الأحد 2/2/1442 هـ الموافق 20/09/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الخدمة الوطنية-المدنية وعلاقتنا بالدولة / بقلم حنين زعبي

سؤال الخدمة المدنية بالنسبة للفلسطينيين في إسرائيل، هو ليس سؤالا مدنيا في جوهره، بل هو سؤال في الهوية أساسا. الدولة تغطي على دافع بناء "هوية موالية"، عندما تطرح الموضوع  بخطاب "مساواة" مدني. لكن نحن علينا أن نكون واضحين في الإجابة: نحن لا نخدم في الجيش الإسرائيلي، لأننا لا نشارك إسرائيل في تعريفها للعدو، ونحن لن نخدم في "الخدمة الوطنية-المدنية" لأننا لا نشارك إسرائيل في تعريفها لذاتها. 

خطاب الخدمة العسكرية هو ليس خطابا مدنيا يتعلق بمسألة حقوق وواجبات المواطن فقط، بل هو خطاب انتماء، يتعلق بالتماهي مع الدولة والدفاع عنها. الذي يخدم في الجيش الإسرائيلي لا يخدم فقط كواجب، بل كرسالة أيديولوجية، أي الخدمة هنا هي تعبير عن حق، وليس عن مجرد واجب. التجند للجيش الإسرائيلي، بالنسبة للمواطن اليهودي، هو ليس عبئا، أو بالأحرى لا يقتصر معناه وقيمته على مفهوم "العبء"، بل هو تعبير عن بناء الذات، وعن التعاضد الاجتماعي. بهذا المعنى نحن كفلسطينيين محرومين من هذا الحق، حق أن يكون لنا "جيش" نتماهى معه ومع دوره، أو حق أن نشارك في تحديد مكانة ودور "الجيش" الذي يمثلنا.
بالتالي الطريقة الأمثل لوصف علاقتنا بالقوة العسكرية الإسرائيلية هي ليس أننا لا نشارك فيها، أو أننا لا نقوم بواجبنا في المشاركة بها، بل الأهم أنها لا تمثلنا، ونحن لا نتمتع بالحق في أن "تمثلنا" هذه القوة العسكرية القامعة والمحتلة.
وهذا المستوى من النقاش والمعنى، لا يختفي عند الانتقال من الخدمة العسكرية إلى الخدمة المدنية. وإذا كنا نريد أن نتكلم عن جوهر المساواة الحقيقية بين العرب واليهود، فهي تلك المساواة التي تتعلق بمسألة الانتماء، وليس فقط بمسألة الحقوق والواجبات. لا يمكن الحديث عن مساواة في الواجبات دون الحديث عن المساواة في الانتماء. المساواة في الانتماء، وليس المساواة في الحقوق، هو شرط للحديث عن المساواة في الواجبات. وكما الحديث عن المساواة في الواجبات كشرط للمساواة في الحقوق هو حديث فاشي، لا يؤمن بحقوق الإنسان بل يؤمن باشتراطها، كذلك، الحديث عن المساواة في الحقوق كشرط للحديث عن المساواة في الواجبات هو حديث يقمع قضية الهوية والانتماء. 

وعلينا أن نميز بين فرض الخدمة العسكرية على اليهود المتدينين، وبين فرض الخدمة الوطنية -المدنية على العرب. الدافع والمنطق في الأول مدني، هو منطق توزيع أعباء، لكن في الثاني هو فرض ولاءات، أو افتراض ولاءات، وفي حالتي الفرض والافتراض، الأمر مرفوض. 

نحن نرفض الخدمة الوطنية- المدنية، ليس بسبب أبعادها المدنية، بل بسبب أنها تفرض تطبيعا في علاقتنا مع الدولة، أو تفترض علاقة مواطنة طبيعية، أي علاقة انتماء بين الفلسطيني وبين الدولة العبرية، ونحن لسنا في علاقة مواطنة طبيعية، نحن مواطنون في دولة تعرف نفسها كدولة لشعب آخر، ومن هنا عنصر الانتماء الذي يحدد الواجبات والذي يحدد العلاقة الطبيعية مفقود. والانتماء لا يأتي من مجرد مساواة مدنية أو حتى قومية في الحقوق، الانتماء في حالتنا هي مسألة تحددها بالأساس طبيعة قيام هذه الدولة.  
وباستعمالنا تفسير أننا نرفض اللخدمة المدنية بكوننا "لا نأخذ حقوقنا" فنحن نظريا "نؤجل" الخدمة الوطنية-المدنية "لحين" أن نأخذ حقوقنا، لكننا بهذا الخطاب لا ننزع الشرعية عن المشروع، ولا نكشف الغطاء عن بديهية "الولاء" للدولة، أو بديهية "العلاقة الطبيعية" بين المواطن والدولة، التي تؤسس لمنطق المشروع.    
بالتالي، المطلوب الآن، هو أن نوضح هذا المستوى من النقاش، أن نوضحه للدولة، وأن نوضحه لشعبنا ولشبابنا.  الخدمة الوطنية-المدنية، أتت كاستمرار لمخططات أسرلة لا تتوقف، وكمؤشر لمخططات أسرلة فشلت أو نجحت جزئيا ليس أكثر، لكن دورنا الوطني يتعدى مجرد إفشالها، دورنا الوطني هو أن نطرح بقوة أن علاقتنا مع الدولة تتعدى علاقة الحقوق والواجبات، دورنا الوطني هو في أن نقلب هذه المخططات رأسا على عقب، بمعنى أن نحول مخططات أسرلة، لملفات تعيد فتح أسئلة الهوية والعلاقة ما بيننا كفلسطينيين وما بين الدولة العبرية ككيان أقيم وما يزال على أنقاضنا المهدومة وعلى أكتافنا الحية. 

قضية الواجبات/ الأعباء، في حالتنا هي قضية هوية، وهي ليست قضية مدنية، ومن يريد أن يفتح خطاب "الأعباء" عليه أن يفتحه من منافذه الصحيحة: الفلسطيني لا يشارك في أعباء الدولة، فقط، الفلسطيني دفع ويدفع قصرا، جميع أعباء قيام هذه الدولة، الأراضي، المياه، القرى، المدن اليهودية، جميعها أقيمت فوق أرضه وأخذت منه. المشاركة والمساواة في الأعباء تعني إعادة تقسيم الموارد بشكل عادل، وهي تعني إرجاع الأرض للفلسطيني، وإرجاع الفلسطيني لأرضه

2012-07-06