الأربعاء 6/6/1442 هـ الموافق 20/01/2021 م الساعه (القدس) (غرينتش)
صفحة من مذكرات بطل صغير /بدوي الدقادوسي

 اتحد الطين وروث البهائم اللزج ومخلفات الدجاج ليعلنوا التحدي أمام مقشتها المهترئة ؛انحنت لتُحكم قبضتها على المقشة ؛فأسرعت القاذورات بالتدحرج أمام سطوتها ؛ لتنهي الكنس بدقة والدموع تنساب من عينيها وهي تردد كلمات باكية ؛اكتشفت فيما بعد أنها تجمعها من خلدها عن الصبر . أراقبها جالسا على أول درجات سلم طيني يفضي لغرفتين صغيرتين ؛لم أكن قد تجاوزت عامي العاشر ؛ولكني كنت أعي آلامها وأحزانها وأحتقر عجزي وضعفي أمام ما تعانيه ؛فور انتصابها من انحناءتها وإعلانها الانتصار على القاذورات بدأت ترش الأرض بالماء ؛أتت إحدى جاراتنا لشراء الثلاث بيضات اللائي تنتجهن ثلاث دجاجات تلهو وسط الدار؛ يعشن على ما يلتقطنه من حب سقط منا أثناء الطعام . تحمل القروش الثلاث وتشتري كيلو بطاطس تسلقه بجوار الأرز لنتناول عشاءنا كل يوم وفور عودتها من السوق ؛تقوم بتغير فرش سرير أبي الذي لم يغادره من عام إثر إصابته بشلل نصفي ؛والدموع مازالت على انسيابها وهي تردد نفس المقاطع التي تشبه مقاطع النائحة التي كانوا يستأجرونها في المآتم والنساء يرددن خلفها وهن دوار حولها في حلقة هي مركزها وقد حولن غطاء رؤوسهن لقماشة يمسكن طرفيها وهن يلطمن الخدود . أعرف أنها لن تبتسم إلا يوم الحكم في قضية أخيها ؛فقد كنت على يقين من براءة خالي الطيب العطوف من تهمة القتل المحبوس على ذمتها . حين صعدتْ السلم الخشبي المفضي لسطح المنزل لتأتي بأعواد الحطب والقش لتطهو عليها ؛ لحقت بها وأمسكت بيدها مقسما أن خالي هيطلع براءة ؛صمتتْ قليلا ؛ نظرت في عيني ذات الدموع المحتبسة ؛ثم انخرطت في في بكاء وعويل . أيقظني أنينها المكتوم طوال الليل ؛فكنت أدير وجهي للحائط وأكتم بكائي. في الصباح وضعتُ رغيفين وقطعة جبن بنفس المنديل المحلاوي الذي كانت تضع فيه أمي الغذاء لأبي ,رفعت عيني لها وأنا أُحكم ربط المنديل على الأرغفة ؛أنا خارج للشغل ؛شقت من بحر حزنها ابتسامة ساخرة .. وهتشتغل فين ؟ - بمزرعة العنب بدلا من أبي ؛هب ّ أخي الذي يصغرني بعام قائلا :سآتي معك .جمعت البيضات الثلاثة ؛سلقتها ؛وضعتها أمامنا والدمع ينساب من عينيها التي لم تخلق إلا لتبكي ؛كثيرا ما انتظرت اليوم الذي آكل فيه هذا البيض ؛ ولكن شيء ما أفسد هذا الحلم ؛لعله خوفي من الفشل في العمل ! بالدعاء ودعتنا كما كانت تودع أبي وزادت عليه بكاء حاولت كفكفته بطرف طرحتها السوداء ولكنها فشلت . حين وصلنا لمكان تجمع العمال لم تكن العربة التي تحملهم للمزرعة قد وصلت ؛فجلست وأخي بجوار العمال في انتظارها ؛حين أبصرتها قادمة وضعت منديل الغذاء بين أسناني وتسلقت المقطورة بكلتا يديّ ؛لم أشعر إلا ويدٌ تجذبني لأسقط على الأرض لرجل طويل نحيل تكسو وجهه صفرة وبيده خيرزانة أخذ يهزها كأنه يهم بالضرب ثم صرخ العب بعيد يا ولد . رددت بلهجة حاسمة : أنا رايح الشغل ؛زاده ردي غضبا ولكنه حاول التماسك قائلا :يابني العب بعيد مش فاضيين ؛ بعد تأكده من ركوب العمال انطلق بجوار السائق فكان هذا يعني للسا ئق أن انطلق. عدوت وخلفي أخي خلف المقطورة ؛عجزنا عن اللحاق بها ؛استدرت لأخي قائلا : أنا عارف طريق المزرعة ؛عد لأمك وطمئنها عليّ ؛بكى قائلا: سآتي معك ؛صرخت فيه :عد واسمع الكلام ؛ انطلقت عدوا باتجاه المزرعة ؛ في منتصف الطريق توقفت لالتقاط أنفاسي ؛وجدته يعدو خلفي .

حين وصلنا كان المعلم عبد الستار قد انتهى من تسجيل الأنفار في نوتة اليومية وأخذ يقدمها لصاحب المزرعة ؛ارتمى العجب في نظرات الرجل لنا ؛بادرته بقولي : عايز أشتغل مع الأنفار ؛نظر المعلم نحوي ثم أدار بصره لصاحب المزرعة ؛فالتقط أحمد أفندي الكلام من لسان المعلم : بس أنت صغير ولاتقدر على العمل ؛راعنا أخي حين انطلق واقفا على صخرة ناتئة قائلا : انظر يامعلم كم أنا طويل ! ضحك المعلم واستدار نحوي قائلا : أنتم ولاد مين ؟ قلت له اسمي واسم أبي فصمت في حزن ثم دس يده بجيبه وأخرج قرشين ؛وضعهما بيدي ؛أبيت بشدة قائلا :أنا جاي أشتغل . همس صاحب المزرعة في أذن المعلم ؛فأومأ برأسه ثم أشار لي أن أسير خلفه ؛ناولني صفيحة كبيرة بعد أن ثقبها ووضع فيها حبل لفه حول عنقي فتدلتْ الصفيحة على صدري وأعطاني عصا قائلا اضرب بعصاك بقوة على الصفيحة لتطير العصافير التي تتجمع على عناقيد العنب ؛ هذا عملك حتى غروب الشمس . حين انتصف النهار كادت الشمس أن تذيب رؤوسنا ؛ وكلما التقينا أثناء دورتنا حول الحقل تبادلنا ابتسامة باكية ؛حين تحلّق العمال حول شجرة التوت ليتناولوا غداءهم تنفستُ الصعداء وانطلقتُ نحو منديل الأرغفة المعلق على الشجرة حتى لايأتي النمل على مابه ؛فبادرنا المعلم قائلا :لا تجلسا على الغداء سويا أحدكما يتناول طعامه والثاني يدور حول الأرض ؛ وحين ينتهي الأول يأكل الثاني . قلت لأخي: سآكل أولا ؛ امتثل صاغرا وهو ينظر لي بحزن ؛ لُكْتُ لقيمات بفمي وهرعت نحوه حاملا صفيحتي وعاد لتناول طعامه على مهل ريثما يلتقط أنفاسه ؛كل الأيام تمر سريعا لست أدري لم طال هذا اليوم؟ولم أطالت الشمس بقاءها رافضة الغروب في عناد فاضح؟ اقتربنا من البيت ؛لمحتها تقف على رأس الحارة وما أن رأتنا حتى جرت صوبنا باكية لندلف ثلاثتنا الدار ؛لنجد العشاء مجهزا ؛داهمنا النوم ونحن نتناول طعامنا ؛مع خيوط الفجر استيقظت على هزات أخي لي ؛نهضت لأجدها قد أعادت الطبلية التي لم نتحلّق حولها منذ مرض أبي ؛لاأذكر أني أكلت في حياتي طعاما أشهى من هذا الفطور ثلاث بيضات وقرصين فلافل ساخنة . بين العمال جلسنا ومعهم صعدنا المقطورة ؛ألقي بسمعي لحكاياتهم عما حدث ليلا بالقرية ,فليل قريتنا مسرح لأحداث لاتنتهي ،فبعد صلاة العشاء يزحف كل ٌ لغايته ؛ شيخ الخفر يجمع الخفر ويسرقون مواد البناء المخصصة للصرف المغطي الذي تشقه الحكومة في الحقول لخفض منسوب المياه الجوفية الذي يهدد خصوبة الأرض الزراعية ,وخليل صاحب البقالة التي توزع السلع التموينية تأتيه السيارات من البندر لتحمل أجولة الدقيق المدعمة لبيعها في السوق السوداء ؛والمعلم عبد الستار يتسلل لمضجع نعيمة التي تفتح بابها للراغبين . كل صباح أسمع حكايات الليل التي لاتنتهي ,إلى أن جاءت قصة جودة حرامي الوزة لتسرق الأضواء من كل الحكايات , فقد عدنا للقرية قبيل المغرب لنشهد حفل (التجريص )الذي حكم به العمدة على لص الأوزة الذي تسلل لعشة طيور خالتي فرحانة وبمجرد دخوله العشة أخذت الأوزة في الصياح؛ فأمسكها من فمها ووضعها تحت جلبابه وظل سائرا حتى وصل المقابر فشاهده الخفير ؛ وحين شعر جودة بالأمان أخرجها ليجدها قد ماتت ؛فألقاها وقبل أن يطلق ساقيه للريح أمسك به الخفير صائحا :حرامي حرامي ,هرعت القرية عن بكرة أبيها صوب الصوت واقتادوه لدوار العمدة الذي صاح غاضبا: بلدنا فيها لصوص؟؟على آخر الزمن بلدنا فيها لصوص؟ والله لأخليك عبرة للكبير قبل الصغير .حين وصلنا للقرية كان شيخ الخفر يُجْلِس اللص بالمخلوف على الحمار ؛ لاموضع لقدم ؛الأطفال يحملون في حجورهم الحجارة التي سيقذفونه بها ؛ وما أن انطلق الحمار ليجوب باللص شوارع القرية حتى بدأ الأطفال قذف الحجارة والنساء تزغرد والأطفال يغنون :يا جودة يا ورك النملة مين قالك تعمل ها العملة ؟ ّ! بحثت عن أخي في الزحام وحين وجدته جذبته من يده لنعود للمنزل ؛لقد أنساني المشهد المروع فرحتي بأغلى نقود حملتها في حياتي فاليوم نهاية الأسبوع وقد نقدني المعلم عبد الستار جنيهين وعشرة قروش ,تحسست جيبي واطمأن قلبي حين وجدت نقودي ترقد بأمان .

2014-04-15