الثلاثاء 5/6/1442 هـ الموافق 19/01/2021 م الساعه (القدس) (غرينتش)
بدرية البشر في "هند والعسكر":العبوديّة المُستعادة .. عندما ترث الضحية جلّادها (1)/د. حسين سرمك حسن

(مشاعر غريبة يثيرها المطر فينا ، نسعد به وتنتشي أرواحنا ، لكنّ الأكثر غرابة أن هذا المطر يجعلك تسأل وأنت في نشوة فرحك : "أيّ سرّ يجعل للسعادة مذاقاً حزيناً ؟")
(ما إن قرأتُ كلماته حتى فتح الطير باب قلبي وطار ، فقررتُ أن أتبعه غداً)
(لم يقل لي أحد من قبل إنني رائعة ! كانت أمّي ترى أن البنات سبب همومها وقلقها الليلي ، وكان منصور يصفني ضمن زمرة الحريم ناقصات العقل والدين ، وابراهيم ينظر إلي بتوجّس كلّما مررتُ بجانبه ، وكأنني الشيطان بعينه . حتى أبي كان ينظر إليّ بشفقة وكأنني عصفور جريح يحتاج دائماً لقفص حتى لا تأكله القطط . فلماذا لا أدين نفسي ؟)

                                                              بدرية البشر
                                                         رواية (هند والعسكر)

(الماء والمرأة ليس لهما الصفاء ذاته)
                                                   سعدي الشيرازي
(لو لم تكن المرأة موجودة لاخترعها الرجال)
                                                   سيمون دو بوفوار
(إذا كان صحيحاً أن تجديد كوكبنا منوط بتجديد الأنوثة ، وإذا كانت الأمهات ، من جهة أخرى ، يؤثّرن إلى هذا الحد على لاشعور بناتهن ، فإنّ على الأمّهات إذن إنما يرتكز مستقبل المعمورة .
إن الأم ، لدى كل امرأة ، هي التي في الأعماق ، تحتل المكان الراجح (السلبي والإيجابي) .
ووجه الأم البعيد ، في التحليل النفسي ، هو الذي ينبعث دائماً ، في نهاية المطاف ، سببا لجميع الإضطرابات ، أوَليست الأم هي شخصية اللاشعور الأكثر اتصافاً بأنها خفيّة ؟ أوَليست الأم هي نقطة انطلاق كل وجود ؟ )
                                                         بيير داكو
                                      (المرأة ؟ بحث في سيكولوجية الأعماق)

 

 

# مفتتح : غصون القلب اليابسة .. تتكسّر :
------------------------------------------
تستهل الروائيّة "بدرية البشر" روايتها "هند والعسكر" (1) على لسان راويتها – الرواية تُحكى بضمير الأنا المتكلّم - بيقظة بطلتها على صباحٍ جميلٍ متألّق ، تُلاحق فيه - من خلال شباك غرفتها - حركة الأطفال الذاهبين إلى المدرسة ونزقهم في حافلاتهم ، وانفعال الشارع الناعم بندى المطر :
(فتحتُ طرف الستارة لأطلّ على الشارع المقابل لنافذتي ، التقطتْ أذني أصوات الأطفال الممسكين بأيادي آبائهم وهم ذاهبون إلى المدرسة .      
مرّ باص مدرسة البنات ذو اللون الأصفر سريعاً ، يحمل معه فتيات مجلّلات بعباءات سوداء . ثمّ مرّت حافلة أطفال أخرى يشاغب أطفالها سائق الحافلة بالصياح . كان الشارع يحتفي بندى المطر وإسفلته يلاعب رشّه الناعم الخفيف ويستحم بعيداً عن لفح الشمس الساخنة في أول أيام الشتاء .   
صوت أمّي يحثّ "ميّ" الصغيرة على الإسراع بالذهاب إلى المدرسة- ص 7) .
مع صوت الأم تعيدنا الراوية من الفضاء الخارجي المحدود الآن ؛ الشارع ، إلى الداخل "المغلق" . لكنها سرعان ما تنطلق إلى الخارج انطلاقة أوسع وأشمل وأكثر رحابة إلى الجانب الكوني المقابل لها حيث تلتقط متغيّرات حركة الطبيعة الإحتفالية في لحظة شعرية نادرة لكن منضبطة . وسيكون هذا "الإنضباط الشعري" القائم على الحركة ، والتفاعل بين المكوّنات ، والعناية التشكيلية سمة أساسية من سمات أسلوب الروائية حتى النهاية :
(صفّقت أجنحة الطيور في السماء تنشر يقظتها في الصباح المبكر على اشجار الرصيف . حبّات المطر الخفيف تتساقط هتاناً .                  
تطلق بوّابة الفجر غيماتها ، لترعى في حقل السماء الأزرق ، وتحيله إلى بياض .                                                                         
تتلحّف الشمس شرشف الغيم وتستريح . يفور الغيم في الأفق كبخارٍ في آنية السماء ، تمرح الغيمات الصغيرة مثل فقاعات صابونٍ تتقافز – ص 8) .
وكأنّ صورة هذا الإنفعال الكوني هي انعكاس وتوسيع لصورة الإنفعال على الشارع الأرضي الذي ترقبه الراوية من النافذة ، أو بالعكس .               وفي الحركة الكونية هذه أيضا "إسقاط" لمشاعر الراوية في انتقالها من النوم إلى اليقظة ، فكل الحركات التي تجري أمام عينيها تجري بإيقاع بطيء متناوب بين الإسترخاء الملذ والإنطلاق الهادىء الذي تُفقده "السعةُ" زخمَه وقوّةَ اندفاعةِ مكوّناته . وهذه "العين السينمائية" التي هي – من وجهة نظري – ما يميّز حداثة الرواية عمّا قبلها – ستكون أيضاً من السمات الأسلوبية للكاتبة بدرية البشر في هذه الرواية . عين سينمائية تلاحق الحركة بتفاعلات مصادرها ، وتحافظ على الحركة الذهابإيابية على محور الزمان ، وتلمّ أطراف المشهد العريض الذي يجري الآن – وهنا تحدّد لنا الكاتبة "المكان" – على أرض "نجد" :
(حين يهطل المطر في نواحي "نجد" العطشى ، يحتفل الناس به ، تعتريهم حالة من جنون الفرح ؛ فمن عادة المطر النجدي أن يكون رقيقاً وخفيفاً وشحيحاً – ص 8) .
كلُّ شيء يحيط بالراوية يعلن فرحته وبهجته أرضاً وسماءً .. إلّا هي ، أي الراوية . وهنا تأتي ضربة الكاتبة الماكرة ؛ والمكر ضروري للمبدع أكثر من الذكاء برغم أهمية الأخير ، فالراوية تنقل لنا الحركة الجذلى للأطفال .. الفرح المجنون للناس بالمطر الرقيق بالرغم من شحّته .. مرح الكون غيماتٍ وشمساً وطيوراً .. لوحة كونية مبهجة أثارت الإستجابة المتناغمة السارّة حتى في نفوسنا المُحايدة – ظاهرياً طبعاً - كمتلقين ، لكن كائناً واحداً كان يغصّ بالحسرة ، وتتكسّر غصون الأمل اليابسة في روحه ؛ هو الرواية التي تنقل تفاصيل هذه اللحظة الكونية الأخّاذة :
(حرّكت رائحة المطر غصون قلبي اليابسة ، فأوجعني تكسّر غصونها في صدري . تساقطت أوراقها الجافة فرحاً ، نفثتُ ذكرى لماضٍ بعيد وحزين . شعرتُ بضيق ، فاغتسلتُ وصلّيت ركعتين – ص 8) .
وتظهر هنة في التعبير اللغوي المحترف في تكرار مفردة "غصون" مرّتين في العبارة الأولى :
(حرّكت غصونَ قلبي ، فأوجعني تكسّرُ غصونها )
فقد كان من الممكن أن تكون العبارة أكثر رشاقة وتركيزاً ومتانة وفعلاً في النفس لو قالت الكاتبة :
(حرّكتْ رائحةُ المطر غصونَ قلبي اليابسة ، فأوجعني تكسّرُها في صدري)
# التضاد الوجداني يُشعل أوراق القلب الجافّة :
-------------------------------------------
لكن الكاتبة – الماكرة كما قلت – اشعلت فعل الجملة اللاحقة بعملية "التضاد الوجداني" التي شحنتها بها حين جعلت الأوراق الجافة تتساقط فرحاً .
وتأتي الركعتان الخالصتان اللتان تصلّيهما الراوية الموجوعة القلب ، الآن ، أطهر وأقرب إلى الله من كل صلوات أولئك الذين يقضون النهار والليل يسجدون ويركعون ويعتاشون على جهود وأموال – والأشر من ذلك – إدانة الآخرين ، والتشكيك في إيمانهم . ركعتان ، تأتيان من قلب كظيم متضايق محاصر يبحث عن الفرج ، لهما أقربُ إلى الخالق الرؤوف العطوف من كل نفاق أولئك الذين سخط عليهم حتى الرسول العظيم حين أخبروه أنّ فلاناً يعتزل ويصل الليل بالنهار مصلّياً معتكفاً ، وأشار إلى أن من يأتيهم بالطعام أكثر قربا منهم من الله .
إنّ الجمال المُحاصر ، وأعلى اشكاله "الجمال المذعور" – وهذا ما أكّدته تجربة ربع قرن أمضيتها في الحروب الدموية – هو أكثر عمقاً وتأثيرا في النفس من الجمال المستريح أو الجمال الآمن . إن الإسترخاء يجعل حتى دعاء العبد باهتاً ، ويسفّه تأثير الحكاية ويسطّحه مهما كانت درجات جماله . وشعور الضيق الذي أهاجه تكسّر غصون قلب الراوية المكتوم في صدرها ، هو الذي يتكفّل بإضفاء أوسع المعاني على الغاية من الركعتين اللتين تفعمان نفوسنا بضرورة وجود الخالق الحنون . وتوازياً مع اغتسال الشوارع ووجه الكون بالمطر ، اغتسلت الراوية لتصلّي متضامنة مع هذه الصلاة الكونية الحيية التي تلهج باسم الخالق وعطاياه المنعمة . 
وقد أوغلت الكاتبة في تحقيق الأثر الواخز للنفس ، والمطلوب ، من خلال "تضاد" جديد مُضاف ؛ فكل ما يحيط بالراوية يصدح - أو يتضمن - بمعاني الرواء والنماء من مطر وغيوم ورشّ وندى ، عدا قلب الراوية الذي ذبلت آماله ، فالتمّ كسيرا على أغصانه اليابسة وأوراقه الجافة . لكن ثمّة "رجفة" تسري في أوصال شجرة هذا القلب المُتعب نحو "الماضي البعيد والحزين" . رجفة يضخّمها عمل الشِعر لتُسقط على ما يحيط بالراوية فتضفي على أبسط مكونات المحيط ، وأكثرها ابتذالاً ، بهاء ومتعة وقدرة على التفريج عن ضيق الصدور . ترى كم مرّة شاهدنا أمّهاتنا وهنّ يحضرن القهوة ؟ كم مرّة أعددناها بأنفسنا ؟ عشرات أو مئات المرّات . لكن ولا مرّة شعرنا بحركتها المؤنسنة وبأنها تفور كروح عطشى للعناق إلّا إذا "أسقطنا" عليها حالاتنا النفسية المؤسية ومشاعرنا المقموعة أولا ، والمفرحة بدرجة أقل . فالإبداع ابن الحزن ، والفن محاولة مستميتة لمقاومة الفناء . والكاتبة – التي اشعل رغباتها وأهاج ذكرياتها المطر في معانقاته الحبّية الرمزية مع الأرض - تصف الآن الموقف والطريقة التي تعدّ بها الخادمة "عمّوشة" القهوة ؛ خطوات بسيطة وعاديّة ، لكن القلب المحترق المُحبط ، والمقبل – ويا للروعة  - على الحياة ، يصعد بها إلى سماوات الشعر حيث :
(قلب القهوة التي تفور كروح عطشى للعناق) ،                                     و(تخطف قطع الهال الناعمة وتغمرها بالموج الأسمر ) ..                    وحيث )جنون القهوة الطائشة ، يرتفع ثم يهبط ، لتسكن دائخة وتسبح في شذا اعتصارها المكتمل( ..
وحيثُ أجد لزاما عليّ أن أدع الكاتبة تصف العملية بطريقتها ، فهي الأحق بذلك منّي الآن :
(تضع [= عمّوشة] الهال المطحون في قلب القهوة التي تفور كروح عطشى للعناق ، وهي تخطف قطع الهال الناعمة وتغمرها بالموج الأسمر ، تلتهم موجاتها . تنتشر الرائحة الزكية للهال الثائر لتعانق المكان ، تتقلّب القهوة مع الهال في موج فائر حتى الفيضان . لا تمنح عمّوشة القهوة فورانا كاملا، فحالما يكاد الفوران أن يكتمل ، تزيح عموشة الدلّة عن رأس اللهب فتستريح القهوة وتركد . تعيد عموشة كعب الدلة إلى رأس اللهب مرة أخرى ، فتطيش القهوة بجنون آخر . يرفع الفوران قشور الهال اليابسة إلى أعلى في دورة جديدة ، ثم تهبط . (...) تهدأ القهوة ، ثم تسكن دائخة وتسبح في شذا اعتصارها المكتمل . تنتشر رائحة الهال في رؤوسنا ، وبولع ينتظر كلٌّ منّا دوره كي تغسل القهوة مزاجه الصباحي من خيوط أحلام البارحة العكرة ، إذ ينتشي مزاجنا ويتمدّد تحت شلال حكايات القهوة المُرّة وحبّات التمر الحلوة – ص 8 و9) .
إن هذه "اللحظات الفائقة" – والأستاذ فيها هو الروائي الفرنسي "مرسيل بروست" في زمنه الضائع - التي تُحمّل فيها الأفعال اليومية العادية والمكونات المادية المبتذلة والمظاهر العابرة ، بمشاعر إنسانية طافحة ، وتصبح "رموزاً" وتعبيرات لعالمنا الداخلي الممزّق خصوصا ، لا يمكن أن تتحقّق إلا عن طريق أواليتي "الأنسنة" و"الإرواحية" اللتين تأتيان نتيجة لإسقاط ما تمور به نفوسنا من مشاعر لائبة على تلك الأفعال والمكونات والمظاهر "المحايدة" ، لتصبح "مركّبات" مادّية بأرواح منفعلة تحرّكها وتتحرك من خلالها ، فتستثير انفعالاتنا عبر "التماهي" والتلبّس الخلّاق .
# حكاية حياتنا .. طباق المرارة والحلاوة :
----------------------------------------
ولو لاحظنا حركة السرد خلال الصفحات الثلاث السابقة لوجدنا أنها أتت بصورة "حلقات" تسلمنا الواحدة للأخرى ؛ أي أنها ليست مشاهد متناثرة أو جزر صورية لذكريات منعزلة ؛ فمشهد الإفتتاح المُمطر أوصلنا إلى الذروة التي تمثلت باغتسال صلاة الراوية ركعتين ، لتخرج من داخل غرفتها المحدود إلى فضاء "داخلي" أيضاً لكنه أوسع هو البيت ، فتنفث قهوة عمّوشة رائحتها في وجهها ، فتخز انفعالاتها المتراكمة بفعل المشهد الكوني والذكرى البعيدة التي ضمتها أطراف البيت ؛ ذكرى هي حكاية ، وقد تكون هي حكاية عمرها التي لا نعلمها ، الآن ، ونحن عند عتبة الرواية . لكن حيوات أهل البيت هذا هي سلسلة حكايات ؛ حكايات القهوة المرّة الممزوجة بحبّات التمر الحلوة (وكأن تركيب المرارة والحلاوة الطباقي هذا هو خلاصة معاني حياتنا المتقلبة بين لذّة وانفراج .. وموت وحياة) .. حكايات تنطلق حين ينتشي المزاج ويتمدّد تحت شلالها . وهي حكاية تتمتع بالسمات المركزية لمهارة الحكّاء المُقتدر بالرغم من أنها حكايات تحكمها الفطرة وتنطلق بتلقائية محببة (تراخي سلطة الوعي ، الحركة التدفقية ، عدم تكرار الحكاية لذاتها) :
(معظم حكايات هذا البيت نُسجت في جلسات القهوة ؛ يتخلّص شاربوها من قيود الوعي الصارم ، وبعد الفنجان الثالث ، ينهمر سرد الحكاية مرة تلو مرة ، لكنها ليست الحكاية ذاتها . لا تحبّ الحكاية أن تعيد نفسها أبداً ، فالراوية المتمرّنة لا تحب إعادة الحكاية بالتفاصيل ذاتها . فنّ الرواية مهارة توارثها أهل بيتي – ص 9) .
.. وكانت الراوية هي أول تلميذة في مدرسة الحكي الفطرية هذه . أصغت وتعلمت فنّ نسج الحكايات وإعادة كتابتها من جديد على الورق . لكن محاولتها الجسور نقل الحكاية من الطريقة الشفاهية التي تُختزل فيها الحياة إلى الكتابة حيث ينتعش الوجود ويتمدّد ويؤرّخ ، أيقظت السلطة الذكورية ضدّها ؛ سلطة تخشى الأنوثة بطبيعتها ، وبحسدها المتأصّل والعضوي لخصب الأنوثة وقدرتها على الخلق والخلود . كانت هذه السلطة ممثلة بأخيها "ابراهيم" المُتديّن الذي كان يشن حملات حصاره على حياتها حين يلمح اسمها منشورا في الصحف . والدافع هنا يتعدى "عورة" الإسم إلى الخلق وإهاجة الإحساس بالإنخصاء في مجتمع تتسطّح فيه وتتساوى "أسماء" الذكور ، ويكون "بروز" اسم الأنثى ظاهرة وتفرّد :
(دارت بيني وبينه معارك كثيرة بسبب كتابتي في الصحف ، لم ينتصر فيها أحد غير الحكاية – ص 9) .

بغداد المحروسة  - 3/5/2014

2014-05-17