الأربعاء 5/2/1442 هـ الموافق 23/09/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
قراءة سوسيولوجية لمقولة فيصل الأول عن العراقيين /د.أكرم عبدالرزاق المشهداني

الشخصية العراقية بين وصف فيصل الأول وتحليلات علي الوردي
هل نجح سياسيو العراق في تشكيل شعب عراقي بهوية وطنية جامعة ام اعادونا الى مربع عام 1921؟


 
تواترت إعلامياً، كلمات منسوبة إلى المرحوم الملك فيصل الأول ملك العراق تعود إلى عام 1921 تحديداً، حيث وصف الملك الذي تسلم لتوّه عرش العراق حالة المجتمع العراقي، بطريقة ربما كنا في يوم ما ننكرها ونعتبرها قاسية وجارحة، ومهينة، ولكنها اليوم وبعد مرور تسعة عقود من الزمن، نرى أننا نقترب من ذلك الوصف، بشكل أو بآخر، وكأن العراقيين عادوا إلى النقطة التي بدأوا منها!!.
ورد في مقولة شهيرة للملك فيصل الأول 1921:
((أقول و قلبي ملآن أسىً... أنه في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد تكتلات بشرية خيالية، خالية من أي فكرة وطنية، متشبعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة، سمّاعون للسوء ميالون للفوضى، مستعدون دائماً للانتفاض على أي حكومة كانت، فنحن نريد والحالة هذه أن نشكل شعبا نهذبه وندرّبه و نعلمه، ومن يعلم صعوبة تشكيل وتكوين شعب في مثل هذه الظروف يجب أن يعلم أيضا عظم الجهود التي يجب صرفها لإتمام هذا التكوين وهذا التشكيل.. هذا هو الشعب الذي اخذت مهمة تكوينه على عاتقي ))
الجدل يدور بين من تناولوا تلك(المقولة) المنسوبة لأول ملك على العراق الحديث، في قسوة إنكار وجود (شعب عراقي!!)، وفي إطار قول جلالته أنه يسعى لتشكيل شعب مهذب مدرب متعلم، والحديث بالطبع يتواصل للإستفسار عما إذا نجح فيصل الأول ومن جاءوا بعده في تشكيل هذا الشعب!!!
مقاربة بين بين اطروحة فيصل الأول واطروحات الوردي:
السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو:
هل هناك من علاقة صلة بين ما أورده الملك فيصل من تحليل للشخصية العراقية، وبين تحليلات وأطروحات وفرضيات عالم الاجتماع العراقي علي الوردي حول سمات بنية المجتمع، وشخصية الفرد العراقي التي طرحها قبل حوالي ستة عقود، وكذلك بين الواقع الذي يشهده العراق اليوم، رغم الفاصلة الزمنية الممتدة، والظروف الموضوعية المتغيرة التي شهدها العراق (دولة ومجتمعا)؟..وهل تلك التحليلات والاستنتاجات التي توصل إليها الوردي هي خاصية ثابتة وأبدية يتسم بها المجتمع والإنسان العراقي دون غيره من البشر والمجتمعات الأخرى؟
لاشك أن دراسة علي الوردي للشخصية العراقية تعد هي الأهم من نوعها ومن الممكن أن نستفيد منها كمنهج للبحث لباقي بلدان الشرق الاوسط.. فقد حلل علي الوردي الشخصية العراقية على اعتبارها شخصية ازدواجية تحمل قيم متناقضة هي قييم البداوة وقيم الحضارة وأثبت أن لجغرافيا العراق أثر في تكوين الشخصية العراقية فهو بسبب وجود النهرين، بلد يسمح ببناء حضارة، ولكن قربه من الصحراء العربية جعل منه عرضة لهجرات كبيرة وكثيرة عبر التاريخ آخرها قبل 250 سنة تقريبا.

 

العراقيون بين البداوة والحضارة:
وصف د. علي الوردي العراق بالبودقة لصهر البدو المهاجرين ودمجهم بالسكان الذين سبقوهم بالاستقرار والتحضر. فأنشأت لديهم قيمتين: قيمة حضرية وقيمة بدوية. فالعراقي ينادي بقيم الكرامة والغلبة. ولكن حياته تجبره على الانصياع لقيم التحضر.
فرضيّات عالم الاجتماع العراقي علي الوردي وردت في كتابيه «دراسة في طبيعة المجتمع العراقي» و«شخصية الفرد العراقي» وكذلك في موسوعته «لمحات من تاريخ العراق الحديث» التي صدرت في ثمانية مجلدات، واستعرض فيها وبأسلوب نقدي، تحليلي، شامل، وغير مسبوق تاريخ العراق والحراك الاجتماعي فيه، محدداته ومؤثراته وتناقضاته الموضوعية والذاتية، ضمن العوامل والشروط التاريخية، الاجتماعية، السياسية، الاقتصادية، والثقافية التي صاغت وحكمت وعي المجتمع والإنسان العراقي إلى حد كبير.
تلك الفرضيات تتمحور حول عناوين أو محاور رئيسية ثلاثة هي: ازدواجية الشخصية العراقية، والتناشز الاجتماعي، وصراع البداوة والحضارة.
تأثر الوردي بأفكار ابن خلدون:
يرى كثير من الباحثين والناقدين أن المنهج التحليلي عند الوردي قد تأثر إلى حد كبير بنظرية (ابن خلدون) في مقدمته في علم الاجتماع، وخصوصا منهجه في «فلسفة التاريخ» وتطبيق ذلك المنهج على المجتمع العراقي، وإن اهتمام الوردي بصاحب المقدمة يعود الى فترة مبكرة من حياته، كما شكلت شخصيته وأطروحاته وأفكاره الفلسفية والاجتماعية محور رسالته لنيل الدكتوراه من جامعة تيكساس عام 1950.
فكرة الوردي في ازدواجية الشخصية العراقية:
طرح الوردي فكرته عن «ازدواجية الشخصية العراقية» لأول مرة في محاضرته التي ألقاها في قاعة الملكة عالية في نيسان/ أبريل عام 1951، وأشار فيها إلى أن شخصية الفرد العراقي تتسم بالازدواجية. وذكر الوردي في هذا الصدد نصاً:
«نجد أن العراقي المسلم هو من أشدّ الناس غضباً على من يفطر برمضان علنا ولكنه هو من أكثرهم إفطارا» و «أن العراقي، سامحه الله، أكثر من غيره هياماً بالمثل العليا ودعوة إليها في خطاباته وكتاباته، ولكنه في الوقت نفسه من أكثر الناس انحرافا عن هذه المثل في واقع حياته»، و«أنه أقل الناس تمسكا بالدين، وأكثرهم انغماسا في النزاع بين المذاهب الدينية، فتراه ملحدا من ناحية وطائفيا من ناحية أخرى».
اعترف الوردي بأن تلك التمظهرات تناولها من باب الوصف الاجتماعي لا من حيث إنها اختلالات نفسية فالعراقي يجمع بين المتناقضات فهو مثلا تراه تقدميا في السياسة (أو يحاول أن يتظاهر بذلك) غير أنه في واقعه الاجتماعي رجعي لا يستطيع أن يتكلم مع امرأة دون تلعثم أو يتجاوز عرفا ً اجتماعياً حتى في بيته، وهذا التزمّت الاجتماعي يقابله انفتاح في السياسة، ويحذر الوردي إلى أن العراقي بهذه الصفات «ليس منافقاً أو مرائياً كما يحب البعض أن يسميه بذلك»وفقا لما جاء في مخاطبة الحجاج لأهل العراق وتسميتهم بـ «أهل اللجاج والنفاق» أو مفهوم «التقية» لدى البعض، بل يعود في نظره لكونه هو «إذ يعمل بإحدى شخصيتيه ينسى ما فعل آنفا بالشخصية الأخرى. فهو إذ يدعو إلى المثل العليا أو المبادئ السامية، مخلصٌ فيما يقول، جاد فيما يدعي. أما إذا بدر منه بعدئذ عكس ذلك، فمرده إلى ظهور نفس أخرى فيه لا تدري ماذا قالت النفس الأولى وماذا فعلت».
جدير بالذكر هنا أن هذه الأطروحة الوردية، لم تكن محل إجماع العاملين في ميدان العلوم الاجتماعية والنفسية في العراق، إذ يعتبر بعضهم أن التناقض بين المعتقد والسلوك قد يكون شائعاً بين العراقيين، ولكنه لا يتعلق أساساً بازدواج نفسي خاص في الشخصية العراقية، إذ يستمد هذا التشخيص مقوماته من منهج فرويد في التحليل النفسي، في التناقض بين العقل الظاهر والعقل الباطن، بين الأنا العليا والأنا السفلى، وبالتالي قد يكون جرى إغفال دور العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية غير المستقرة، وتوالي وتعاقب أنظمة الظلم والاستبداد، التي حكمت العراق على مدى قرون، وفقاً لعلاقات وسيطرة أبوية ذكورية (بطرياركية)استبدادية ومتخلفة.
نظرية التناشز الاجتماعي عند الوردي:
المحور الآخر لأطروحة علي الوردي يتعلق بما اسماه «التناشز الاجتماعي» التي يعتبرها البعض بأنها مستمدة من فكرة عالم الاجتماع (أوكمبرن) الذي أشار فيها إلى أن الإنسان قد يتحرك سريعا في الجانب المادي، ولكنه يتخلف في الجانب الفكري والاجتماعي. وقد حاول علي الوردي أن يؤصّل هذا المفهوم عن التناشز على الواقع الاجتماعي العراقي وتجلياته، مثل تناشز الوعي الاجتماعي والممارسة الاجتماعية مع الجانب الاقتصادي والسياسي. فالتناشز لدى الوردي هو التفارق والتناقض بين ما يؤمن به الفرد في دواخله، ويلتزم به اجتماعيا وسلوكيا على أرض الواقع، وبين ما يدعو إليه ظاهريا ومبدئيا من قيم ومبادئ إنسانية وحضارية، وهو ما يعكس الارتجاج والتأرجح والتناقض في التعامل والتعاطي مع واقع متغير في مفرداته المادية، وبين السلوك التقليدي الموروث والمستقر في الوعي الاجتماعي، وهذا التناشز الاجتماعي يتمثل من وجهة نظر الوردي في معاملة العراقي للمرأة، وتعامله مع الآخر المختلف في الأيديولوجية والدين والمذهب والانتماء القبلي والإثني،
الصراع بين البداوة والتحضر في الشخصية العراقية:
وهذا التناشز الاجتماعي يتعلق من وجهة نظره بالضلع الثالث من أطروحته، والتي تتمثل بالصراع بين البداوة والحضارة، والتناقضات بين البادية ـــ الريف ـــ المدينة، وما رافقها من (بَدْوَنة) و(ترييف)للمدن والحواضر العراقية، وما نجم عنها من ازدواجية في القيم والسلوك، تلك المحددات الثلاثة، هي التي رسمت ملامح شخصية المجتمع والفرد العراقي المتشظية.
ولاشك أن هذا التحليل والتوصيف والاستنتاج الذي توصل إليه علي الوردي من خلال دراسته للواقع العراقي، ينطبق إلى حد كبير على المجتمعات القريبة للعراق.
ماهية مصطلح الازدواجية
في الكثير من المتابعات الفكرية والثقافية لما كتبه الاستاذ الدكتور علي الوردي، وفي سبيل الحصول واكتشاف المفهوم والمضمون الفكري المستخدم من الدكتور في مصطلحه (الازدواجية في الشخصية العراقية)، ندرك ان الدكتور اراد من مصطلح (الازدواجية) في احيان كثيرة هو ذلك المعنى الذي يشير الى: ان الفرد العراقي واقع بين معادلتين صعبتين في حياته الانسانية الاجتماعية:
الاولى: المعادلة الثقافية الفكرية العقائدية التي من خلالها يطلّ الفرد العراقي على حياة ترسم له المدينة الفاضلة التي ينبغي ان يعيش فيها، والتي تحترم الصدق وتؤمن بالعدالة، وترنو الى السمو بالمعنويات الاخلاقية الى كمال التقديس والتنزيه والتبجيل المطلق.

والمعادلة الاخرى السلوكية الاجتماعية المادية المعيشية التي تفرض على الفرد العراقي كل ما من شأنه ان يناقض المعادلة الاولى من اخلاقيات ومعنويات وتقديسيات وتبجيلات فكرية وايمانية بحيث ان الفرد العراقي اصبح اشبه بمعمل متناقض ومتضارب ومزدوج في مقدماته ونتائجه، فبينما يؤمن الفرد العراقي ويقدس الصدق بقوّة وبحرارة عالية في المسجد وعلى المستوى الروحي والايماني، نجده عند أول خطوة خارج المسجد، وعلى أعتاب السوق وفي معترك الحياة الاجتماعية والاسرية والمعيشية، هو مضطّرٌ لتقمص الشخصية الاخرى في حياته الاجتماعية والاسرية وكذا الفردية، حيث يكون الكذب هي لغة السوق والتجارة والربح والخسارة الطبيعية، وكذا الظلم يصبح اللغة والمصطلح والسلوك الواقعي، والعصا المرفوعة، الذي من خلالها يؤدّب أعداءه وأبناءه في الاسرة على صعيد واحد.
ربما كان الوردي معجباً بشخصية المواطن الغربي أو الأمريكي (السوبر)، الذي لا يعرف التناقض والازدواجية في الشخصية، لأن الإنسان الأوربي انسان غير مزدوج، ولا هو واقع فريسة صراع بين معادلتين في حياته الاجتماعية، وانما هو يؤمن بالطريقة نفسها التي يعيش فيها، يؤمن مثلا بالصدق ويحترمه ويقدسه، وفي الوقت نفسه هو الذي يمارس السلوك بصدق والحياة والمشاعر والاحتكاكات والتجارة ايضا بصدق. ويبدو أن الوردي عندما يستخدم مصطلح (الازدواجية في الشخصية العراقية) كأّنه لا يشير من قريب او بعيد الى ظاهرة انسانية عامة ، بقدر ما هو يشير بتركيز مكثف على ظاهرة الفرد العراقي الازدواجية التي توحي من خلال الطرح ان هناك إنموذجا فريدا بين الشعوب والافراد والامم هو ما يميز بين ظاهرة ازدواجية الفرد العراقي، واخر لم يسمه الدكتور علي الوردي الا بالاخر غير المزدوج والصريح مع نفسه والمتصالح بكلا حياته الفكرية الثقافية والاخرى الحياتية السلوكية، وهذا الانسان حسب رأي الدكتور علي الوردي في بعض اشاراته الاجتماعية هو الانسان الاوروبي والغربي السوبر.
سياسيو العراق اليوم ومرض الازدواجية:
طالعت قبل فترة قصيرة مقالة كتبها أحد الوزراء السابقين تحت عنوان: ((ايها العراقيون ....لنتحدث بصوت عال)) والعنوان الصارخ يدلل على الإزدواجية السياسية الطائفية لدى شرائح واسعة من المتنفذين بالعراق اليوم، فقد دعا الوزير السابق السياسيين العراقيين إلى الحديث بصراحة وبلا خجل عن مشاريعهم ودوافعهم التي تقف خلف تشنجاتهم وصراعاتهم القائمة في العراق الجديد.
وخلص الوزير السابق إلى أن مشكلة العراق القائم اليوم هي في كون جميع السياسيين العراقيين لا يرغبون بالافصاح عن الطائفية والقومية العنصرية التي تحرك كل تصوراتهم وتطلعاتهم السياسية، ولهذا دعاهم الى انتهاج الشجاعة والصراحة والاعتراف امام العالم وبصوت عال وامام الشعب العراقي بانهم : إما ان يكونوا طائفيون وأنَّ مصالحهم الطائفية والقومية هي ما يحرك كل انفعالاتهم السياسية والايدلوجية، وإما أنهم وطنيون فعلاً، وللوطنية استحقاقاتها والتزاماتها التي ينبغي ان تسود في النهاية على تطلعاتهم وخطاباتهم وخططهم الواقعية ؟!!. ولهذا وتدعيما لرؤيته بان العراقيين بساستهم شعب لا يؤمن الاّ بالطائفية والقومية وانهم لا يستحقون ان يطلق عليهم اسم (الشعب) لانقساماتهم الحادة منذ نشأة الدولة العراقية الحديثة في سنة1921م وحتى يوم الناس هذا في 2012 وان مفهوم الوطنية، والمواطنة غائب عنهم ابداً، استشهد السيد الوزير بمقولة الملك فيصل الاول (رحمه الله) مؤسس الملكية في العراق الحديث وهو يصف المجتمع العراقي بما ذكرناه موثقاً في بداية المقالة.
النفاق ازدواجية الفرد الارتدادية
لاريب ان هناك فرقاً بين ان نقول: ان الفرد يؤمن بأفكار اخلاقية عالية القيمة كالعدالة والصدق وحب الخيّر الا انه يضطرّ لمخالفة تلك سلوكياً وحياتياً ومعيشياً أو أنه يرغب بتلك المخالفة لحسابات معينة؟
وبين ان نقول العكس: عندما يؤمن الفرد بالشر والظلم والشيطنة وكراهية الخير، الا انه يضطرّ لسلوك الخير وعمل الصالح والتظاهر بالتقوى في حياته العملية والسلوكية والمعيشية(!!).

 

الاول هو ما اطلق عليه الدكتور علي الوردي انه انسان مزدوج او واقع تحت مرض الازدواجية في الشخصية.أما الثاني فهو النفاق كما اطلقه القرآن الكريم والاسلام العظيم على فئة من الناس تؤمن بالسوء وتضمر الكفر والشرّ، ولكنها تضطّر مجاراة للمجتمع وقوته وسطوته ان تنساق وتنسجم وتتشبه بسلوك المجتمع الخيّر.
وهناك ايضا إشارة ذكية، ولطيفة ربما لم يلتفت اليها الكثير ممن قرأوا فكر الوردي بنوع من الانفعالية الزائدة، هو: ان فكرة ومضمون الازدواجية التي رفعها الوردي كشعار او كمبضع لتشريح جثة الشخصية الفردية العراقية، هي فكرة قريبة بدرجة ما لمصطلح (التقيّة) فالتقية عندما نريد الوصول الى مضمونها الفكري هي نفس فكرة الازدواجية ومضمونها، في حال يؤمن الفرد والمجتمع بقوة بفكرة الايمان والخير وحب الصدق والتطلع الى العدالة، ولكنّ دناءة المجتمع وظروفه السياسية او الاقتصادية او الاجتماعية الظالمة والقاسية هي التي تفرض معادلتها سلوكيا على الفرد وتضطرّه للعيش بحياة اخرى غير الذي يؤمن بها هذا الفرد او هذا المجتمع، سواء لدفع الضرر كما يدعون، أو لنيل المغانم والمكاسب وتمرير الأكاذيب.
الطائفية المرض الإجتماعي السياسي الوبيل:
ثمة أسئلة تثورخاصة وأنَّ هناك من يرى بأن الطائفية الدينية والسياسية هي بالفعل اشكالية العراق المزمنة لشعب أدمن الاباطيل والخرافات الدينية، والانقسامات المجتمعية كما ذكره الملك فيصل الاول في تحليله. فالبعض قد يرى ان الاشكالية العراقية السياسية الواقعية هي ليس في ضرورة ان يتحدث العراقيون بصراحة عن طائفيتهم وبصوت عال، بل ان الاشكالية تكمن في عدم فهم العراقيين الى هذه اللحظة انفسهم وبعضهم والبعض الاخر، وعدم تقّبل العراقيين اختلافاتهم المتجذرة، بشكل واقعي وبلا لف او دوران، كانعكاس لمسمى الديمقراطية الحديثة.. واعتقد أنه لدرجة ما، في العهد الملكي تلاشت الفروقات بين المذهبيات، وحاول الملوك تجنب الولوج في هذه المعادلةوأن يكونوا أكثر وطنية باعتبار الملك هو لكل العراقيين لكن الظروف وواقع العراق الجغرافي كان هو الذي يفرض سياساته. لكن الأنظمة التي جاءت بعد تلك الحقبة لعبت على الوتر الطائفي، بدرجة أو بأخرى، ليس حباً وإلتزاماً بمنهج مذهبي للتدين والعبادة، بل لتسخير ذلك لتبرير الولاءات السياسية داخل الحدود وخارجها. إن مسألة الطائفية والسلوك الإزدواجي في الشخصية العراقية خاصة بين من يتقلدون أمور البلاد اليوم، أوصلت البلاد إلى شفا الكارثة، وقادت البلاد إلى صراع طائفي دموي عنيف ما زالت آثاره التدميرية واضحة وموجودة، ومازال الخوف من تداعياته المستقبلية على المجتمع يشكل أكبر كارثة وطنية تحيق بالعراق الجديد بفضل سياسيي ما بعد 2003 دون ان نمنح صك البراءة لمن سبقهم. والمشكلة تتجسد في المنهج الطائفي الإزدواجي لدى شرائح من يدعون الليبرالية والتقدمية بل وحتى الماركسية، فقد صار الارتداد الطائفي سمة من سمات التعامل بين سياسيي العراق الجدد، والمُشكلة أنهم كلهم يلعنون الطائفية، ولكنهم كلهم يُصَلّون في مِحرابها صباحَ مساء!
هل نجح من حكم العراق منذ 1921 بتشكيل((شعب عراقي)) مدرب مهذب متعلم، متحضر، صادق، ينطبق ظاهره مع جوهره، شعب موحد متآلف، يتعايش جميع مكوناته بود وسلام وإيثار، يعاف الطائفية المقيتة ويبنى الوطن الجديد على اسس من احترام الذات واحترام الآخرين، والتفكير بصوت عال، كما طلب الوزير في مقالته، وبمنهج حضاري متمدن، نعـــم ربما قد يكون الملك فيصل الأول ومن جاؤوا بعده نجحوا لحد بسيط في الوصول لتلك الغاية، وعززوا الهوية الوطنية بدرجة او باخرى، لكن من جاؤوا بعد 2003 خربوا كل شيء وأعادوا العراق إلى دائرة الصفر ومربع عام 1921 بفعل تغذيتهم للمنهج والسلوك الطائفي في الحياة العامة والخاصة واستبدلو الهوية الوطنية الجامعة بهويات فرعية تفرق ولا توحد تخرب ولا تبني.

2012-08-05