الجمعة 30/1/1442 هـ الموافق 18/09/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الجرأة..مطلوبة.. وليس احيانا!/د. رفيق حــــاج

لكي نُغيّر واقعنا ونخرج من أزماتنا ونتألّق في نجاحنا علينا ان نجرؤ في التقدم تجاه الهدف. من لا يجرؤ على طلب يد الحسناء لن ينالها وسيحظى بها غيره, ومن لا يجرؤ على الخروج من "الشرنقة" التي يحيا بها سيظل قابعا في القاع. كمجتمع عربي في هذه البلاد, ما زال الأمان المعيشي والوظيفي يهمنا اكثر من أي شيء آخر وهذا مُقلق!

مع ان "منسوب الجرأة" في دماء شبابنا وشاباتنا آخذ بالازدياد بشكل ملحوظ إلا انه ما زلنا نفضّل الوظيفة على الاعمال الحرة, وترى شبابنا يختارون المجالات التي تتيح الانخراط في "وظيفة محترمة" كالتدريس والطب والتمريض والادارة والحسابات وغيرها. نحن نفضّل ان نعمل قي صيدلية تابعة لصندوق المرضى من ان نفتح صيدلية خاصة بنا, وان نعمل كمسوّقين لبضاعة ما من ان يكون لنا متجرا, او نعمل كأجيرين في مرآب من يكون لنا مرآبا خاصا بنا, وخاصة اذا كانت شروط الوظيفة ممتازه وتتيح لنا التفاخر بها امام اترابنا.  حتى من يعمل في مجال الهايطك او الهندسة تلتمس لديه رغبة بتفضيل الوظيفة على العمل كمستقل او صاحب شركة. اذا "تجرّأ" بعضنا في الاستثمار في مشروع اقتصادي فيفضّل ان يكون ذلك في مجال المباني والعقارات, ويتلخّص مشروعهم بإقامة مبنى وتأجيره لآخرين. بعبارة اخرى, "ليخاطر" الآخرون وليجرأوا على فتح مصالح وليدعوننا وشأننا فنحن نفضّل المشاريع "الآمنة" التي لا مخاطرة بها.

تنقصنا الجرأة ليس فقط في مجال اختيار الوظيفة او انتقاء المسار التعليمي او المشروع الاقتصادي وانما في عديد من المجالات اخرى. نحن نفضّل الموجود على الوافد, والظاهر على المخفي,  والأكيد على المحتمل, والمعروف على المجهول, والكثير الكثير منا يؤمن انّ "عصفور باليد خير من عشرة على الشجره". اذا كنا نزاول مهنة او نعمل في وظيفة لا نجرؤ على التخلي عنها لصالح وظيفة او مهنة أخرى خوفا من ان نفشل او تصادفنا عوائق لن نستطيع التغلّب عليها.  قد يبدو هذا التخوّف لبعضكم امراَ طبيعيا ولكن المغالاة به يؤدي الى التقوقع والقبوع في نفس المواقع الى ابد الآبدين.

نحن لا نجرؤ على ترك مسكننا او بيع ارضنا والانتقال للسكن في مكان آخر وخصوصا اذا ما زال والدينا على قيد الحياة. ما زال ترك المسكن او البلد الذي ولدنا به يعتبر أمرا مستهجنا ومثيرا للشبهات والتساؤلات حول الدوافع التي قادت الى ذلك. ان تخوّفنا من ان نتحول الى موضوع حديث تتناقله الألسن يجبرنا على التخلي عن رغباتنا وطموحاتنا والى ملازمة المكان الذي نحن به حتى لو كان ذلك على حساب مصلحتنا او سعادتنا او صحتنا النفسية. نحن لا نجرؤ على ترك الزوج (او الزوجة) بالرغم من قسوته وسوء معاملته او خيانته او ادمانه على المخدرات او الكحول او القمار. للأسف, الحسابات التي نجريها مع انفسنا تنتهي بأن الاغلبية منا يؤثرون السكوت على مضض والاستمرار في مسيرة المعاناة ولا يجرأون على الانفصال.

بعضٌ منا تنقصه الجرأة في امور حياتية في غاية البساطة كإلاشارة الى المتطفّل على الدور ان "يحترم الواقفين بالدور", او لابن الجيران ان يخفض من دوي الموسيقى المنبعثة من غرفته او زجر الاولاد الذين يقومون باقلاق راحة السكان في الحارة, او مقاضاة من يستبيح الحيّز العام لمصلحته او من يقوم بتلويث البيئة ويستكثر علينا استنشاق الهواء النقي والاستمتاع بجمال الطبيعة. يكتفي البعض بنا بالتمتمة بينه وبين نفسه من ان يتصدّى للمتجاوزين او يشتكيهم لأحد خشية من ان تطوله باعهم. نحن لا نجرؤ احيانا ان نطالب بعلاوة في الأجر مع اننا نستحق ذلك منذ زمن. لا نجرؤ ان نقول للمشغل انه مستبد واستغلالي رغم معاناتنا من معاملته.

لانتقاصِ الجرأة في مجتمعنا توجد اسباب ولعل أهمها هو كوننا أقلية مغلوبة على أمرها ومشغولة في صراع البقاء فالأمان المعيشي والوظيفي يهمنا اكثر من أي شيء آخر,  ولهذا الأمر توجد تداعيات على مجالات اخرى. ما زال ايضا الدين والعادات والتقاليد والمبنى الابوي-البطريرخالي  يلعبون دورا اساسيا في حياتنا وفي "تسليمنا للأمر الواقع" لأن اية مناقشة او أي استئناف عليها تعتبر وقاحة وتطاول على المُسلّمات. كأقلية عربية في هذه البلاد كنا وما زلنا نعاني الأمرين من احتلال شعوب اخرى لأراضينا واوطاننا ومن سلبٍ لحرياتنا وفي بعض الازمنه كانت حالنا كحال "الايتام على مائدة اللئام". ان تراكم هذه الحالات أفقد بعضنا ثقته بنفسه, والثقة بالنفس هي عنصر هام من عناصر الجرأة. لكي تتصف بالجرأة يجب ان تنعم بحرية التعبير والتصرف والحركة.

لا بُدّ في هذا السياق من الفصل بين الجرأة والوقاحة وبين الجرأة والمغامرة. الجرأة تعكس مخزون الإقدام والمبادرة القائمين في داخلنا، أما الوقاحة فتعبّر عن غياب الاخلاقيات والالتزام بالأدب العام. الجرأة هي تعبيرعن شخصية قوية، والوقاحة تعبير عن شخصية مريضة بحاجة الى معونة. الجرأة تعني المبادرة الشجاعة لتغيير الوضع القائم ومحاولة خلق واقع افضل, اما المغامرة فهي المجازفة بكل من نملك دون دراسة مُسبقة.

باختصار, لكي نُغيّر واقعنا ونصلح حالنا ونخرج من أزماتنا ولكي نتألّق في نجاحنا ونصل الى قمم جديده, علينا ان نجرؤ وان نتقدم تجاه الهدف. من لا يجرؤ على طلب يد الحسناء لن ينالها وسيحظى بها غيره, ومن لا يجرؤ على الخروج من "الشرنقة" التي يحيا بها سيظل قابعا في القاع يبكي وضعه البائس منتظرا القدر ليخرجه منه

بإمكان القراء  ارسال ردود فعلهم الى البريد الالكتروني:[email protected]

2012-08-03