الجمعة 29/9/1441 هـ الموافق 22/05/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
محطات صغيرة على طريق السيرة الذاتية "بين مدينتين" فؤاد دانيال..حارسًا للقناديل الثقافية! (1924- /12/20132)/ فتحي فوراني

العزف" السريع على الآلة الكاتبة!
تعرفنا عليه سكرتيرًا للمدرسة الثانوية البلدية..موئل أمّهُ الطلاب من جميع أنحاء الوطن..وجاؤوا إلى مدينة البشارة لينهلوا من ينابيع العلم والمعرفة والكرامة..وعيونهم ترنو إلى مستقبل مشتهى!
وكانت تربطني بالرجل علاقة حميمة.
إنسان دمث يعشق الترتيب ويحترم الآخرين..ويحب الخير للناس أجمعين. قام بواجبه على أتم وجه..وكان  يبذل قصارى جهده  لخدمة المعلمين والطلاب..وكان القبطان الذي شغل محرك السفينة التربوية..وأدار الدفة..ونظم الإيقاع الدقيق لتسييرها مع الملاحين وإيصالها إلى شواطئ الأمان..
فأحبه الطلاب والمعلمون والأهالي وكل من عرفه..واحتل في قلوبنا جميعًا مرتبة عالية.
وكان من ضمن عمله.."العزف" السريع على الآلة الكاتبة التي ترتدي "زيًّا تقليديًّا حميديًّا"..فترقص الأصابع العمياء التي تتمتع ببصيرة نافذة..ومهارة فائقة..وتطبع الصفحة الواحدة..في ثلاث دقائق أو أكثر قليلا!
مبالغة!؟..ربما! غير أنها قريبة جدًا من الحقيقة!
*
وعندما عزّت كتب التدريس وغابت عن الخارطة التعليمية..كان "التنقيل"..على أشده..وكان سيد المرحلة!
يملأ الطلاب دفاترهم العطشى بما يمليه عليهم معلمو الموضوع..ألمعلم يُملي و"ينقّل"..والطلاب يمتثلون لإملاءاته ويكتبون!
كان الطلاب يتفننون في كتابة الخط..وخزن المادة التي يمليها عليهم المعلم!
وتمتلئ ساحات الدفاتر العذراء البيضاء..بجحافل  الحروف السوداء!
**
ألمسيرة السيزيفية!
ثم يفتح التطور الطباعي أبوابه..وتكون خطوة إلى أمام!
بدلا من "تنقيل" المادة..وإضاعة الوقت الثمين..يعطي المعلم المادة التعليمية المكتوبة بخط اليد على الأوراق والمليئة بالخرابيش والسهام الملتوية والمتفرعة في الاتجاهات المختلفة والمنطلقة إلى الهوامش والزوايا..يعطي المعلم المادة التعليمية إلى السكرتير فؤاد دانيال.. المرحلة الأولى..طباعة المادة على أوراق الستانسل الشمعية..
خطأ..إثنان..ثلاثة..لا بأس..يمكن العفو عن هذه "الذنوب"  الصغيرة..فقنينة الشمع الأحمر -جابر عثرات الكرام- جاهزة لمحو الأخطاء المطبعية وغفران الخطايا..وتثبيت البديل الصحيح..في المكان الصحيح..
أما إذا كانت هنالك أخطاء  كثيرة..فنتوقف..لنلتفت  إلى وراء..ولنبدأ من المربع الأول..ونعيد الكرّة..ونطبع الصفحة كاملة مرة أخرى..
بسبب كلمات خمس عرجاء وشوهاء..نعيد طباعة صفحة كاملة!؟
أليس هذا نوعًا من "جهد البلا"؟
أليس هذا  حرامًا على الجهد الضائع والوقت الضائع؟
أليست هذه عملية عبثية..تنتمي إلى المدرسة السيزيفية!؟
وظلت هذا العملية على ظهر خيلها..إلى أن هلّ الحاسوب..فقلب الموازين..وأحدث الثورة في عالم الطباعة..وأنقذنا من الرقع الحمراء..وأوراق الستانسل الشمعية البيضاء..وألقى بها في "زنزانة" الأرشيف التاريخي!

وتولد الدوسيات فتخرج عارية من ورشة فؤاد دانيال!
ما علينا!
لنتابع الوصل في ما انقطع!
صفحة الستانسل الجديدة جاهزة..إنها على أهبة  الاستعداد..ومستعدة للانطلاق!
ويدور دولاب الطباعة دورته..فتولد "دوسيات" الفيزياء والكيمياء والبيولوجي والتاريخ والجغرافيا والمدنيات والرياضيات والأدب العربي..إلخ..
الأساتذة الكرام يتنفسون الصعداء!
فلا مسوّدة ولا تنقيل ولا إملاء ولا نسخ..بعد اليوم!

ويفرح المجاهدون: الياس توفيق  دانيال (أبو توفيق) وفاروق خوري وخالد فيصل الزعبي (أبو صائب) وحبيب حزان (أبو الأديب)  وحنا إبراهيم موسى (أبو إبراهيم) وشوقي حبيب (أبو يوسف) وعبد الرحمن زعبي (أبو بكر) وحسني حبيب مرجية..
ويتأهب الأساتذة لاستقبال "طلائع" مؤلفاتهم التي تهلّ عليهم قادمة من "طابون" فؤاد دانيال! وسوف تجد طريقها إلى الأجيال التي تدرس البيولوجيا والفيزياء والكيمياء والرياضيات والتاريخ والمدنيات واللغة العربية واللغة الإنجليزية واللغة العبرية إلخ 
تولد الدوسيات "حافية عارية" كما خلقها أبو النعيم..ثم تجد طريقها أفواجًا إلى الطلاب..ثم تنتقل إلى عبد الله الطالب في الصف التاسع..فيجلدها ويكسوها حلّة قشيبة تدل على ذوق رفيع..فتستر عُريها و"تستر عليها" وتقيها عوادي الزمن!
تخرج الدوسية من "الورشة الفنية" متباهية بزيّها الأنيق..أميرة تمشي مشية تشعُ بهاء وكبرياء!
فتعمّر طويلا..
وتمتلى جيب عبد الله الفتى  بحفنة مباركة من ليرات مشتهاة!
حتى "أبناء الذوات" لا يملكون ما يملكه عبد الله!
**
ألوسادة الخالية..والمستشار الصغير!
إلى جانب عمله سكرتيرًا..يملك الرجل مكتبًا اصطلح على تسميته "مدرسة لتعليم الطباعة" على الآلة الكاتبة..بالطريقة العمياء!
يستشير العم فؤاد صديقه الطالب الفتى عبد الله ..للاستئناس برأيه في تأسيس دار للنشر تفك الحصار عن القارئ العربي في هذا الوطن..فجدار العزل  شاهق وخانق..ولا قلب له..يقف سدّا منيعًا بيننا وبين الكتاب الذي يصدر في عواصم الثقافة العربية..
يُثني عبد الله على الفكرة..ويقترح على صديقه فؤاد أن يكون الكتاب الأول لإحسان عبد القدوس! وهو الكاتب الذي ألهب خيال الطلاب شبابًا وصبايا..بمواضيعه الرومانسية العاطفية وأسلوبه الرشيق!
"ألوسادة الخالية"..أول رواية يصدرها "مكتب فؤاد دانيال للطباعة والنشر"!
إن أول الغيث قطرة..ثم تنهمر السماء!
**
قبرص..حلقة الوصل..وملتقى الأحبة!
يطيرون شوقًا من الوطن المثخن بالجراح..للقاء الأحبة..إخوتهم الذين طردوا من بيوتهم  في يوم غائم..ووجدوا أنفسهم لاجئين في مخيمات ذوي القربى..يوم نزلت النازلة!
**
ألجزيرة القبرصية.."خبط العصا"!
إنها ملتقى الأحبة..وهي النافذة المشتركة التي نطل منها على عواصم الثقافة..ومنها نستطيع أن نعثر على  الكتب العربية  التي حرمتنا الحدود والسدود والحواجز من لقائها..فلطالما سمعنا عن هذه الكتب عبر "البرنامج الثاني" (وهو إذاعة مستقلة تبث من القاهرة، وتعنى بشؤون الأدب والثقافة)، و"لغتنا الجميلة" لفاروق شوشة من إذاعة القاهرة..نتلقف أخبار الأدب والثقافة عبر الإذاعات العربية..ويظل شوقنا وحلمنا أن نحتضن كتابًا جديدًا صادرًا في أرض الكنانة وفي عاصمة الأرز!
تطير العصفورتان الزرقاوان إلى قبرص..وتعودان إلينا حاملتين محمّلتين بما تيسر من الذخائر الأدبية..الروايات والقصص القصيرة والدراسات ودواوين الشعر وغيرها..


الكنز القبرصي..أمانة بين يديك!
يسلم العم فؤاد "الكنز القبرصي" الأدبي والثقافي إلى صديقه الطالب عبد الله..واثقًا  بذوقه الأدبي..ومعتمدًا على استعداده لتحمل المسؤولية النقدية..واختيار ما يراه مناسبًا لإعادة طباعته!
هذه أمانة بين يديك يا عبد الله!
أرجو أن تساعدني في اختيار الكتاب القادم..ومن ثم..الكتب الأخرى  التي ترى من المناسب إعادة طباعتها لإيصالها إلى القارئ العربي في هذا الوطن..
فنحن نتحرق شوقًا إلى شيء من الأدب الصادر في العالم العربي!
وعلينا واجب تجاه أبناء شعبنا!
تستطيع أن تنام الليل الطويل..يا أبا نعيم!
نحن لها!
ويكون "المستشار" الصغير مستشارًا للناشر الأول!
إنها مهمة كبيرة ألقاها عليك العمّ فؤاد دانيال! وعليك أن تضطلع بها وتكون على مستوى المسؤولية!
تتوالى الإصدارات المختارة..وتولد "الرزم" التي تنطلق من مدينة البشارة..لتشق طريقها عبر البريد..وصولا إلى القراء المتعطشين للأبجدية العربية في جميع أنحاء الوطن!
وتنهمر الأمطار الغزيرة لتروي الأرض العطشى!
"أنا الأرض العطشى..لا تحرميني المطر"!
هكذا قال الرائع..راشد حسين!

**
إشارة
لقد كتب هذا المقال قبل حوالي ثلاث سنوات، وكان مخزونًا ومطويًّا في ذاكرة الحاسوب ضمن مادة "السيرة الذاتية- بين مدينتين" التي سترى النور قريبًا. وقد وعدت صديقي الراحل أكثر من مرة أن أزوره، وكان يجيبني فرحًا "أنا في انتظارك..لا تتأخر عليّ!".
ولأسباب خارجة عن إرادتي..لم أتمكن من الوفاء بهذا الوعد..
وقبل ثلاثة أسابيع اتصلتُ هاتفيًّا لأبلغه بنيّتي لزيارته، وطلبت أن أكلمه،  فردّت عليّ زوجته  أم نعيم..وأبلغتني أن وضعه الصحي لا يسمح بذلك! فآلمني  الأمر..وتأثرت بالغ التأثر.
إلى أن كان يوم..كم تمنيت لو لم يأت ولم يكن!
ففي الأسبوع الماضي اتصل بي أحد الأصدقاء من الناصرة، وأبلغني برحيل فؤاد دانيال..فشعرت بحسرة عميقة لرحيله..ولعدم زيارتي له قبل رحيله.  وكم وددت لو نشر المقال قبل غياب الرجل!..غير أن الرياح المشاكسة جرت في اتجاه معاكس لما تشتهيه سفني!
**
إن الآلاف من أبناء شعبنا..ستظل تذكر مطبوعات ومنشورات "مكتب فؤاد دانيال للطباعة والنشر"..
إن المئات من الذين تعلموا الطباعة على الآلة الكاتبة..لن ينسوا فؤاد دانيال.
رحمك الله يا أبا نعيم..وأسكنك فسيح جناته!
أحر التعازي أقدمها إلى أم نعيم والإبنة كاميليا والأبناء نعيم ورامي وعماد ونزار، ولجميع الأهل والأقارب والأحبة. ألهمتم الصبر والسلوان وحسن العزاء.  لأبي نعيم الرحمة ولكم من بعده طول البقاء.

2013-12-16