الثلاثاء 14/10/1440 هـ الموافق 18/06/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الشاعر محمود جاسم النجار يلتحف معطف الصمت بغربته .. / نهضة طه الكرطاني

يطالعنا الشوق منذ الصفحة الأولى للمجموعة الشعرية (معطف الصمت) للشاعر العراقي محمود جاسم النجار حيث الأهداء فيتوضح لنا الوَجع الكبير الذي يجتاح الصَمت ليلعن الحروب وتجار الحروب، فها هي أوجاع الغربة تجعل الشاعر المجبول على الصمت يلقي بصمته بعيداً لتنطلق الكلمات في سيلٍ مدوٍ معبرة عن الألم الكبير، حرائق من الشوق بحنجرة بلبل عاشق يشتكي السُقم من طول الفراق. فهذه الاسطورة الكبيرة للحب تتلاطم في صدره كموجٍ من الكلمات يخترق سكون الليل ليفصح عن شوق كبير للأهل والوطن ولكل حبة رمل وإلى دفء المنازل ونوح الحمائم وحتى إلى سعفات النخيل الباسقات، وسمك (المسكوف) على شواطئ دجلة في شارع أبي نؤاس...
ومع إنه يفر من الاقدار التي تسيرنا وتجعل حياتنا ليست باختيارنا.. إلا أنه يعلن سخريته من تاريخنا البائس حيث لا أقمار ولا أمطار سوى الفقر والجهل والبؤس الذي يولد البؤس للأجيال.
هذه القصيدة التي كتبت في العام 1997 لم تكن بعيدة في آلامها وبوحها لما كتب فيما بعد وصولاً إلى أوراق الشاعر في عام 2012 وما تلاه من أعوام فها هو الشاعر يعلن بعد أعوام وأعوام من تلك القصيدة أن الهم والوجع ما تغير وأنه باقٍ على حاله لم تزده الأيام إلا احزاناً وخسارات ومزيداً من الأرق.
ففي قصيدة الحروف الخمس تتوحد صورة الحبيبة ببغداد فيجعلك تتوهم عبر كل كلمة مكتوبة إنها حروف حبيبة عاشق هو لها... لتكتشف ما هي إلا بغداد المدينة التي شكلت في مخيلة الشاعر ضوء الفنارات البعيدة.. فهو إذ ابتعد عن هذه المَدينة تساقطت حروفه بابتعاده عن حروف مدينته واحداً تلو الآخر وضاعت منه الطفولة... فبعيداً عن بغداد تكون الحياة مسرحاً للموت.. وهو برحلته المتواصلة في المدن القصية يكتشف ويتيقن إنها هي وليس سواها الحياة وهي اليوم والغد والأمس، فمنها نشأت كل القارات واشرقت الدنيا. فهي مرتع الأنبياء، وها هو يعود ليناجي حلماً صار بعيداً بالعودة إليها ويتساءل بمرارة إن كانت الأيام قد ضحكت علينا وهل أن الأيام ستسمح له أن يطأ ارض مدينته الحبيبة أم سيطول الانتظار.
ويسترجع بصورة شعرية رائعة الدقة، ذكريات الأمس البعيد، أوليس الأطفال يتعلمون كلماتهم الأولى في الدرس عن الأرض والفلاح وانتظار رَغيف الخبز. وفي سؤاله المتواصل عن انقشاع الليل وإمكانية الوصول إلى الفجر الجديد، يولج المفردات البغدادية الأصيلة في صورة رائعة من الشوق (حبيبي، أغاتي، تأمرني، عوافي) في مناجاة لأرض سومر. ويناجي في إحدى قصائده المكتوبة عام 2007 أمه التي أرضعته طهر السماوات، فهي الملاذ الذي أضاعه وسط الآلام والأنين. وهو الذي يقر بأنه لو حملها 90 دهراً ما وفاها شهور الحمل التسعة.
تتلوها قصائد التغني بالحبيبة وجمالها والحلم الخجول الذي يجعل روحه تسبح هيمانة في جنان السَعد والنجوى ويناجيها وهي البعيدة التي ليس منها سوى العطر والشذا عالق بالذاكرة ويظل يحلم بها وبكل ما يتعلق بها من عطر ورضاب وذكريات ويعلن أنه قد سكن تلك الحبيبة وسكنته. ويشبهها بالنهرين الخالدين دجلة والفرات وليل بغداد.. وتتجلى اروع صور الوصف لديه عندما يصف اشتباكه بهذه الحبيبة باشتباك النهرين العظيمين معاً في شط العرب في أروع وصف لصورة العشق الذي يوحد الإنسان بأرضه ويدعو محبوبته لتوقد شمعة للغرباء والعاشقين ولتزرع الورود لتأتي الفراشات بكل ألوانها. ومع أنه يمارس عنفوانه كما عشتار الخالدة إلا أن حنينه يغالبه مرة أخرى فيتغنى بمعشوقته التي يهديها أجمل الكلمات وأرق الوصف، ويعلن أنه بنظرة إلى وجهها ينسى الظلام. وعلى قدسية هذا الحب وبراءته يشهد الشاعر الأشجار والأفياء والوفاء للقبلة الأولى.
لكن غربته لا تنتهي فيشتكي منها ومما تبثه فيه من تعب ووجع في ظل غياب الأمل وتداريه بعيداً، ويتساءل عما جناه في غربته غير الفراق وخسارات ليس له سوى الأبتهال إلى الله، فتنساب ابياته رقة عندما يصف الحنين إلى الوطن بحنين الطائر إلى عشٍ غادره، لكنه لا ينساه أبداً، فهو العش الذي جمعته أنامل الأم قشة فقشة.
وتأتي إشارته الرائعة إلى رحلة العمر المكدود بالتعب التي ينتظرنا فيها الأهل بأمل ومحبة كبيرة وفرحة لا توارى عند الميلاد.. ليبتدئ مشوار حياتنا المليء بالكد والتعب والشقاء والسهاد من دون أن ندري ماذا تخبئ لنا المتاهات، ونهيم فيها نبحث عن نبض قلب يآزرنا ويشاركنا الحزن المدفون في طيات مراسينا. إنه يذكرنا هنا بالخيبات والخسارات التي ستنتهي ذات يوم نبكي فيها على ما مر في هذه الحياة وما أدخرناه والدموع المخبوءة وصور الطفولة والأحلام الوردية المؤجلة وها هو دائماً به حنين إلى أيام الطفولة المدرسية ونقاءها وشقاوتها وكتبها وأقلامها ورنين أجراسها.
ولكي لا يضيع بعيداً عن مفردات بلده فها هو يغرق العيد بكلمات العشق والدعوة للصفح والغفران. وفي إشارة لا تتوه عنا يستحضر رمز البحث عن الخلود كلكامش ليستشهد به على غربته التي ما فتئ يبحث فيها عن ملهم لقصيدته حتى أدركه التعب وهدرت أيامه بين حب وحرب وأغتراب وظل فيها طيف الأب والأهل والشباب ورائحة خبز التنور ودعاء أمه الذي يغمس هذا الخبز وكل ما في الوطن يلاحقه أينما كان. لذا يعلن الشاعر أنه رغم وسع هذا الكون يضيق على القلب المحب المغترب حينما تنقطع أوصاله في المنافي والدروب، لذا نراه يعود في بكائه على الأهل والأحبة والأخوة والأم، بل وحتى الصحة المفقودة... فلا شيء سوى دعاء الأم يسكن في الحنايا. ويعود في إحدى قصائده ليندب الوطن والحب الذي ضاع وسنوات العمر التي تتآكلها المنافي. ويتحسر على الأخوة الضائعة حيث لا أخ ولا قريب، والغريب صار صديقاً وأخ.
وتساءل ماذا عساه يقول للغريب إذا ما يسأله عن أهله وعشيرته وتراحمهم وصلاتهم فيحير وقتها في الإجابة عن السؤال عن غياب الأهل والخلان، فتراه يسخر من كل الكلمات الغابرة التي كانت تتغنى بهذه العلاقات وترابطها فهي قد تشظت وصدأت وتعولمت وتلظت بجمر الفؤاد فضاعت الدواوين والقهوة وهو هنا يسخر من انقلاب المفاهيم، فمن يصورونه على أنه كافر بلا دين هو للإنسانية أقرب فيما ذلك الذي يتشدق بالدين والإنسانية لا نسمع له وجيب قلب محب للإخاء الإنساني فتعلوه الغيرة والحقد.
أن الصورة الشعرية المشوبة بجرأة كبيرة تلك التي يعلن فيها الشاعر انتفاء صفة الوفاء من البشر والتصاقها بالكلاب بدلاً من بني البشر والتصاقها بالكلاب بدلاً من بني آدم الذي أرتضى الغدر وإكرام الخيانة، تضعنا أمام شاعر توجه الحب والاغتراب ملكاً على مشاعر المودة الباحثة عن الحب في الآخرين.
وفي إحدى قصائده يحتفي الشاعر بالحب وألوانه وفراشاته الملونة وبلهفة الطفولة. لذا ينادي محبوبته طالباً إياها بالظهور والتجلي في حياته لتمسح تعب السنين... وهو لا يريد أن يتخلى عنها حتى بعد الممات، فيوصي بدفن خصلة من شعرها يتوسدها معه وتكون له غطاء يتنسم عطره حتى يحين اللقاء.
ومن نافذة المشفى وهو يرقد عليلاً... يسجل لأوجاعه وحنينه لغياب الأهل والأصحاب واشتياقه لمساءات دجلة ولمة الأحباب وحضن العراق، وتمتلأ عيناه بالدمع وهو يرى العراق غيمة تمطر بالدمع من أقصاه إلى أدناه. ويتحسر على وطنه وهو يرى أن الناس هناك في بلاد الغربة تفكر بالعلم والعمل والقراءة والسلام والبناء والموسيقى وتمنى لو يشابههم موطنه ويبتعد عن حروبه العقيمة الرعناء ليتعلم الناس معنى الانتماء للوطن.... ويتعلمون معنى البناء لاجتياز الجهل والطائفية الحمقاء.
ويعلنها ملأ قلبه حباً كبيراً للعراق وطن الحب والأنبياء. إنه لا يتوانى عن إقحام المفردات الشعبية التي لم يعد لها في الذاكرة الجمعية من مكان إلا ما ندر، فها هو يذكرنا بأسماء الألعاب الشعبية لصغار الحارات (مثل الدعبل والبلبل حاح) وهم يتقافزون تحت سياط اللهب لشمس تموز بلا أكتراث في أزقة بغداد الحبيبة.
وكأنه يستجمع كل ذكرياته ويوسدها وسادته وهو ممدد على سرير المرض في ذلك المشفى في الغربة وهو مسلم الجسد لمشرط الجراح بلا خوف ولا ندم، إذ ملت الروح من العذابات المُستديمة. ويوصي بأن يكتب على شاهد قبره هنا يرقد بقايا إنسان وبعض من بقايا وطن محمل بالجراح ومثخن بالألم. وهو يتمنى أن يقف من يقف ليقرأ على قبره سورة الفاتحة ولا يهم بأي لغة، فالمهم هو ظلال الوقوف الذي سيسفح روحه أمامها.... ويدعوه لأن يجلس قرب قبره ويدع قلبه عاشقاً للخير متجملاً بالصبر مذكراً إياه بأن كل ما تحمل اليدان سيؤول إلى هنا (إلى القبر). لذا فهو يدعوه إلى الترفق والنزول عن الجبروت العالي.... وأن يذرف دمعة على شاهد قبره، كي تنبت من بين الصخور زهرة تنعش الروح بظلها.
وفي آخر قصائده يلعن الطائفية المقيتة ويعلن حربه ضدها ويطلق صرخته ضد الأدعياء والقتلة والسراق ويتساءل أي وطنية عرجاء تمهد لهم قتل الناس جوعاً وترجع بالأمة العربية ألف عام وألف ميل إلى الوراء. ويتساءل بألم ممض من فخخ الفجر؟ ومن فجر الابتسامة؟ ومن ذبح شمس النهار وناثر أشلاء الضحايا؟ وعلى إثر إحدى الانفجارات الدامية في بغداد يوم 22/2/2011  يكتب الشاعر بوجع كبير قصيدة مؤلمة تكشف ما يمور في داخله من وجع، على الرغم من مرض القلب الذي ألزمه السرير.  
* بقي أن نقول في الختام أن محمود النجار شاعر وروائي وصحافي غادر العراق في العام 1994 إلى عمان ثم إلى أوكرانيا ثم استقر في هولندا. له مساهمات جادة في الأنشطة الثقافية والوطنية، حاز على جائزة الشعر في هولندا عام 2012 عن مؤسسة الهجرة الهولندية. وقد وضعت كتبه في المكتبة الهولندية جنباً إلى جنب مع الكتب العالمية تكريماً على إنسانية شعره وترجمت أعماله إلى لغاتٍ عدة، وله قيد الطبع رواية جديدة بعنوان ( القلب البديل ) تحكي عن مراجل حياتية مختلفة .

2013-07-12