الإثنين 13/10/1440 هـ الموافق 17/06/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
هو وهي (الرقصة الثانية)/محمد راضي عطا

هناك دائمًا إمرأة تخشى النظر في عينيك، وتحتفل بالوقت الضائع من العمر وأنتَ كلُّ الذي تريده فرصة واحد لتصنع من الزمن حديقة لها مسيجة بالنرجس، هذه الفكرة بكل بياضها وسذاجتها، تقترب منها تهمس لها، تلتصق بالحائط لتهرب من الاجابة على لغة العيون بينكَ وبينها، ولما اختلى به وبها الليل سألها..؟
كيف تصنعين خبزك في هذا الليل؟

قالت: وهل وصل، كل الأوقات عتم.. بلا قمرٍ ولا نجوم، مساحاتٌ لا نهائية من الأسئلة تحطُ على اسفنج الذاكرة تمتصه بلا شبع ولا خاتمة..

فقال: إنه ليل، وليلكِ ليل، وشاماتك التي تنظرُ نحوي ليل، تحاصر خجل الساعات لتكون نجوم..

لتقول، نجومٌ لمن، وأين، وفي أي سماء؟

قال: لمن كنتِ سماءً له تغطين بشعرك ظلال حضوره، وتؤلفين من كلِّ ما تلمسه يداك فراشة من احتراق، تكرر ذات الكلمة بذات النرجسية ولا تحترق ولا تدعي النسيان.

قالت: ربما

اجاب: ربما.. !
اذن انتِ بلا أي شامة تحاصر عنقك أو كتفيك او حتى سرتك، قصص التوهم التي اظنها هي ليست لكِ وليست عنك، تكرار النعناع في النظر الى ابتسامتك بلا نكهة تغوي بالتذوق الحال بيننا هو توهمٌ كامل الاصرار على الجلوس حيث خافت اصابعكِ يومَ واسيتِ قلبي من بعيد وقلتِ هيتَ لك، انظر لي شهدٌ يعزف الحياة بلون المطر اذا علَّق بالحياة في حلم شجرة.

اجابت (ضاحكة): شاماتي كثيرة، وأنت محضُ عابر سبيل سيأتي رحيلكِ قريبًا ولن تبقى هنا لأخر هذا الشتاء فلترحل بصمت رعاة سرقوا حصة غيرهم.

فقال: نجومك كثيرة، وخيالي خصب، لم يتعود الوقوف على اعتاب رمش ولم يسكن الصحراء ليموت على شفاه قيظها، يجرب وتغويه تجارب الحياة ليبتسم للخاتمة التي عاش يسأل البداياتِ عنها.

تسائلت: لكن هل هي نجوم؟
هل هزمتَ الصحراء بقلبك، هنا تأتي الــ (ربما) بصوت شيطان، يبحث عن الشكِ خلف كلِّ سؤال، ليتمرغ بصورة مشتهاه، مثلًا أنا اتمرغ بكلمة (مجنون) و أنا أحدثك، أنت مجنوووون.

اجاب (مؤكدًا): هي نجوم، أجل وأنا احتفالكِ الخائف بالفوضى، السرُّ الذي تغازلينه وحيدة في عتمة سريرك، لتقولي له ملء صوتك وتنهدك (مجنون)، أما رايت كيف أحدق بها وبك بذهول العَطِش المشتاق؟
فقالت له: (اذن)

هل اعدها لك بشفتيّ لتتأكدي من شقاء العقل اذا اجتمع معنا في الوقت الخطأ، قال؟

قالت له (بلؤم الراغب بالزيادة): سيكون تيه، ولا دليل لكَ معي غيري..

فأجاب: ليكون تيه، هل تنوين لمن قرأ حرير جسدك الصحو؟
فقالت: أنا لا نية عندي، من أراد القراءة، له ما نوى.

هذا فيما يخصك، وإن أراد التهجي والتعثر بمنابع شغفك، والسؤال عن الاحوال والقيود والحدود في شفتيك ما هو حاله؟ (قال)

فقالت: ستتعثر قليلاً، ثم ستهتدي لدرب صوابك.

سأهتدي.. لا أظن، قد كان في سالف الزمان من عاش ساعيًا وكلُّ بحثه عن كنز، ومع كلِّ صباح تقول له عرافة الحظوظ كنزك قريب بعيد، بعيدٌ قريب، ولم يعرف أنها تقصد قلبه، والمفاتيح والأبواب موطنها حيث أراد القلبُ لها الصحو والاحتباس وربما التماهي أو هي حالة من التحديق بغيمة من حبر تتشكلُ على هيئة طائر أو جسدِ من نشتهي وصله، أو خاتم يحبسُ خلفه تلاعب شياطين من كلِّ ما في الحياة من فخاخ الغواية.

(صمت)

(فغضت الطرف عن ما كان من زحام الحروب والحروف) وسألته: في تلك اللحظات هل ستكون الغلبة للصمت أم لموسيقى الآهات، أو هو ذهبٌ يَسلب ما في العين من بصائر وفي القلب من عاداتٍ وورع وشغف؟

الغلبة لها، فهي دنيا وهو سيحاول التوغل أكثر والاحتفال بك كما بها، عارية.. (قال)

فقالت (والقلبُ يخصف أوراق التردد): و ستذوب الأنامل والشفاه و لا يبقى إلا الملح.. بربك هل سيصبح كل شيء أنتْ، وهل ستعلق اصابعها، وتقبل يدها، هل ستلملم الملح عنك وعنها، هل ستنسى عنقها في لحظة إيمان بقلبك، وهل سيذوب في طغيان التنهد والتلاعب من عناقك إحساسها بقسوة الزمان عليها، وهل سيستيقظ على صوت المطر قلبها، ويعلم الفصول أن رائحة ملح الارض أجمل من رائحة جسدها وهو الوحيد؟

فقال: من قال لك أن ملح الأرض الآن موعد الحديث عنه، دعكِ منه ما هو الا من الشهداء، ولكنكِ حديقة من دهشة لم تعرف أبوابها بعد؟

فقالت: لا أعلم من اخبرني بذلك، لكن وحدة الجسد هي وحدة الروح ولا شغف مع الوحدة، وما أنا الا انسان يريد نخلة بجذر لا ينقطع..

لو كانت الدنيا قريبة لعملنا على قراءة اسفارها واشباع الروح بما تحب إن كان الشبع من الدنيا ضرورة (قال)
قالت: ربما ستكون قريبة وسيكون الشبع رغبة لا ضرورة، فنحن نحيا بالحُلم، نحلم بالايائل، والصدف العظيمة والفتات السكاكر الذي نجده في نبشنا في لهاث الحياة، به ندفئ الاكوان وتصبح خبزنا اليومي.

فقال:لإن كان الطمعُ لاجل ارضاء غاية الدنيا، أهلا بها وبكل شاماتها واحتفال القبل بالشفاه، لأجل الاتفاق وتكون دنياك سرمدية الوصل وخاتمة الظمأ، فقد فتحتِ شهيتي للانتظار، والتسلل من أجل الضيفِ القادم.

قالت : نِعم المـُضيف، مدرسة كل الفصول أنت، تجارب المشي معك حالاتُ هذيان لا ينتهي.
فقال: هو حظكِ أن جربتِ الفرار وما كان مني الا الاصرار على نهش ظبية خوفك.

اللوحة: وليد الجعفري 2003

2014-01-22