الأربعاء 16/10/1443 هـ الموافق 18/05/2022 م الساعه (القدس) (غرينتش)
رمزية "الريح" في ديوان "أرض الفراشات السوداء"...د. حميد لشهب،

يشبه ديوان "أرض الفراشات السوداء" طريقا سيارا يلتف حول مدينة كبيرة، له مخارج عدة لدخول هذه المدينة الحافلة بقافية عنيدة، متوهجة، تحلق في سماء شعرية فريدة في أسلوبها ومواضيعها ومضامينها. ما يميز الديوان هو ذاك النوع من الحدس الشعري، حتى ليخيل للقارئ بأن الشاعرة والصحافية المغربية ليلى بارع لم تنظمه بالطريقة التقليدية، بل انساب من بين أصابعها كما ينساب جدول عذب بين جذور عشب أخضر، ليرويه ويزيده بهاء، مضافا لبهائه الطبيعي. لا يمكن والحالة هذه الإلمام الشامل بكل مضامين الديوان، الذي ما أن يكتشف المرء طبقة من طبقاته الرمزية حتى يفاجأ بأنه مُقاد ميغناطيسيا لسبر طبقة معنى جديدة. هذه الخاصية هي التي فرضت علينا اختيار مدخل ومخرج الريح في الديوان، ونحن واعون بأننا لم نقم إلا بجزء صغير من تحليل الديوان. والإختيار الذي استقر عليه نظرنا هو اختيار منهجي وليس اختزالا، قد يكون دعوة لباحثين آخرين للإهتمام بهذا الديوان المتميز من زوايا رمزية/دلالية أخرى. خصصت الشاعرة للريح أربعة قصائد متكاملة، يكمن خيطها الناظم في تتبع حركات الريح ووصف تطورها منذ بداية هبوبها في قصيدة "الريح الباردة" ونهاية بقبول "شجرة اللوز" لهذه الريح العاتية. تُشخص الريح ابتداء من البيت الأول للقصيدة ككائن يتقن الكلام، بندائه للطيور لكي تتجمع. وهنا نعثر على رمز أولي للريح، إنها تنادي للتجمع/للتجمهر/للتضامن للوقوف صفا واحدا. وفي هذا النداء يُطرح تسائل جوهري أولا كذلك: من هي هذه الطيور المنادى عليها وأي رحيل تعنيه الشاعرة ولماذا لا تلبي نداء الريح وتشارك في هذا الرحيل؟ ألا ترمز هذه الريح الباردة إلى ما عرفته الدول العربية في السنين الأخيرة من تحولات؟ ألم تطالب هذه الريح العرب للتجمع، للتجمهر، للتوحد من أجل بداية رحيل أو رحلة، بما أن الرحيل كالريح يرمز للتغيير؟ ويأتي الجواب في المقطع التالي: "لن أقف على رجل واحدة/على السلك الكهربائي/جنبا إلى جنب مع النسور". إذا كانت الطيور قد ترمز للشعوب العربية، فإن النسور قد ترمز لحكامها. ولا يعتبر هذا هروبا من المشاركة في التجمع من أجل الرحيل، بل وعيا حدسيا بأن الرحلة لن تتم، مادامت النسور حاضرة ولن تسمح ببداية الرحلة/التغيير: "لا شيئ سهلا في هذا المكان/بلدتي صغيرة جدا/لا يخترقها سوى زقاق وحيد/يجلس على بوابته الفضوليون/لذلك أؤجل نزهتي/ وأجلس على الكرسي القديم/ حيث كان أبي/يجلس ذات حياة". ولمقطع " لذلك أؤجل نزهتي" دلالة خاصة، بل مفعوم بالأمل في أن النزهة، من حيث هي رحلة كذلك، ستتم في يوم من الأيام. أما في قصيدة "مقام الريح"، فيلمس المرء بأن الريح التي هبت، سرعان ما هدأت. لكن هبوبها، على الرغم من أنه لم ينجح في الرحيل/التغيير، قد فرض وضعا جديدا، مفعوما بالقلق، على الرغم من مظهرها الخارجي الذي يوحي بأن المرء/صاحب السلطة استرجع المبادرة والتحكم في الوضع: "الريح هادئة جدا/الأشياء حولها غير مطمئنة". وعلى الرغم من استمرار الريح في الهدوء في قصيدة "ريح ترسم هدهدا أسود" فإن هذا الهدوء غير عادي، بل يفصح عما يضمره، والمتمثل في رمزية "شجرة اللوز". و تنقل لنا الميثولوجية اليونانية والرومانية قصة أتيس Attis رفيق سيبيل Cybele إلهة الارض والتي حُبلَ فيها من لوزة باعتبارها فاكهة الطبيعة الطاهرة. واللوز في المسيحية رمز للرعاية والتأييد الإلهيين، ومن هذه الشجرة خرجت عصا هارون وعصا يوسف النجار(خطيب مريم العذراء) وأصبح زهر اللوز رمزا لطهارة ونقاء العذراء مريم أم المسيح. أما عند الصينيين، فإن زهر اللوز يرمز إلى الجمال الأنثوي والصبر والجَلَد في الأوقات الصعبة. ويتأكد رمز شجرة اللوز واللوز ذاته في قصيدة "كهف الريح": "سأختار إذن ذلك الكهف العالي/قالت الريح التي أعيتها مصاحبة الأشجار". وتعطي هذه القصيدة نكهة خاصة لـ "ملحمة الريح"، لأن رمزية "الكهف" قوية، تؤكد بأن الأمل لم يضيع في الرحيل/التغيير الذي كانت الريح قد نادت إليه، لأن الطيور لم تكن مستعدة بما فيه الكفاية لبدايته في بلد الفضوليين وأخذ النسور مكانها على الأسلاك المكهربة. فالكهف الأفلاطوني مثلا يرمز إلى ضرورة الإجتهاد في البحث عن الحقيقة، علما بأن طريق الوصول إليها ليس سهلا، لأن المرء مقيد بسلاسل لا حصر لها، الذاتية منها والموضوعية الواقعية. إذا كانت الريح/التغيير قد اختارت إذن كهفا، فهذا يعني، كما نجد ذلك في سورة الكهف، بأن هناك سر ولادة ثانية أو جديدة. فكل مَن يدخل كهفه/وعيه يجد نفسه في سيرورة تحوُّل غير واع. وعندما يتوغل في أعماق لاوعيه فإنه يربط صلةً مع محتويات هذا الأخير. والنتيجة هي تغيُّر فعلي. فالكهف يضمن الإحتماء والعزلة، كما أنه معقل الأسرار ومخزن الثروات والكنوز. فـ"كهف الريح" يوحي بضرورة التأني والتبصر والتأمل قبل معايدة المحاولة للتغيير، لأن الإرتقاء من ظلمات الآراء المجردة والجهل الإتكالي، ولربما الفوضوي والعفوي الغير المفكر فيه، إلى ضوء المعرفة والإدراك ووعي الواقع، يؤدي إلى تغيرات نفسية عميقة عند الأفراد، وهذه الأخيرة هي الضمانة الأساسية للتغيير على مستوى المجتمع. للريح إذن متسع من الوقت للتفكر والتأمل والتخطيط ومقارعة السؤال بالسؤال: "وفتح علبة الأسرار؟/قالت الريح ولفت لفة أخيرة/وجلست يدها على سجارتها/ أمامها يرقص السؤال ضاحكا:/الكهف أم التسكع رفقة الأشجار؟". وفي آخر قصيدة لهذه الملحمة، تستسلم شجرة اللوز/الأمل للريح: "آن لشجرة اللوز أن تقول نعم/نعم/للريح التي شطبت أوراقها التي تساقطت أرضا/نعم/للريح التي مشطت وجه النهر الساكن ...". إذا حاولنا إعادة بناء معنى "ديوان الريح" من خلال ثلاثيته الرمزية: الريح/شجرة اللوز/الكهف، فإننا نلمس بأن أهم رسالة له تكمن في وعي كون التغيير/الريح ضروري، شريطة أن يكون مرافقا بالتفكير والتخطيط وتحمل المسؤولية/الكهف وأن يكون مسكونا بالأمل/شجرة اللوز. واجتماع هذين الشرطين هو الذي يضمن التغيير الإيجابي، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي. وبهذا أمكن القول بأن الجيل الجديد من الشعراء والشاعرات المغاربة، يتمتع في معظمه برؤية نقدية واعية لمجتمعه وظروفه، وبأن دور الشعر في تحريك الذهنيات وتغيير العقليات ضروري ومطلوب، على الرغم من سياسة محاولة إقصاء الشعر من حضيرة الفنون التعبيرية في مجتمع كمجتمعنا.

2015-04-25