقديم شفافية مالية تَظهرُ من خلالها سيرورة تلك الأموال ومصائرها. حدد الرجل هوامش الفلتان، وبقيت هوامش أخرى عصيّة في فضاءات لا سيطرة عليها. في سلوكه هذا توقف هدرٌ كان يتدحرج نحو مراكز قوى ووجهاء، كانوا أول من انبرى متصدياً لسلوكيات فيّاض «اللاوطنية» المستهترة بتاريخ فتح وبعض فتحاوييها.

حماس تنتشي برحيل رجل «أغرقت إدارته السلطة بالديون» (حسب تصريحات أبو زهري). تلتقي حماس مع فتح في الفتك بسمعة الرجل وأدائه (حنان عشراوي تحدثت عن حملة عامة لتشويه سمعة فياض). فالمشكلة لم تعد احتلالا خبيثا، وامتناعا عن تحويل مستحقات لدى اسرائيل، وتردداً غربياً في التمويل وعدم وفاء العرب بالتزاماتهم…، مشكلة فلسطين الآن إسمها فياض. فازت فتح في معركة كانت تخوضها منذ زمن، حتى حمل «رأس المعاصي» أوراقه ورحل.

انتشت الوجوه التي تمنّي النفس ببحبوحة أيام زمان. وُلدت فتح من جديد، أضحى بإمكانها حكم الضفة الغربية رداً على حكم حماس لغزة، تمخّض العملاق الذي كان يحضن العباد من مشرق الأرض إلى مغربها، فولّد مخلوقا يتحدث بعصب بيولوجي عن دمٍ قبليّ طاهر اسمه فتح.

2013-04-19