الخميس 7/6/1442 هـ الموافق 21/01/2021 م الساعه (القدس) (غرينتش)
ارتباط الموسيقى والأغاني بالشعب ومشاعر الناس ...حميد طولست

أغنية " صوت الحسن " وأغنية "الواد وادي" نموذجا..

للموسيقى مكان وتواجد في كل حضارة وفي كل مجتمع ، شكّلت منذ سالف الدهر بنغماتها الثرية الحساسة معنى من الدفء الإنساني والعمق الروحي ، الذي لا يمكن أن يعزف أو يصنع نغماتها العذبة المعبرة ، إلا كائن يتميز بعقل وبروح وثّابة منطلقة محبة لها ضمير وبين أضلاعها كيان مفعم بالحب والحياة ، وأعطت معنى عن الرقي والتميز عن كل مخلوقات أخرى ، حتى قيل : "أن وطنا بلا موسيقى وأغاني لا يختلف كثيرا عن المقبرة أو الحيوانات التي تشاركنا الحياة على كوكبنا الأرض..

لذلك نجد أن لكل أمة من أمم الأرض هويتها الموسيقية ، ونغمها، ورنّتها، ولغتها التي تفهمها مجتمعاتها دون ترجمة أو مساعدة ، والتي تساهم في تعزيزِ هُويّتها وثقافتها وقِيَمِها الوطنيّةِ والإنسانيّةِ ، لأن الموسيقى والغناء ، في الغالب الأعم ، هما الوجه الذي يعكس مستوى رقي الأمم ، ويترجم حالتها الثقافية والحضارية ومدى فاعلية الوعي الاجتماعي وثرائه الفني وانعكاسه في إبداعات الشعراء والموسيقيين .

وإذا نحن سلمنا بمقولة الفلاسفة وعلماء الجمال هته ، فذاك يعني أننا نحيا بلا ثقافة ولا قيم جمالية أو أدبية تعبر عن روح الشعب وانفعالاتها ، لما نعيشه من غاب الدوق السليم ، وطغيان الضوضاء الموسيقية الهابطة  ، التي ليست سوى نقيق ضفادع ، وشيوع السخافات الساقطة المبتذلة التي تمجها الأذان ، السليمة ، و يسميها البعض أغاني عاطفية ، والتي لا تعدو الأصوات نواح فجة ، وسرد ممل لكلمات أقزام ، تكرس الخيبة ، وتحفز على الانكسار، الذي أصبح معها الفن تجارة من لا رأس مال له ، عوض الأغنية الراقية المترعة بعذوبة اللحن ، وجمال الصوت، وصدق الكلمة ، عاطفية سواء أم وطنية ، والتي لم تقدر الساحة الفنية المغربية على تقديم مثيل لما عرفته "الأغنية الوطنية" في فترة ما قبيل الاستقلال وبدايته في الخمسينيات مع الموسيقار أحمد البيضاوي والحاجة الحمداوية من ازدهار ، تبعه فتور وتدهور خطير ، عادت بعده الأغاني الحماسية والثورية بقوة عند منتصف السبعينيات من القرن الماضي مع "المسيرة الخضراء في أغنيتين الرائعتين ، هما : أغنية "صوت الحسن ينادي" لفتح الله لمغاري ، و أغنية " الواد وادي " لفرقة جيل جيلالة ، الأغنيتان اللتان كانتا أكثر الأغاني الوطنية تأريخا لحدث المسيرة الخضراء نجاحا وإبداعا، والمحرك الأساس في تعبئة المواطنين للمشاركة في المسيرة الخضراء ، واللتان أصبحتا نشيدا للمسيرة ، تغنى بهما المغاربة طيلة عقود ولازالوا يتغنون بهما،  لاحتفظهما برونقهما وتوفرهما على كل مقومات الإبداع الفني الحقيقي للأغنية الوطنية ، التي عرفت–مع كل الأسف- تدهورا واضحا في الثمانينيات من القرن العشرين ، حين تحولت إلى رمز للتكسب والاسترزاق ، وطغيان الصورة والجسد في الأغاني الهابطة والسخيفة المروجة للتفاهة والجهل والإفلاس الفني الصريح ، الذي احترفه مغنيات ومغنون ضعيفي الإمكانات الصوتية والفنية ، الذين ولّى معهم وبسببهم زمن الأغاني المغربية الأصيلة ، وحل محلها ما يسمى بالأغنية المغربية الحديثة الهجينة ، التي لا تشكّل جزءاً من الثقافة الفنية التي تستحق الحضور ، ولا تخاطب غير المراهقين المتحمسين للرّقص مهما كان الكلام . 

ومما لاشك فيه أن هذا الشح في الأغاني وفسادها ، مرتبط ارتباطا جدليا مع تصحر الواقع الثقافي وفساد المؤسسة الثقافية وانهيارها ، لارتباط الموسيقى والأغاني بالشعب ومشاعر الناس ، كما أسلفت : شعب بلا أغاني يعني شعب يعيش ظاهرة انفصام الشخصية !!

وبهذه المناسبة أود أن أبارك لكل المغاربة عيد مسيرتهم ، وأردد معهم أغنية " صوت الحسن ينادي " أول أغنية أديت عن المسيرة الخضراء :"صوت الحسن ينادي بلسانك يا صحراء، فرحي يا أرض بلادي أرضك صبحت حرة...موردنا لازم يكمل بالمسيرة الخضراء" الله الله الله . وكل مسيرة وانتم بألف خير ..

حميد طولست [email protected]

2015-11-04