الإثنين 3/2/1442 هـ الموافق 21/09/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الشاعر السعودي "جاسم الصحيح":التمزق الذاتي والبحث عن الهوية/د. حسين سرمك حسن

تستولي حالة التمزّق الذاتي المدمرة على الموقف النفسي للشاعر "جاسم الصحيح" في أغلب قصائده . فهو دائما نصفان يتحاربان أو شطران يتصارعان .. تتلاطم أفكارهما ورغباتهما بضراوة ، و "أنا" الشاعر يراقب ساحة المعركة بينهما :
( تشرّدتُ   
ما بين الإشارات حائرا   
وطوّح بي    
في كلّ إيماءة ، بُعدُ   
فساءلتُ حتى حيرتي :  
هل أنا هنا  
نزيل كياني  
أم هنا الآخرُ الضدُّ ؟   
أدور مع الأيام حول حقيقتي    
أدور ولا قبلٌ هناك ولا بعدُ – ص 54 و55 ) .
ومن المؤك أن الحالة الصراعية الممزقة هذه ، هي من أشد حالات العذاب النفسي هولا على ذات الفرد ، فهي المصدر الجحيمي الذي لا ينضب لنيران القلق الحارقة التي تفضي إلى نتائج مدمّرة لعل في مقدمتها أن الصراع الداخلي المشتعل هذا يحطم تماسك الفرد ويصيب هويته بالإلتباس والإرباك المنهك :
( كالأبجدية بعد حرف ( الياءِ )   
متشرّد أنا خارج ( الإحساءِ )   
متشرّد حدّ التباس هويّتي   
متشرّد حدّ اشتباه دمائي     
همّي بحجم الروح لم أر هكذا   
ذئبا بحجم مساحة الصحراءِ  
قدماي : شكّي وحيرتي  
ويداي منفى توبتي ودعائي    
في كلّ ناحيةٍ أسير يقودني   
ضدّي على طرقٍ بلا أسماءِ – ص 151 و152 ) .
ولعل التباس الهوية هذا سيجعل الشاعر يعيش دوامة مربكة من التساؤلات عن مصدر هذا التشوّش .. عن سرّ هذا اللاإستقرار الماحق الذي يخلخل مفاصل روحه ووجوده .. عن سبب عدم قدرته على وصف وتحديد ملامح كينونته .. وستكون حياته عبارة عن سلسلة مفتوحة ومدوّخة من التساؤلات الشائكة .. وقد انعكس هذا الموقف الماتبس على بنية قصيدة الشاعر التي صارت بنية تساؤلية بصورة مباشرة أو غير مباشرة حيث لا يخلو أي نص لجاسم الصحيح من اسئلة وعلامات استفهام وجودية مصيرية أو نفسية أو اجتماعية كثيرة : 
( فساءلتُ حتى حيرتي : هل أنا هنا ..
نزيل كياني .. أم هنا الآخر الضدُّ ؟
أدور مع الأيام حول حقيقتي
أدور ولا قبلٌ هناك ولا بعدُ
وليس طريقا واحدا ذلك الذي 
أحاوله لكنه طرق حشدُ - ص 55 ) .
ومن المفروغ منه أن أقول إن جذر هذا العذاب التساؤلي الذي لا نهاية له ، ومترافقا معه يدا بيد هو " الشك " .. ليس على أساس الكوجيتو المعروف : " أنا أشك ، إذن أنا موجود " ، حيث يتأرجح الإنسان – وهذه من علامات صحته النفسية – بين الشك والحقيقة ، وصولا إلى مرافىء اليقين ، ولكن على أساس كوجيتو جديد يجترحه جاسم هو هاوية على جحيم التأويل الدلالي لمعنى أن يشكك الإنسان الرافض والمأزوم بما حوله من معطيات ووقائع .. تشكيكا يوصله نحو القرار الراسخ .. يصبح الكوجيتو هنا : " أنا موجود ، إذن أنا أشك " .. وهذه كارثة ما بعدها كارثة .   
أضف إلى ذلك أن هذا التمزّق لن يتيح للشاعر إمكانية تحديد هدف حاسم لحياته .. فهو منشغل بمعركة الداخل ولن يستطيع التفرغ لمتطلبات الخارج . إنه في حالة ضياع مرير .. دوّامة عاصفة لا قرار لها .. ولهذا يندر أن تجد قصيدة لجاسم في المجموعة هذه لا تتكرر فيها مفردة " التيه " أكثر من مرّة ؛ التيه الواقعي الذي تمحقه الفضائيات وطوفان الحداثة وأطروحات نهاية التاريخ :
( ها نحن نكمل رحلة الأرواح في (التيه) الملوّن  
ها هنا  
حيث (الفضائيات) ذات الفتنة الشقراء   
قد فلت جدائلها على كتف (الحداثة)   
والثنائيات تعصر بين فكّيها الخليقة  
والنهائيّون جنازا فجنّازا   
أعدّوا موكب التشييع للتاريخ   
ماذا سوف نصنع بالقصيدة وسط هذا (التيه) ؟ - ص 35 و36 )،
... أو التيه الذي تفرضه حياة البلاد التي صارت قلاع اسمنت تشيّده نقمة / نعمة النفط :
( في عتمة الأفق النفطي لا قمرٌ  
يُغري الموانيء كيما تحضن السفنا   
تيهٌ يفرّخ تيهاً .. والمدى شبحٌ    
يسير منتعلا أسفلته الخشنا    
هل من لجوء جماليّ يلوذ به   
من بات في قبضة الفولاذ مرتهنا ؟  
لم نأت للنخل نستشفي عيادته   
إلا لنبرأ من نفطٍ ألم بنا – ص 44 و45)،
... أو التيه " الوجودي " الغائر في " تيه " الأعماق مسقطا على رمال المتاهة الكبرى التي اسمها الحياة : 
( وأنا غريب   
لم تلملمني المرايا في التفاتتها إلى الغرباءِ  
ضلّلني المدى   
وأضعت بيتي أبتغي وطني    
فما كانت خطاي سوى حروف (التيه) في لغة الرمالِ  
وجوارحي مفتوحة   
كعيون موتى  
خطّ فيها الموتُ أسئلة قدامى مثل أعمار الجبالِ – ص 111 و112 ) ،
... أو التيه الذي يتأجج لحظة بعد لحظة لتتسع دائرته المميتة وينتشر دخان مضاعفاته حدّ الضياع الشامل .. ضياع في متاهة (مناطور) متوحش هو المثكل :
( أصيخ إلى لهاث الموت يجري  
على أثري ، ولكن ما اهتدى لي   
ترافقني الجهات على دروبي   
ولكن ينزلقن إلى الزوالِ   
فأبقى في قطيع من شرود  
يُسيرني بغابات الخيالِ   
(أتيه) إلى أقاصي (التيه) حتى  
لأجهل كيف أرجع نحو حالي – ص 132 و133 ) .
ومع تكرار مفردة التيه معبرة عن دوامة الصراع الداخلي التي لا تهدأ تتكرر وبدرجة كثيرة جدا تعبيراتها اللغوية .. التعبيرات اللغوية الأداتية التي ترسم هذا التيه .. مثل مفردتي " الجغرافيا " و " الخرائط " : ففي الكثير من النصوص يكشف الشاعر حيرته المدوّخة وهو يرصد تفاصيل جغرافية الخارج التي هي صورة مشوشة ومرتبكة لجغرافيا الداخل المهشّمة ، جغرافيا جمعية " شمطاء " كما يصفها الشاعر :
( لابدّ من عمل جماليّ لوجه الأرض   
قد كثرت تجاعيد المكان  
وهذه الجغرافيا الشمطاء لا تحنو على الغرباء  
نحن ضيوفها الآتون من أصلاب محنتنا  
نهاجر في المدى كالوقت مصلوبا على بندول ساعته  
ونسقط كالدقائق والثواني – ص 31 ).
وترتبط بالتيه والجغرافية مفردة حاكمة أخرى تتكرر كثيرا ولها موقعها الدلالي وهي : الخرائط . فالخريطة ، كما يُفترض ، هي التي تحدد لك الأماكن التي تبغي الوصول إليها بدقة .. وتتصاعد أهميتها عندما تريد الوصول بيأس إلى الأماكن المغيّبة في اعماقك ، والتي مزّقت ملامحها مخالب الصراع المستعر .. يحصل هذا التوجّس المقلق حتى في لحظات الإلفة الواخزة مع موضوع حبّ :
( لم أكن أتحرى سوى رمشة  
كي تضيء المسافة بالغزل العذب  
من قبل أن نتورّع  
في قاطرات الزمان المسافر مثل الرياح  
على غير خارطة – ص 230 ) .
يرتبط التمزق الداخلي، بالتيه المتطاول، بالضياع المدوّخ، بالجغرافيا المضيّعة، بالخريطة المضلّلة في وقفة واحدة فريدة يصوغها الشاعر لتلخّص صورة المحنة السوداء الشاملة :
( وعلى جذوع النخل في بلدي   
تسلقت السنين إلى أعالي العمر   
عرّيت المدى الممتد في جغرافيا الإنسان   
نقّبت الخرائط باتساع النفس   
بلّلت القصائد  
في بحيرات المجازات البعيدة   
تائها في رحلة المعنى من المجهول إلى المجهول – ص 64 ) .
وكتحصيل حاصل ينجم عن هذه الدوامة الطوفانية المميتة أن يكون " الشك " الذي لا يتيح لأي قناعة أن تثبت وتسهم في تعزيز لحمة مدارك الفرد وإيمانه .. ليس على أساس الكوجيتو القائل : " أنا أشك ، إذن أنا موجود " المحوّر عن الكوجيتو الديكارتي المعروف ، حيث يتأرجح الإنسان – وهذه من علامات صحته النفسية – بين الشك والحقيقة ، وصولا إلى مرافىء اليقين ، ولكن على أساس كوجيتو جديد يجترحه جاسم هو هاوية على جحيم التأويل الدلالي لمعنى أن يشكك الإنسان الرافض والمأزوم بما حوله من معطيات ووقائع .. تشكيكا يوصله نحو القرار الراسخ .. يصبح الكوجيتو هنا : " أنا موجود ، إذن أنا أشك " .. وهذه كارثة ما بعدها كارثة :
( آه أيها اليقين.. لقد تفسخ القلب من البصاق وأنا أبحث عنك في الأفكار والعقائد. أأكون أنا حجر الخطيئة الأول الذي أطلق نهر الدم في الأرض ؟! وإذا لم أكن كذلك ، فلماذا أشعر بـ (قابيل) يقبض على المتحجّر من أحاسيسي ليدمي به جبين الحياة ثانية ؟! – المقدّمة ، ص 16 ).
.. شك في الذات .. شك في الوجود .. شك في القيم .. شك في جدوى الجدوى من هذا العبء الثقيل الذي يسمى الحياة ... الشك يجعل حياتنا نوعا من متاهة دائرية تلتف على ذاتها إلى ما لا نهاية .. هنا تلتبس النهاية بالبداية فيقف الإنسان مصعوقا لا يستطيع تقديم أدنى إجابة على السؤال المفتاح : لماذا ؟ :
( في العمر    
في هذا الطريق الدائري على امتداد الوقت  
تلتبس البداية والنهاية    
لست أعرف ما الحكاية  
ما أنا إلا وعاء فارغ تتجول الأشباح فيه   
ولست أعرف من خلال المسرحية والشخوص   
متى سينسدل الستار عليّ   
كي أُنفى إلى المجهول   
خارج مسرح شيدته بيديّ  
ثمّ أعود أسكن في ظلالي  
أعمى وتخطئني عصاي  
فكيف ترشدني الليالي – ص 109 و110).
ومهمة الشاعر البحث عن " الحقيقة " بطريقة شعرية طبعا، وليس بطريقة علمية ، فالطريقة العلمية تمس قشرة الحقيقة لتؤطرها في قوانين وقواعد يتفق عليها الجميع .. أما الطريقة الشعرية فهي تفتش عن جوهر الحقيقة وروحها من منطلق فردي ، نسبي يبغي الغوص في أعماق اللامرئي . ولهذا ففي الوقت الذي يبذل العالم الجهود المضنية لكي يصل إلى الحقيقة فيريح ويستريح ، من خلال تأسيس حقائق موضوعية جمعية راسخة لا تهزّها أي قناعة شخصية ، نجد أن "الشك" هو " الحقيقة " الوحيدة التي تطارد الشاعر .. تحاصره وتخنق قناعاته وتهزها .. بل تهشّمها ليبدأ رحلة البحث عن " الحقيقة " من جديد .. فهذا البحث الذي يحفزه الشك هو مهماز عملية الخلق الشعري :
( موبوءة مثلي الأوراق بالنزقِ      
من صحّتي تتجلى صحة الورق   
عظم من الصدر في كفّي ألمّ به   
ما فاض فوق إناء الروح من حُرَق     
والشكّ – أنّى أولّي – يقتفي أثري  
بما أخلّفُ في نصّي من العلقِ - ص 159 ) .
وهذا الشك ليس محددا بجانب محدّد من جوانب الحياة والوجود كما يحصل في البحث العلمي ، بل هو شك شامل .. شك كوني يطول كل الحقائق الكبرى التي تتحكم بحيواتنا . يبدأ هذا الشك من التساؤل عن الغاية من هذا الوجود .. تلك التساؤلات الخيّامية أو العلائية – نسبة إلى عمر الخيام وإبي العلاء المعري على التوالي – المؤرقة التي تجلد قناعاتنا وظهور أرواحنا . من أين وإلى أين ؟ ثم الـ " لماذا " الرهيبة التي لا نجد لها جوابا فتطوّح بنا الحيرة المدويّة التي تربك وجودنا :
( إذا ما نمت نام معي سُعالي   
ولكن لا ينام معي سؤالي :  
لماذا جئتُ من نبع خفيّ ؟  
لماذا سلتُ في عصب الليالي ؟ 
وأيّ مشيئة خبزت مصيري   
بكفّ الغيب في فرن الأعالي ؟  
وهل أنا من خلال الدهرِ أجري   
أم أن الدهر يجري من خلالي ؟ - ص 131 ) .
ومن الوقائع التي قد تدمر وجود الشاعر هو حين يبني قناعات متفائلة حول نتائج بحثه الشعري عن الحقيقة .. فمن يعتقد أنه سيواجه حقائق ذات بياض ناصع مخطيء مخطيء .. وهذا الخطأ يمثل طريقا مستقيمة نحو الكارثة المعرفية .. الشاعر يحتاج قلبا حديديا أكثر من العالِم .. ففي الغالب تأتي الحقائق العلمية مطمئنة وتحل إشكالات عصيّة في حياتنا .. لكن الحقيقة الشعرية تأتي في صورة شبحية غير مؤكدة .. تفزعنا بصورتها المرعبة : 
( أتت الحياة إلي  
خارجة من الآبار     
من حمّامها الأزلي في بيت البداية   
كنت أحدسُ :   
إنها حورية بيضاء  
ذات جدائل فرعاء   
فاصنع من ضلوعك مُشطها    
ووقفتُ خارج باب هذا الحدس  
أنتظر انفراج الباب عن شخص الحقيقةِ  
لم أُفق إلا على صلعاء   
جزّت بالأظافر شعرها الوحشي وانتصبت حيالي  
فوقعت في شرك المحالِ – ص 110 و111 ) .
لكن هناك مفارقة معرفية كبرى هي في حقيقتها مفارقة علاجية فريدة .. فالفعل الشعري البحثي الذي يمزّق الأغطية عن وجوه الحقائق الكالحة فيصيب ارواحنا بجراح الخيبة ونبال الإحباط هو نفسه – ومن خلال عملية البحث ذاتها – الذي يوفر الترياق اللازم لسموم الحقائق المميتة .. ومشكلة الشعر الكبرى ومصدر عظمته في الآن ذاته هو أنه يقوم بفعل متناقض وخارق هو معالجة الحقيقة بالمجاز – وسنقف عند هذه المفارقة العظيمة بجهد أوسع - .. هي مفارقة كبرى تطيح بالعلم لو استعان بها :
( سقط الزمان عليّ  
أثقل من سقوط الشاحنات  
وكلما عمّرتُ أكثر   
صرتُ أحتاج القصيدةَ   
كي أطبّب بعض أوجاع الحقيقة   
تحت تخدير المجاز   
لعلني يوما أطيق من الأسى ما لا أطيق    
فأنا برغم ( الأربعين ) من التشرّد  
ما اتفقت مع الطريق – ص 74 ) .  
ومن الهام جدا الإشارة إلى أن الشعر نفسه يقوم على التضاد ..على الحالة الصراعية المؤبدة التي تشتعل وبضراوة في روح الشاعر .. على تلك المواجهة الحامية بين الشك واليقين .. بين المرئي واللامرئي .. بين ما هو معتقدي جاهز وبارد صلد .. وبين ما هو تساؤلي متردد ملتهب وفضفاض .. وهذا الصراع هو في حركة دينامية دائبة تجعل الشاعر شديد الحساسية تجاه ما هو مستقر ومستريح .. يقلّبه على وجوهه .. يعتصره حتى ثمالة دلالاته كي يستخرج منه ما هو حي .. راعش .. وراجف بالتساؤلات الأزلية :
( مثلي هو الوقت لا ينفك معتقلا  
في قبضة الدوران الهائم القلقِ  
حرّرتُ خارطتي مني ، ولا هدفٌ   
إلا لتكثر في هذا المدى طُرُقي   
مقدارُ ما آمنت روحي وما وثقت   
مقدارُ ما هي لم تؤمن ولم تثقِ  
البحرُ خاصم في نفسي شواطئه   
فلم أزل بين حدّ العتق والغرقِ  
هذا هو الشعر قلبٌ نصف معتنقٍ   
لما يحسُ ، ونصفٌ غير معتنق – ص 163 ) .

2014-03-16