الجمعة 17/10/1440 هـ الموافق 21/06/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
قمة المناخ القادمة في باريس: هل ستجسد مرة أخرى المصالح السياسية الضيقة للدول الغنية المسؤولة عن اختلال التوازن المناخي؟...جورج كرزم

خلال كانون أول هذا العام، ستقود فرنسا "المجتمع الدولي" في جولة جدل جديدة حول أحد أكبر التهديدات على الجنس البشري؛ ألا وهو ارتفاع درجة حرارة الكرة الأرضية.  الفرنسيون سيستضيفون في باريس المؤتمر الحادي والعشرين، في إطار معاهدة منع التغير المناخي.

ومنذ مؤتمر التغير المناخي الذي التئم في كوبنهاغن عام 2009 ولم يتمخض عنه اتفاق ملزم، جرت محاولات عديدة غير ناجحة لبلورة اتفاقية دولية تلتزم بموجبها جميع دول العالم بأن تعمل على خفض انبعاثات غازات الدفيئة.  ويفترض بمثل هذه الاتفاقية أن تضع ترتيبات تساعد في عمليات التكيف مع التغيرات المناخية المتوقع حدوثها.  وما تم الاتفاق عليه آنذاك، هو بلورة اتفاقية تؤدي إلى أن لا يرتفع معدل درجة حرارة الأرض أكثر من درجتين مئويتين، قياسا بمتوسط درجة الحرارة خلال القرنين الأخيرين؛ علما أن تجاوز هذا السقف سيخلخل بدرجة عالية النظام المناخي العالمي، وسيؤدي إلى مزيد من الفيضانات وارتفاع مستوى سطح البحار، وموجات الحر والجفاف.

على أي حال، هذا هو هدف مؤتمر باريس القادم.  إضافة إلى هدف المؤتمر الأساسي، ألا وهو التقدم الجدي نحو إبرام اتفاقية تكون فيها جميع دول العالم شريكة فيها، لمواجهة التغيرات المناخية.  ولغاية الآن، عملت الدول بموجب معاهدة ألزمت الدول المتقدمة فقط؛ ولفترة زمنية محددة (بروتوكول كيوتو).  أما هذه المرة، فيهدف مؤتمر باريس القادم إلى إنجاز معاهدة ملزمة لجميع الدول؛ بحيث تكون ديناميكية وخاضعة للمتابعة والتعديل.                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      

لكن، لا تكتفي جميع الدول بهذا الهدف.  فدول الجزر، على سبيل المثال، يسودها قلق شديد من احتمال ارتفاع مستوى سطح البحر.  لذا، فهي تطالب بهدف أكثر طموحا، يتمثل بارتفاع درجة الحرارة بمقدار 1.5 درجة مئوية فقط.  وتناقش الجهات المعنية حاليا هذه المسألة تحديدا.

وبحسب الاتجاه الآخذ بالتطور، يجب أن تقدم جميع دول العالم التزاماتها الخاصة بخفض انبعاثاتها من غازات الدفيئة؛ وذلك حتى تشرين أول القادم.  سكريتاريا مؤتمر المناخ التي تعتبر الأمم المتحدة عضوا فيها، ستُقَيِّم مدى ملاءمة تعهدات الدول المختلفة مع الهدف الاستراتيجي لخفض الانبعاثات، أي منع ارتفاع درجة الحرارة بأكثر من درجتين مئويتين.  وخلافا للمؤتمرات السابقة، وبخاصة مؤتمر كوبنهاغن، لا ينوي هذه المرة القائمون على مؤتمر باريس دعوة رؤساء الدول الذين حضروا، آنذاك، المرحلة الأخيرة من المؤتمر، لكنهم لم يساهموا في إنجاحه، نظرا لأن الظروف لم تنضج بعد لإبرام معاهدة جديدة.  الهدف هذه المرة عقد مؤتمر بمستوى الوزراء؛ ومن ثم سيتم طرح المعاهدة المبرمة على برلمانات العالم لإقرارها.

ووفقا لتصور منظمي المؤتمر، حتى لو لم يتم التوصل إلى معاهدة شاملة ملزمة، فلن يتم اعتبار ذلك فشلا بالضرورة.  إذا بمجرد التوصل إلى صياغة مبادئ الاتفاق؛ بعدئذ، يمكن مواصلة تطوير ما تم التوصل إليه.  ويفترض، كل بضع سنوات، تقييم مدى الالتزام بتحقيق الأهداف.  وإذا اقتضت الضرورة، سيطلب من الدول تقديم التزامات إضافية لخفض انبعاثات غازات الدفيئة.  ولغاية الآن، 36 دولة فقط، من بينها دول الاتحاد الأوروبي، قدمت التزاماتها لخفض الانبعاثات.  الدول الأوروبية تحديدا، أعلنت رغبتها خفض 40% من الغازات التي انبعثت منها عام 1990؛ وذلك حتى نهاية العقد القادم (2020).

إحدى العقبات الرئيسية التي حالت في الماضي دون التوصل إلى معاهدة دولية، تمثلت في الخلاف حول توزيع الأعباء بين الدول.  إذ طالبت الدول النامية بأن تتحمل الدول الغنية الالتزامات الأساسية، لأنها المسؤولة تاريخيا، عن معظم انبعاثات غازات الدفيئة واختلال التوازن المناخي، وبالتالي يجب أن يتاح لدول الجنوب ممارسة حقها في التنمية.        

وحاليا، عملية توزيع الأعباء أكثر تعقيدا.  إذ أن دولا، كالصين على سبيل المثال، أصبحت رائدة في حجم انبعاثاتها من غازات الدفيئة، وهي تعتبر بالتالي طرفا أساسيا في الالتزام بعملية خفض الانبعاثات.  التغيرات المناخية في الصين أصبحت تكتسي أهمية قومية، وذلك في أعقاب فهم الصينيين بأن هذه التغيرات ستحمل عواقب على مستقبلهم الاقتصادي والاجتماعي.

ويقر "المجتمع الدولي" بضرورة مساعدة الدول النامية في عملية تكيفها مع عواقب التسخين العالمي، وفي تطوير طرق لترشيد استهلاك المياه، وفي تخطيط المناطق المدنية المحاذية للشواطئ البحرية، بحيث لا تكون معرضة لارتفاع مستوى سطح البحر.

الجدير بالذكر أن مؤتمر كوبنهاغن قرر، في حينه، إنشاء صندوق يساهم في مساعدة الدول على التكيف مع التغيرات المناخية.  ويوجد حاليا في الصندوق أكثر من 10 مليار دولار.  وقد تقرر مؤخرا تخصيص نصف المبلغ للمساعدة في عمليات التكيف.

ويولي منظمو المؤتمر أهمية كبيرة، ليس فقط لالتزام الحكومات، ولكن، أيضا لالتزام المجتمع المدني والمدن والقطاع الصناعي.

فرنسا، الدولة المضيفة للمؤتمر، لا تزال تعتمد على الطاقة النووية التي تزود أكثر من 70% من إنتاج الكهرباء.  إلا أن حكومتها قررت أن تخفض، في المستقبل، حصة الطاقة النووية، وأن تزيد حصة الطاقات المتجددة، مثل الرياح، والشمس والطاقة الكهرومائية.

ويفترض بمؤتمر باريس أن يشكل نقطة تحول في التعامل مع مشكلة تهددنا جميعا، ما سيعد امتحانا "للمجتمع الدولي" ومدى قدرته على التوصل إلى المعاهدة العتيدة؛ وإلا، خلافا لذلك، سيكون الأمر خيبة أمل شديدة.  ومن الصعوبة بمكان وضع التغيرات المناخية في مرتبة عليا بسلم الأولويات، في ظل وجود مشاكل صعبة كثيرة أخرى في العالم.

 

مساحة لا نهائية للمناورة

كما أسلفنا، ينبغي على كل دولة أن تعلن، لغاية انعقاد مؤتمر باريس، عن هدفها الأدنى الذي ستلتزم به لتقليل انبعاثاتها. وبالطبع، سيصاغ الهدف وفقا للمصالح والقيود الخاصة بالدول المشاركة.  ويمكننا التقدير بدرجة عالية من اليقين، أن أهداف الدول المختلفة للحد من الانبعاثات لن تقترب (في حسبتها الإجمالية) من المستوى المطلوب الذي يوصي به العلماء. 

الاتفاق الذي تمت صياغته في كانون أول 2014 في المؤتمر العالمي السنوي للتغير المناخي بمدينة ليما (عاصمة جمهورية البيرو)، يمنح دول العالم، وبخاصة الدول الغربية الرأسمالية، مساحة لا نهائية تقريبا للمناورة، بحيث تستطيع من خلالها ملاءمة أهداف انبعاثاتها لاحتياجاتها ومصالحها الخاصة.  إذ لم يحدد الاتفاق السنة المستهدفة التي سيتم فيها احتساب الانبعاثات؛ كما لم يضع معايير واضحة من شأنها السماح باحتساب ورصد معدل خفض الانبعاثات.  وقد تبدو هذه التفاصيل تقنية، لكنها هي بالذات التي ستقرر، إلى حد كبير، الفرق بين التصريحات اللفظية والإنجازات الفعلية للأهداف، وبخاصة أن هناك فجوة كبيرة بين الكلام والواقع.

البلدان النامية، وبمصداقية كبيرة، تطالب الدول الغنية التي أشبعت الغلاف الجوي بالغازات المسببة للاحتباس الحراري (غازات الدفيئة) على مدى السنوات المائة وخمسين الماضية- تطالبها بمساعدتها ماليا وتكنولوجيا، كي تنجز الهدف المشترك.  وينبغي أن تتضمن تلك المساعدة دعما لتطوير مشاريع مثل توليد الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة، كي تتمكن البلدان النامية من تقليل انبعاث غازات الدفيئة، وفي ذات الوقت توفير الخدمات الأساسية لمواطنيها مثل المياه والكهرباء.

والتحدي الأكبر الذي يواجه المفاوضات الدولية هو واقع سوق الطاقة؛ إذ أن استخدام الغاز والنفط آخذ في الازدياد في جميع أنحاء العالم، وفي ذات الوقت، أسعار النفط آخذة في الانخفاض.  في مثل هذا الواقع، من الصعب أن نرى كيف ستعكس دول العالم الاتجاه، بحيث تبدأ في خفض انبعاثاتها الغازية في السنوات المقبلة.

غازات الاحتباس الحراري سجلت في الأعوام الأخيرة مستويات قياسية جديدة، قد تؤدي الى ارتفاع في حرارة الكرة الأرضية بأكثر من 5 درجات مئوية حتى عام 2100؛ أي أكثر بثلاث درجات مئوية عن الحد الأقصى (درجتين مئويتين) الذي حدده العلماء قبل أن تبدأ فوضى مناخية.  وخلال ذات الفترة، ازدادت الظواهر المناخية المتطرفة مثل الأمطار الغزيرة وموجات الحر، ويقدر الخبراء بـأن هذه الأحداث المناخية ستزداد خلال القرن الحالي.

المؤتمرات المناخية الدولية الكثيرة التي عقدت في السنوات الأخيرة، لم تتوصل لغاية الآن، إلى اتفاقات حقيقية مؤثرة، بل ما نلمسه هو مواصلة التسويف والتأجيل المتكرر من قبل الدول الإمبريالية للمشاكل المناخية الخطيرة.

نص اتفاق ليما تحديدا، تميز بالكلام العمومي الفضفاض الذي لا يحمل الدول الصناعية الغربية المسئولية الأساسية في الانبعاثات الغازية، وبالتالي إجبارها على الالتزام بتخفيض الانبعاثات بنسب كمية كبيرة واضحة تتناسب مع الحقائق العلمية.

والأهم من ذلك، لم يساهم مؤتمر ليما في بلورة تعهد غربي، في أي اتفاق مستقبلي، بكسر احتكار المعرفة العلمية والتقنية الخاصة بالسلع البيئية، والالتزام بتقديم المعلومات عن التكنولوجيا النظيفة.

فهل سيجسد مؤتمر باريس القادم، مرة أخرى، المصالح السياسية المحلية الضيقة للعديد من الدول، وبخاصة الولايات المتحدة التي تعارض بقوة إبرام اتفاقية مناخية عالمية جديدة تفرض أهدافا محددة، بذريعة أنها تؤيد بلورة نظام مرن يترك المجال للدول المختلفة بأن تحدد بنفسها سقف مساهماتها!                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                        

جورج كرزم

مركز العمل التنموي/ معا

                                                          

2015-08-11