الإثنين 3/2/1442 هـ الموافق 21/09/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الفيزون والرمزون ومسائل أخرى!!/بقلم أيمن تيسير دلول

في العام 2009م تشرفت بقضاء عدة ساعات مع وفد عربي مختلط من جنسيات مختلفة جاء متضامنا مع غزة بعد الحرب الطاحنة التي دارت على أرضها، تعرفت خلال تلك الساعات على شاب اسمه “محمد” من الجزائر وقد كان يعشق فلسطين وغزة لدرجة الجنون، ومن كثرة حديثه عن مناقب فلسطين وأهلها أتذكر جيدا ما قاله بالنص: إن أهل غزة هم صحابة هذا الزمان، حينها انتابني الصمت وقلت في نفسي: احمد ربك بأنك لم تُمضِ في غزة أكثر من ثلاث أيام، لكنت رأيت مصائبنا على حقيقتها. لكن وللحق بعد فترة من حديثه سافرت إلى اثنتين من كبرى دول العرب والمسلمين، وحينما عاينت أوضاعهم الداخلية عن قُرب أدركت صوابية ما ذهب إليه ذلك الشاب.

إن غزة وإن كان أهلها هم “صحابة هذا الزمان” كما قال ذلك الشاب فهذا لا يمنع انتشار بعض الظواهر السيئة والقبيحة التي تخدش في صورتها ناصعة البياض في عيون العرب والمسلمين، وعن ذلك أتحدث.

كنت أستقل السيارة قبل أيام في طريقي للعمل، وكان السائق رجل خمسيني اشتعل رأسه شيبا، فوجدته وقد رفع مذياع سيارته بأغنية للفنان الشعبي الفلسطيني قاسم النجار حيث كان يهزأ في أغنيته عن انتشار ظاهرة لبس الفيزون بين بناتنا وفتياتنا، وكان مما قاله النجار: “والبنت بتلبس حجاب وموضتها عجب عجاب، من فوق عمرو خالد ومن تحت عمرو دياب”..

ومع كلمات “النجار” انفتحت السيرة بين ركاب السيارة، وكانت الحالة أشبه بحلقة من برنامج “الاتجاه المعاكس” داخل السيارة حول موضوع الفيزون والمتسبب بانتشاره، فهذا يلوم الحكومة التي تسمح بدخوله، وآخر وضع الأهل في دائرة الاتهام، وثالث اتهم الاحتلال بالسعي الحثيث لتدمير الجيل وأخلاقه، واستدل على ذلك بغناء النجار وقوله: “لبس الضيق مع الحجاب، غير المصايب ما جاب.. طير عقول الشباب وخربلي الختيارية..”..

ومن القصص التي مرت على السائق “كما يقول” أنه صادف ذات يوم حادث طرق ووقعت فيه إصابات بغزة، وعندما سأل عن أسبابه تبين أنه تسابق مجموعة من السائقين على تحميل ثلاثة من البنات كانوا يقفون على أحد مفترقات غزة “رمزون” والقاسم المشترك بينهن ارتداء فيزون على رأي سائقنا العجوز “لا يعلم كيف يدخلنه في أجسامهن من شدة ضيقه، عدا كونه من العيب ارتدائه أمام المحارم، فكيف يتم ذلك في الشارع أمام عيون جميع الناس؟؟”.

وللحقيقة، فإن من يسير في شوارع غزة يدرك ما نحن فيه من تهاون وانحدار للقيم الأصيلة والأخلاق الرفيعة التي عاشت عليها أمهاتنا في أوقات مضت، وصدق فينا قول الشاعر:

فتاة اليوم ضيعت الصوابا*** وألقت عن مفاتنها الحجابا

فلم تخش حياء من رقيب*** ولم تخش من الله الحسابا

إذا سارت بدا ساق وردفٌ*** ولو جلست ترى العجب العجابا

بربك هل سألتِ العقل يوما*** أهذا طبع من رام الصوابا

أهذا طبع طالبة لعلم إلـ*** ى الإسلام تنتسب انتسابا

ما كان التقدم صبغ وجه*** وما كان السفور إليه بابا

شباب اليوم يا أختي ذئاب*** وطبع الحمل أن يخشى الذئابا

إن الواقع يخبرنا بأن أخلاقنا تنحدر إلى الهاوية شيئا فشيئا، ويبدو أن العدو الصهيوني لم يفلح في كسر شوكتنا بالمدفع أو الرشاش فلجأ إلى أمر آخر يتجسد في القماش، فمنه الفيزون والشيفون والعباءة الباريسية “لاحظوا معي” وكأن فرنسا الكافرة حريصة على حشمة المرأة المسلمة فتصنع لها عباءة!!، وتجد الجلباب المخصر الضيق، وتجد الرأس المشوه نتيجة ما يُعرف بـ” البف”.. وتجد وتجد الكثير من المظاهر التي باتت تنخر في بناتنا ومجتمعنا.

وبالمناسبة فعند الحديث لفتياتنا عن هذه الأمور تجد “الرمزون” من جانبهن يضئ لونه الأحمر، ويبدأ من جانبهن الدفاع عن الموضة والحضارة والتقدم والشعارات الخاوية!!، وكما يقول الفنان النجار: “سألناكي حتى نرتاح، ماله لبسك نُصه راح.. قلتي هذا انفتاح وانتوا بزمن الرجعية..”.

الموضوع مهم لدرجة يجب أن يتوقف الجميع أمامه بمسئولية فالأب والأم والشيخ والمعلم والوزير الجميع مسئول امتثالا لحديث الحبيب محمد “صلى الله عليه وسلم” الذي يقول فيه: “كلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته..”. إن مسئولية الأب تجاه أبنائه لا تتوقف عند توفيره لمتطلبات الحياة الخاصة بهم، بل تتجاوز ذلك نحو تربيتهم وتنشئتهم الصحيحة، وإلا فجميع مخلوقات الله تأكل وتشرب، لكن الإنسان كرمه الله بأن له مهمة أكبر من الأكل والشرب في هذه الدنيا، وهو بتصرفاته يختلف عن البهائم وباقي مخلوقات الله.

Email: [email protected]

2014-02-16