الأربعاء 16/10/1443 هـ الموافق 18/05/2022 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الشجار في رمضان...حميد لشهب

تكثر في رمضان حالات الغضب والنرفزة والخصام والتجريح بالآخرين، بل تحدث كوارث اجتماعية كالقتل العمد لأتفه الأسباب. "اخترع" الشارع المغربي مصطلحا لهذه الظاهرة: "مْمَرْضَنْ"، ليعلق عليه عدم وعيه ومعرفته لأسباب هذا الأمر، بل ليعلل سلوكات غير مقبولة بالتمام، تحت ذريعة كون المرء صائم. لماذا يصل بعض الناس، أو أغلبيتهم لحالات كهذه في رمضان؟ هناك تمييز بين الجوع الفيزيقي والرغبة في الأكل نفسيا. فالجوع هو إحساس جسدي، سببه هو الرغبة في المحافظة على توازن طاقتنا، وبالتالي حياتنا. أما الرغبة في الأكل فهي شعور نفسي، الغرض منه هو تحقيق حاجة انفعالية دون أية ضرورة فيزيولوجية. يرتبط الجوع ضروريا بالرغبة في الأكل، لكنها ليست رغبة نفسية بالطريقة التي حددناها سابقا، بل حاجة عضوية، فقد يشعر المرء عند مشاهدة شيئ لذيذ للأكل بالرغبة في الأكل، على الرغم من أنه غير جائع، وهذا هو الجانب النفسي المعني بالأمر. يوجد مركزي الشهية والشبع في منطقة من المخ تسمى "ما تحت المهاد" L'hypothalamus. هذان المركزان مراقبان من طرف ما يسمى بالناقلات العصبية des neuromédiateurs وهرمونات قصبة الهضم والأنسجة الدهنية. وتبادل السيطرة بينهما هو الذي يُحدث الشعور بالجوع أو الإحساس بالشبع. الهرمون المسؤول على إيقاف شوهة الأكل هو اللبتين La leptine، إضافة إلى الأنسولين، يعني كلما تضاعف مخزون الدهون، كلما تضاعف معدل اللبتين، موقفا بذلك الشهية. في مقابل هذا الهرمون، هناك هرمون جيرلين La ghréline الذي ينشط الشهية. بهذه الطريقة الملخصة جدا يتوصل ما تحت المهاد بالإشارات المتعلقة بالرغبة في الأكل، يدمجها ويقرر عن طريق رسائل كيماوية كالسروتنينle neuropeptide Y.ما عليه القيام به. عندما ينخفض معدل السكر في الدم، يطالب المخ إذن بالطاقة، وهي مطالبة لا تتحقق أثناء اليوم في رمضان. ما يحدث من إفرازات كيماوية داخل الجسم لتحقيق الشبع هو المسؤول على ارتفاع معدل العدوانية، لأن المرء يقوم بتصعيد حرمانه الداخلي على العالم الخارجي، ويسلك لاشعوريا وكأن هذا العالم هو المسؤول عن حرمانه. ويتعزز هذا الشعور بالشهوة النفسية للأكل، لكثرة معروضات المواد الغذائية وتنوعها. يحدث إذن نوع من "الإنقلاب العسكري" الفيزيولوجي داخليا، ويترجم على الصعيد الإجتماعي بأعمال عنف ومشادات كلامية وسب وقذف إلخ. تماما كما يحدث عند أي حيوان مفترس عندما يكون جائعا: شعوره بالجوع يدفعه إلى ركوب كل المخاطر، وبمجرد الوصول إلى مرحلة الإشباع، يهدأ ويسترخي. في لحظات معينة من يوم صيام، يصبح بعض الناس بدائيين، وتكبر فيهم غريزتهم الحيوانية للأكل ويصبحون مدمرين لأنفسهم ولمحيطهم. عكس الحيوان، فإن الإنسان مزود بترسانة من الآليات النفسية قد تحميه من السقوط في بدائيته الأولى إذا أحسن إشعالها والإشتغال عليها وتطويرها في قرارة نفسه، لتصبح سلوكا عاديا، يحميه من عدوانيته ضد نفسه وضد الآخرين. منها وعيه بأن الشعور بالجوع في رمضان وعدم تلبيته الآنية كما يحدث في الأيام العادية، ليس عقوبة، بل حظ للتركيز على ذاته والرجوع إلى محور وجوده. ذلك أن الشعور بالجوع يختفي بسرعة، ليعاود الظهور باستمرا أثناء اليوم، وهذا التكرار هو الذي يُحدث على الصعيد النفسي ما يُسمى بالإحباط، وبالتالي يسبب في عنف معين. هذا التركيز على الذات و الإنشغال عليها، يتم في أحسن الظروف بالتأمل العميق والإنشغال بأشياء خلاقة لتمديد فترات "هجوم الإحساس بالجوع"، كالقراءة أو الرسم أو نظم الشعر أو الصلاة والذكر إلخ. في مثل هذا الإنشغال يُنشط المرء مخزونات طاقته الجسدية، سواء تلك المخزونة في الكبد أو تحت الجلد.

2015-07-03