الثلاثاء 18/12/1445 هـ الموافق 25/06/2024 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الحرب على سوريا والسلام على فلسطين!/د.عادل الاسطل

  ما من صراع دولي أو محلي تقوم به الولايات المتحدة أو بإذنٍ منها، إلاّ وكانت له الكثير من الارتدادات المؤلمة على القضية الفلسطينية وبالتالي على الشعب الفلسطيني الذي شارف على فقدان الكل سواء في الداخل أو الخارج. فمنذ بدايات الحرب الباردة 1945، بين القوّتين العظميين، الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، وما شهدته من صراعات تنافسيّة وبالوكالة، فقد كانتا في جزءٍ كبيرٍ منها تعتمدان القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، مرتكزاً لحيازة المكاسب لصالحها مقابل الطرف الآخر. بعد اندثار الاتحاد السوفياتي أواخر عام 1991، وبروز الولايات المتحدة كقطبية واحدة، أصبح لها أن تجعل من العالم، عالماً عولمياً واحداً. وأصبح بيدها أن هذا العالم يرتبط بها بمستوياته كافة (قيم ومنظومة قواعد أساسية واحدة) من صناعتها. كما أصبح لديها من القدرة على إجبار الدول نحو التهافت إلى جوارها ومعها، والبعد عن مغاضبتها وخاصة الدول العربيةـ بهدف حمايتها، وبدرجة أقل بشأن حل مشكلاتها وخاصةً القضية الفلسطينية، فقد أخذت الولايات المتحدة على عاتقها مسألة سيادة العالم، وفق ما تقتضيه استراتيجياتها وما يتفق مع مصالحها، كونها القوة العظمى الراعية للديمقراطية والحامية للحرية وللسلامة والحافظة للنظام العولمي الجديد، أن تعمل في مواجهة بوسائلها المختلفة وخاصة العسكرية، ما يظهر لها من أضداد وأنداد إن عاجلا أو آجلا. وبالمقابل حل قضاياه وفق ما تراه مريحاً لها ومقبولاً لديها، وبالنسبة للقضية الفلسطينية، فقد جعلتها –كما أبدت- في رأس أولوياتها، نظراً لعلاقتها الوثيقة بالدولة الإسرائيلية دينياً وأمنياً واقتصادياً، وأيضاً مصالحها مع الدول العربية وخاصةً النفطية. وقد قامت فعلاً بجمع ما في أدراج الدول المهتمّة بالصراع العربي- الإسرائيلي وبالقضية الفلسطينية من وثائق ومُثبتات ومستندات وأوراق، وجعلتها داخل دواليبها، وأنكرت على الباقين أن يتحدثوا فيها بما يخالف رؤاها، أو يتعارض مع مواقفها. منذ بدء حرب الخليج الأولى (عاصفة الصحراء)، أوائل عام 1991، التي قامت بها الولايات المتحدة وحلفائها ضد دولة العراق بهدف تحرير الكويت، كانت وعدت بشكلٍ جاد، بالعمل المستميت على حل القضية الفلسطينية حلاً عادلاً، حال الانتهاء من غسل يديها وتنشيفها، وكان الوعد ذاته قد تجدد منذ تحضيرها للحرب على أفغانستان (عملية الحرية المستديمة)، بحجة الحرب على الإرهاب في أعقاب تفجيرات برجي التجارة الأمريكيين في نيويورك في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، أيضاً كررت تعهداتها مرة ثالثة في العام 2003، حينما شرعت في نيّتها الحرب على العراق(حرب الخليج أو احتلال العراق أو تحرير العراق)، بحجة تهديد الأمن العالمي وتطوير أسلحة نووية. لقد حصل ونفذّت الولايات المتحدة كل أهدافها خلال حروبها تلك، بما فيها القتل والتدمير إلى حد الانهيار الكامل لتلك الدول وربما إلى قيام الساعة، ولم يحصل أن تحركت بوعودها بشأن القضية الفلسطينية ولو قيد أنملة أو جزء منها على الأقل. ربما لا نستطيع أن نعتب كما يجب على الولايات المتحدة، بسبب أنها استعمارية بالدرجة الأولى، وعنصرية بالدرجة الثانية، وتوراتية بدرجة ثالثة وكاذبة بدرجةٍ أعلى وأعلى، وربما أيضاً لا نتمكن من أن تأخذ إلى حدٍ ما على الزعماء والقادة العرب كما يجب، بسبب أنهم مستعمَرين بالدرجة الأولى، ومغّبين بالدرجة الثانية، ومطيعين بدرجة ثالثة، وضعفاء بدرجةٍ أعلى وأعلى. لا شك بأن الربيع العربي ومنذ ابتدائه بدولة تونس ومروراً بالأحداث الليبية ودول أخرى لا سيما التقلبات المصرية وانتهاءً الآن بالأزمة السورية، قد جاء بمحاسن مهمّة - بالرغم من التدخلات الأمريكية- ولكن هذه المحاسن كانت متشابكة بجملة لا تُحصى من المساوئ، بحيث يصعب فصلها عنها، بسبب ما نتج عنه من ضياع الأمن وفقدان الاستقرار ناهيكم عن الصراعات الدامية التي نشأت بين أفرقاء الشعب الواحد. الأمر الذي لم يشتت شمل تلك الدول وإضعافها وحسب، بل قتل روح الحياة فيها، وسواءً في سياساتها لنفسها أو الخارجية التعاونية، أو سياستها الصراعية تجاه أعدائها وخاصةً إسرائيل. قد تكون لهجوم أمريكي على سوريا آثاراً قاسية. ولا يتوقف الضرر على أن حجمه الفعلي متعلق بطبيعة الضربة العسكرية، بمعنى إذا كانت حرب محدودة سيكون الضرر محدوداً، وإذا تعدى إلى إنهاء النظام السوري، فإن التداعيات ستكون أخطر، بل في كل أحوالها سيتدحرج الخطر على نحوٍ أكبر وبدرجةٍ أقسى وخاصةً في مرحلة ما بعد الهجوم، فقد تكبر الحرب إلى أكثر من التوقعات، وتطول إلى أبعد من التصورات، وعندئذ قد تهوي المنطقة إلى- صراعات طائفية- التي ستتضح حينها الطّامة الكبرى، وعندها ربما لن تكون هناك دولة عربية ولا قوّة عربية، وربما أيضاً لن نجد قضية فلسطينية من الآن فصاعداً، وإن كان هناك المزيد من الغضب العربي. لقد مرّ العرب في حالات كثيرة من التجارب والامتحانات، وخرجت من لجانها صفراً في كل مرة، حيث ثبت لها فشل اعتمادها على الولايات المتحدة وحلفائها معها، وأُصيبت بخيبات أمل كبرى وتصرفات مهينة من قِبلها سواءً بالنسبة إلى ابتزازهم اقتصادياً وامتهانهم في قيمهم أخلاقهم، واستفزازهم في كل حال. وبالمقابل، مساندة ودعم إسرائيل صراحةً أمام أعينهم وما زالوا يتصرّفون بجنون أمام شعوبهم ويسلبونهم قيمهم الجوهرية والانسانية. كان الأولى، أن يقوم الذاهبون إلى الحرب من العرب والمسلمين بعمل شيء ما لمنع وقوعها، قبل فوات الأوان، على أن هناك المزيد من الخيارات الكفيلة بردع المعتدي والفاعل لجرم، دون أيّة تدخلات خارجية، والاتجاه بنفس الرغبة في الحرب، إلى الضغط ناحية حل القضايا الخلافية العربية والإسلامية، وخاصةً ناحية القضية الفلسطينية، حيث أن الولايات المتحدة بالرغم من اعتبارها القوة العظمى، إلاّ أـنها لا تستطيع الإقدام على أيّة حروب أو غزوات، دون توكيل منهم وبتعهّدهم دفع تكاليفها أيضاً.

خانيونس/فلسطين 31/8/2013

2013-08-31