الجمعة 17/10/1440 هـ الموافق 21/06/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
مفاوضات السلام الاسرائيلية -الامريكية !/عادل الأسطل

 على ما يبدو فإن المفاوضات الإسرائيلية - الفلسطينية التي جرى الاتفاق على استئنافها برعاية أمريكية، هي مفاوضات شكلية لا أكثر، لأنها ببساطة لا تحمل جديداً يمكن التعويل عليه. وإن كانت تتواجد هناك فسحة للتأملات التي سمحت بها الولايات المتحدة للفلسطينيين أن يُمنّوا أنفسهم بها إلى حينٍ معلوم أو إلى إشعارٍ آخر. بعد أن قبلوا العودة الى المفاوضات بحجة أنهم لا يريدون أن يُتهموا كمن تنازلوا عن فرصة لإيجاد الحل. منذ انعقاد الجلسة الأولى من المفاوضات في واشنطن اهتم قسم من الأمريكيين بالتركيز على ضرورة إيجاد المزيد من الوقت لبناء الثقة بين الطرفين، بينما بدت علامات التمهل والارتخاء لدى الجانب الإسرائيلي، بسبب مجيء الفلسطينيين لميدان المفاوضات بأفواهٍ ممتلئة وأيادٍ فارغة، إضافةً إلى عدم إظهارهم إشارات منشطة كي يجتهد في المشاركة بفاعلية. وفي الأثناء كانت الآمال لدى الجانب الفلسطيني معلّقة على ضرورة تحديد خطوط رئيسة، تكون أساساً للاعتماد عليها وسنداً قوياً أمام ظاهرة الصدود الفلسطيني العارم ضد استئناف المفاوضات على هذه الشاكلة، حيث لا مرجعية واضحة ولا ضمانات معلومة ولا وقف للممارسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين شعباً وأرضاً ومقدسات. منذ الماضي، جميع التصريحات الترغيبية باتجاه الجانب الفلسطيني التي كانت تنطلق من أفواه الإسرائيليين (الحمائميين) على الأقل، من أن بانتظارهم نوايا إسرائيلية جادة نحو العملية السلمية أصبحت بالكاد فقاعات هوائية وفي مرّات أخرى مجرّد لا شيء. كانت قد امتنعت زعيمة حزب الحركة "تسيبي ليفني" عن مشاركة "بنيامين نتانياهو" في ائتلافه الحكومي لعدم جدّيته في مواصلة العملية السياسية مع الفلسطينيين، فضلاً عن اتهامها له في كل محفل ولدى كل مناسبة، بأن ممارساته كانت سبباً حقيقياً لبلوغ مرحلة الصداقة الفاترة مع الدول الصديقة والمؤيدة لإسرائيل. الأمر الذي اضطرّه- لاحتواء لسانها- أن عهِد إليها هي ذاتها بإدارة الملف التفاوضى. هدأت "ليفني" منذ تسلمها العهدة التفاوضية في تلك الفترة، لكنها الآن ومنذ ولوجها للجولة الأولى من المفاوضات، وبعد كل ما كانت تصرخ به ضد "نتانياهو" نراها قد ابتلعت لسانها وكفّت عن كل تفوهاتها الماضية وأعلنت أمام الفلسطينيين، بأنها (ابنة اليوم) ومن غير المفيد الرجوع خطوة واحدة إلى الوراء. أيضاً زعيم حزب (كاديما) ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق "شاءول موفاز" الذي كان ينادي بأعلى صوته بضرورة التعجيل في البحث عن حلول للصراع الإسرائيلي، نجده الآن اختلف هو الآخر، حيث استبعد التوصل إلى سلام مع الفلسطينيين، إضافةً إلى دعوته الربط بين إطلاق سراح الأسرى (ما قبل أوسلو) بوقف التحريض الفلسطيني ضد إسرائيل. وكان الرئيس الإسرائيلي "شمعون بيريس" قد أعلن في وقتٍ سابق، من أن المفاوضات لديها هدف واضح فقط، وهو وجود دولة يهودية باسم إسرائيل. أيضاً، برز من خارج الحكومة "عمير بيرتس" بشيءٍ ليس على البال، وكان الأكثر مرونةً بالنسبة إلى الفلسطينيين، عندما ترك وراء ظهره كل التشددات الإسرائيلية، وقام بدعوة الرئيس "أبومازن" إلى إحداث اختراقات ذات معنى إذا ما أراد التقدم في عملية السلام. لم تكن تلك التراجعات وغيرها مفاجئةً لأي أحد، بسبب أن الإسرائيليين بعمومهم يعتمدون هذه السياسة منذ الأزل، فضلاً عن أن لكل مسؤول إسرائيلي تطلعاته نحو الأعلى. فبالنسبة "لليفني" على سبيل المثال، فإنه يهمها أكثر عرقلة أي تقدم في عملية السلام، في محاولتها قصف رصيد "نتانياهو" السياسي بالتوازي مع شروعها بإعادة ترتيب أوراقها نحو طموحاتها اللامتناهية نحو قيادة الدولة برغم تواجد الكثيرين من الأعداء الذين يقولون بعكس ما ترغب به، ويتمنون فشلها الشخصي والسياسي على طول المدى. الآن ستبدأ الجولة الثانية من حزمة المفاوضات الجديدة، وقريباً هذه المرة، ليست في واشنطن بل في القدس لتقليل التكلفة على الأقل، حيث كان مقرراً لها أن تبحث ملفي الحدود والأمن. ولكن لا أحد يدري في أي قاعة سيتم عقدها ومع من سيتم التفاوض، لا سيما وأن لا أحد في إسرائيل ينتظرها كما ينبغي. فبالنسبة إلى "ليفني" فهي منشغلة بخصوصياتها أكثر من ذي قبل، وهي ليست على استعداد لإضاعة الوقت. أيضاً المذكور "يتسحق مولخو" هو مأمورٌ بعدم تحريك ساكن، فمنذ أن عيّنه "نتانياهو" موفداً لمفاوضات السلام، انحصرت وظيفته -عندما يُطلب منه- في الضغط على مفتاح التفجير للانتهاء من الكل. كما أن "نتانياهو" نفسه في هذه الأثناء طريح الفراش، ولا يزال يئن بدون انقطاع من جراء خطى المقصّات التي بقرت بطنه رغماً عنه، وقد لا يشعر بخير خلال مدة قصيرة قادمة، حتى يكون بمقدوره متابعة سير المفاوضات. ربما الموفد الأمريكي "مارتين إينديك" الذي أسقطه وزير الخارجية الأمريكي "جون كيري" خلال اليومين الفائتين في المنطقة لمراقبة الوضع العام، هو الذي سينوب عن الجانب الإسرائيلي، في لقاء الفلسطينيين، على سبيل تمضية الوقت ولتحديد موعدٍ جديدٍ للجولات الآتية في المستقبل. الجانب الأمريكي دائماً وأبداً لا يحب الفشل، ولكنه تعوّد عليه في كل مرة وخاصةً في شأن القضية الفلسطينية، وكانت العقلية اليهودية وراء الكثير من الأفشال الأمريكية، ناهيك عن أن الأطوال الزائدة التي يتصف بها الرؤساء وصناع القرار في الولايات المتحدة، كانت أسباباً كافية لتمثيل جزءٍ مهمٍّ لتلك الأفشال. حتى معاهدات السلام المبرمة بين إسرائيل وكل من مصر والأردن والفلسطينيين في الماضي، لم تكن نجاحاً للأمريكيين بقدر ما كانت نتيجة رغبة بين الأطراف للوصول إلى اتفاق. ربما أمتار قليلة تفصل بين المكان الذي ستنعقد فيه المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية وبين المكان الذي تعقد فيه المباحثات الأمريكية – الإسرائيلية، منذ أكثر من شهرين بقيادة الجنرال الأمريكي "جون ألن" في شأن ما يمكن تسميته بالترتيبات (الأمنية) التي ستصاحب أي حل سياسي مستقبلي يمكن أن يتم التوصل إليه. وهذه المفاوضات من غير شك يسودها التناغم والانسجام إلى أبعد الحدود، وكأنها مفاوضات ذاتية، وذلك لتطابق وجهات النظر فيما بين الطرفين، بعد أن أفلحا بتغييب الجانب الفلسطيني من المشاركة فيها أو حتى تسليمه تقارير عنها، باعتباره صاحب القضية الرئيس الذي لا يصح تجاوزه، بالرغم من إعرابه عن القلق البالغ من حدوثها، حيث تبدو المشكلة لديه في رغبة إسرائيل برسم حدودها بنفسها ووفق حاجاتها الأمنية، وبالتالي السيطرة على المزيد من الأراضي الفلسطينية بمباركة أمريكية، حيث تفرغ العملية السياسية من مضامينها بالكليّة. وبدت المشكلة لديه أكبر، عندما أفلت من يديه ما يعتبره مكسباً حقيقياً – بالرغم من أنه كان مجحفاً- عندما حصل الرئيس "أبومازن" على اتفاق بشأن الملف الأمني خلال مفاوضات رسمية جرت مع رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق "إيهود أولمرت" في عام 2009، بحيث لو تم إقراره في ذلك الوقت لما وصلت الحالة التفاوضية إلى هذه الدرجة من التعقيد. حيث لم يعترف "نتانياهو" بذلك الاتفاق بعد استقالة "أولمرت" مباشرةً وطالب بالعودة إلى المفاوضات من نقطة الصفر. لقد ثبت قول القائلين بعدم جدوى المفاوضات وخاصةً التي استؤنفت مؤخراً، وكانت محل رفضٍ وجدلٍ كبيرين لدى عامة الفلسطينيين، بسبب أن شيء متوقف على إسرائيل ماهيتهً ومشروعاً، وبالتالي فكل شيء منوط بالمريض "نتانياهو" وبقراراته المتحركة في كل لحظة. حتى الكثيرون من الإسرائيليين والأمريكيين يتساءلون دوماً عن نواياه ويتابعون أفكاره، تماماً كما يتابعون أحوال الطقس، بحيث يتعذّر عليهم القيام بتبنّي أيٍ منها، كونها غير مرئيّة وغير مستقرة. لقد ثبُت على "نتانياهو" منذ الماضي وإلى الآن، عدم اكتراثه بالقوانين والأعراف الدولية من حيث ممارساته العدوانية ضد الفلسطينيين أو إنهاء احتلاله للأراضي الفلسطينية، وبات من وراء كل مفاوضاته، مقتنعٌ فقط بتحقيق أحد أمرين، الأول، هو تنفيذ خطّته التي تقول بأن كل ما لديه هو إثبات أن ليس هناك شريك لعملية التفاوض، بهدف عرقلة المساعي للتوصل لاتفاق نهائي. والثاني، هو تقديم ما ستسفر عنه المفاوضات الأمنية الأمريكية - الإسرائيلية، باعتبار المسألة الأمنية تأتي في المقام الأول بالنسبة للدولة الإسرائيلية والتي في حال تم الاتفاق مع الأمريكيين بشأنها، فسيعتبر إنجازاً يُنهي القضية برمّتها، والذي بموجبه لن يتم تسليم الفلسطينيين أكثر من 40% من الأراضي الفلسطينية. وعندها سيكون مطروحاً أمام الفلسطينيين اتفاقاً مكتوباً باللغتين الإنكليزية والعبرية، إمّا أن يقبلوا التصديق عليه وإمّا أن يرفضوه. خانيونس/فلسطين 13/8/2013

2013-08-12