الجمعة 17/3/1441 هـ الموافق 15/11/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
أزمة جامعة بيرزيت ومقاربات الحل /بقلم د.جمال السلقان

  رئيس مجلس طلبة جامعة بيرزيت عام 1985/86 وعضو لجنة تيسير الحوار بين طلبة وإدارة الجامعة

في مثل هذه الأيام من العام المنصرم كنت وسيطا بين مجلس الطلبة والكتل الطلابية من جهة وإدارة الجامعة ومجلس أمنائها من ناحية أخرى، كان ذلك ضمن لجنة وساطة تشكلت من مجموعة من أعضاء مجموعة أيام بيرزيت للخريجين، بتاريخ 11/8/2012 تم التوصل لاتفاق يقضي بفتح الجامعة لأبوابها والشروع باستمرار الفصل الصيفي؛ وكذلك الشروع الفوري بحوار مبدئي ومفصل وشامل لموضوع الأزمة المالية التي تعاني منها الجامعة وفق منظومة من الضوابط التي تلامس جوهر الأزمة، وهكذا تم إنقاذ الفصل الصيفي بعد ان كان مهددا بالإلغاء بسبب الإضراب. وبالفعل فقد بدأت جلسة الحوار الأولى بنفس اليوم واستؤنف بالجلسة الثانية بتاريخ 13/8 واستكمل بجلسة ثالثة بتاريخ 15/8/2012 ورابعة وخامسة. ساد الحوار جواً ايجابياً ورجحت فيه الرغبة في التعاون من كافة الاطراف وروعي في الحوار مبادئ هامة شكلت أساساً للاتفاق ؛ أهمها أن المقصود من الحوار التوصل الى حلول عادلة تضمن حق الطلبة الفقراء في استكمال تعليمهم وأن لا يحول وضعهم المادي دون تمتعهم بهذا الحق ، وكذلك التوصل الى حلول تضمن للجامعة وللعملية التعليمية اداء رسالتيهما على نحو مستدام. وفعلاً ، فقد سارت كل الحوارات على هذا النحو المتوازن ، واثمرت جلسات الحوار عن حلول مرضية لكافة الاطراف وداهمت جميع المسائل المتصلة بنشوب الأزمة بما في ذلك الاقساط والرسوم لكافة الطلبة . كما تم الاتفاق على آليات تضمن استمرار احترام كل الاطراف للمبادئ المذكورة أهمها اعتماد المسح الميداني الاجتماعي لأوضاع الطلبة أساساً لتسكين الطالب / ة على الفئة التي ينتمي اليها من حيث قدرته /ا على دفع الاقساط والرسوم ؛ كذلك توسيع وتعزيز مصادر صندوق الطالب المحتاج؛ كما تقرر تشكيل لجنة تشرف على الصندوق يكون في عضويتها ادارة الجامعة ومجلس الطلبة ولجنة تيسير الحوار ( من خريجي الجامعة ) ، يناط بهذه اللجنة التقرير في مدى ملاءة الصندوق المالية وتحديد الخطوات التالية بناء على ذلك قبل نهاية كل فصل دراسي انسجاماً مع هذه الاتفاقية. لقد استخلص المتحاورون الدروس والعبر من الأزمة وأكدوا على ضرورة استمرار العمل الدؤوب لضمان عدم استفحال الازمة المالية التي تمر بها الجامعة وقوامها العجز في الموازنة السنوية والعجز في صناديق التوفير ونهاية الخدمة للعاملين ، وان على اسرة الجامعة ان تبحث عن سبل مؤاتية لتوسيع موارد الجامعة ، والبحث عن مصادر تمويل أخرى وعدم الاكتفاء بالموارد التقليدية او الاقساط. من حسنات الحوار بعيدة المدي هي إدراك المتحاورين ان ترسيخ اسلوب الحوار الديمقراطي بين مكونات الجامعة هو الاسلوب الأمثل والضمان الوحيد لمواجهة التحديات الجسام التي تمر بها الجامعة .

واتفق في الختام على اننا وباسم كافة أطراف الحوار ( من مجلس الجامعة ومجلس الطلبة والحركة الطلابية ولجنة الوساطة ) نهيب بحكومة السلطة الوطنية الوفاء وتسديد التزاماتها تجاه الجامعة، وكذلك بكافة مؤسساتنا الوطنية والشخصيات الوطنية والاقتصادية والقطاع الخاص ان يضطلعوا بمسؤولياتهم جميعاً تجاه الجامعة حفاظاً على هذا الصرح الوطني شامخاً وعامل تثبيت وصمود لشعبنا ، صرحاً فاتحاً ابوابه لكافة ابناء شعبنا فقراء ومقتدرين .. وبناء على تجربة الوساطة التي قام بها الخريجون في حل الإشكال السابق العام الماضي، وتجنباً لتكرار وقوع الإشكالات والإضرابات مستقبلاً على هذا النحو الذي أصبح يهدد مسيرة الجامعة، وأخذاً بتراكم خبرة الأجيال لدى مجموعة الخريجين فإن هناك ضرورة لإستخلاص العبر من الأزمات التي مرت بها الجامعة، وبحيث يتم مداهمة موضوع الأزمة المالية التي تعاني منها الجامعة بشكل جدي وغير مسبوق وليأخذ هذا الموضوع الأولوية التي يستحق، فبدون ذلك ستبقى الجامعة عرضة لأزمات متلاحقة. لدي اعتقاد راسخ أن هناك متسعاً لوضع حلول لهذه الأزمة عبر الإستثمار في الكامن المعطل في الجامعة والمحيط وإعطائه كل الجهد من أجل تثمير إمكانات الجامعة والمجتمع الفلسطيني للخروج بحلول ذات طابع مستدام.

إن هذا الأمر يحتاج لبلورة خطة استراتيجية تحدد الفرص والتحديات وتعمل في منطقة تلاقي "الواجب عمله" و"الممكن عمله" و"المرغوب في عمله" من أجل البحث عن فضاء أوسع من الفضاء الحالي المقيت الذي يبقي الجامعة أسيرة لخيار واحد وهو رفع الأقساط لسد العجز في الموازنة . ثمة مبادىء ومفاهيم هامة ترتكز اليها هذه المقاربة لهذه الأزمة لا بد من التأكيد عليها واحترامها ومراعاتها بكل طاقتنا عند الحديث عن اي حل عادل:

* ضمان حق الطلبة الفقراء في استكمال تعليمهم، وأن لا يحول الوضع المادي للطالب دون تمتعه بهذا الحق.

* ضمان أداء الجامعة كمؤسسة لرسالتها على نحو مستدام وسير العملية التعليمية بشكل مستقر ومنتج وفعال.

وعليه، فإنه من الملح ان تسارع أطراف الأزمة الى ايجاد مخرج معقول من الوضع الحالي وإنقاذ الفصل الدراسي ليتسنى للجامعة ومجتمعها (الادارة، الطلبة، العاملين،و الخريجين) بدء العمل الاستراتيجي والفعال لتنفيذ رزمة تاريخية من السياسات الفعالة لحل هذه الأزمة، وهذه مجموعة من المقترحات لحل الأزمة المالية على المديين المتوسط والبعيد، على أن يتم بحثها ودراستها بشكل جدي ضمن طاولة حوار متخصصة تعقدها أطراف مجتمع الجامعة، ومن هذه المقترحات:

أولا: أن يتم توسيع الجامعة أفقياً، بحيث يتم زيادة عدد الطلبة الى المستوى الفعال والصحي، يقصد من ذلك توزيع النفقات الرأسمالية والثابتة على عدد أكبر من الطلبة وبحيث تكون كلفة الطالب أقل على الجامعة. من المفهوم أن ذلك لن يكون على حساب المستوى التعليمي وجودة ونوعية خدمة التعليم التي تقدمها الجامعة.

وللتقرير على نحو علمي يحدد مدى عملية هذا المقترح فإنه يلزم إجراء دراسة علمية للتكلفة والمنفعة Cost-Benefit Analysis، بحيث يتم مقارنة سيناريوهين : واحد يتعلق بالعدد الحالي للطلبة وقياس جميع المتغيرات ذات الصلة بما في ذلك الجودة والنوعية وقياس حجم العجز المالي لهذا السيناريو، والآخر يقيس نفس المتغيرات المتصلة بتوسع الجامعة وزيادة عدد طلبتها، المقصود من هذه الدراسة هو تحديد موقف علمي من جدلية مدى تأثير توسع الجامعة على المستوى الأكاديمي للجامعة وجودة خدمتها، هذا علماً أن أفضل جامعات العالم ليست جميعها الأقل من حيث نسبة عدد الطلبة للأساتذة، فثمة عوامل أخرى هامة تحدد مستوى التعليم.

ثانيا: إشراك القطاع الخاص في حل الأزمة، بحيث يخاطب مجتمع الجامعة هذا القطاع بكافة مكوناته للوصول الى شراكة مستدامة تعكس التزام القطاع الخاص بقضاياه المجتمعية من ناحية، وكذلك التزام الجامعة بتقديم خدماتها النافعة لهذاالقطاع. وفي كل الأحوال سيتعهد القطاع الخاص بالحفاظ على ملاءة صندوق يتم تحديد رأسماله الدوري ليكون بمثابة صمام أمان لتغطية احتياجات الجامعة في حالة قصور مصادر أخرى . أعتقد أنه ليس من الأخلاق، بل إنه ضرباً من الجنون أن يعطي الشعب الفلسطيني إحدى الشركات احتكاراً لمدة عشرين عاما أو أكثر في مجال الاتصالات ، وتقوم هذه الشركة بتحقيق أرباح تفوق المئة وخمسين مليون دينار سنويا ،بينما يبقى أبناء هذاالشعب (مانح الإحتكار لهذه الشركة) فاقدين لحقهم في التعليم الجامعي، يمكن للقارىء ان يصل لنفس النتيجة بخصوص شركات أخرى، أعتقد أن ثمة قوة أخلاقية يملكها هذا الشعب في لجهة حقه باقتطاع نسبة من هذه الأرباح ليفردها للتعليم.

ثالثا: إطلاق الممكن من إمكانيات الجامعة المعطلة، بحيث تتعاقد الجامعة كمؤسسة لتقديم الاستشارات والأعمال المدرة للدخل ، هذا بدلا من تعاقد أفراد ينتمون للجامعة ويحققون عوائد طائلة لا تستفيد الجامعة كمؤسسة منها. هذا يمكن تنفيذه من خلال تأسيس معهد جامعة بيرزيت للأبحاث والاستشارات الذي سيتعاقد مع الممولين لهذا الغرض، أرجو أن لا يستهين القارىء بهذا المصدر ، كما أن معهدا كهذا يمكنه مراكمة الخبرات والحلول والأبحاث وبهذا يمكن للجامعة أن تساهم على نحو فعال في بناء المجتمع الفلسطيني وتطويره.

رابعاً: ضرورة تأسيس صندوق يعمل كبنك لمنح وإقراض الطلبة بشروط سهلة، ويقع ضمن ذلك تفعيل صندوق الطالب الفلسطيني ومعالجة جميع العقبات اتي اعترضت تنفيذه حتى الآن، هذا مع إمكانية تغذية صناديق الزكاة لهذاالصندوق، فلا يعقل توفر مال بهذا الحجم ولا يتم الاستفادة منه في موضوع التعليم (من الممكن تكييف الموضوع حسب الوجه الشرعي للزكاة ).

خامسا: توحيد الصرف بين الجامعات الفلسطينية وتركيز هذه العملية بحيث تطبق على النشاطات المتكررة التي يصاحبها نفقات متكررة بين الجامعات بشكل يبالغ في بند التكاليف المكررة والتي يستفيد منها عدد محدود من المستهدفين، من البديهي أن تطبيق مفهوم " التداؤب" Synergy على هذا النوع من النشاطات سيكون له نتائج هامة على صعيد تخفيض التكاليف. هذا من حيث الحلول متوسطة وبعيدة المدى، ومن أجل أن يتم ذلك في أجواء صحية قائمة على الحوار والتعاون المتبادل بين مكونات مجتمع الجامعة، فإنه من الحيوي أن تتعامل أطراف الأزمة بشكل إيجابي مع الأفكارا الهادفة لتقديم حل الآني للأزمة الحالية والتي نقدمها على قاعدة المبادىء المذكورة أعلاه ( ضمان حق الطلبة الفقراء في استكمال تعليمهم، وضمان أداء الجامعة كمؤسسة لرسالتها على نحو مستدام وسير العملية التعليمية بشكل مستقر ومنتج وفعال)، وإذا أخذنا بالاعتبار مسألة إغلاق الجامعة ومسألة فصل بعض الطلبة ردا على ذلك ، سيكون من المنطقي ان تلاقي المبادرة التالية تفهما كبيرا وايجابيا من قبل أطراف الأزمة:

أولا: يقوم مجلس الطلبة وإدارة الجامعة بالإعلان عن التوصل الى اتفاق مبدئي يتم بموجبه:

1- فتح الجامعة ابوابها وإعادة الطلبة المفصولين وغلق هذا الملف نهائياً.

2- اعتبار ما دفعه الطلبة من فارق ناتج عن تثبيت سعر صرف الدينار رصيداً لهم في حساباتهم، ذلك انتظاراً لنتائج الحوار الذي سيبدأ فورا بمجرد الاعلان هذا الاتفاق والذي يقوم على الأسس التالية:

أ- تقدير حجم الإيراد المتأتي من تثبيت سعر الصرف وبحث تغطية هذا المبلغ من مصدر خارجي، بحيث تتوجه الجامعة فوراً بكافة مكونات مجتمعها الى القطاع الخاص لسد هذا العجز، من الممكن التوجه لأي طرف آخر تتفق عليه الأطراف.

ب- اعتماد المسح الميداني الاجتماعي لأوضاع الطلبة أساساً لتسكين الطالب / ة على الفئة التي ينتمي اليها من حيث قدرته /ا على دفع الاقساط والرسوم ؛ كذلك توسيع وتعزيز مصادر صندوق الطالب المحتاج؛ كما تقرر تشكيل لجنة تشرف على الصندوق يكون في عضويتها ادارة الجامعة ومجلس الطلبة ولجنة تيسير الحوار ( من خريجي الجامعة ) ، يناط بهذه اللجنة التقرير في مدى ملاءة الصندوق المالية وتحديد الخطوات التالية بناء على ذلك قبل نهاية كل فصل دراسي انسجاماً مع هذه الاتفاقية .

ثانيا: تعمل لجنة تيسير الحوار جهدها الأقصى من أجل ضمان أن لا يكون تمويل الفارق المالي الناتج عن تثبيت سعر صرف الدينار من جيوب الطلبة القدامى على وجه الخصوص بالحد الأدنى.

ثالثاً: يتم الشروع فورا بتقييم المقترحات المقدمة أعلاه والمتعلقة بتقديم الحلول الاستراتيجية للأزمة المالية للجامعة.

باختصار، فإن المقاربات التي استنفذت حتى الآن لم تحاول ان تزود أطراف الأزمة بحلول مقنعة وشافية، لا تدعي هذه المقاربة انها قاطعة ونهائية من حيث المقترحات المقدمة، لكنها برأيي تصلح للتحرك بناء على هدى، وقيمتها في إطلاق النقاش والحوار حول أهلية الحلول الاسترتيجية المقدمة وهذا ضروري من أجل تبين أفضل الوسائل للحل الشافي وبعيد الأمد. فثمة الكثير ما يجب عمله، فلنبدأ بناصية النهار!

2013-09-20