السبت 1/2/1442 هـ الموافق 19/09/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
من هاو في قيثارة الرمل الى مبدع في الخنفشاري... بقلم د جبرا الشوملي

أدهشني هذا الاسم الضبابى في ذاكرتي: الخنفشاري، دققت وأمعنت النظر في اسمه، وملامحه، وملابسه، وأطباق طعامه، وكتبه، ومقولاته، وأفكاره، وتأملاته، وفوضويته، ومشاكساته، وخشونته، وحزنه، وفرحه، وغرفته، وأصحابه، وتعليقاته، ورغباته، ولوعاته، ونزواته، ونسائه، وخلواته الصوفيّة والقبانية 'نسبة الى نزار قباني'، وصموده في زنانين الجلادين، وتحرّره من السجن، وغربته وعودته الى الوطن. كما أبدع الكاتب الأديب نافذ الرفاعي في نحت تفاصيلها الساحرة، فانجلى الضباب، ورأيت الخنفشاري كما كان بلحمه ودمه، يقهقه عاليا في ساحات جامعة بيت لحم، يوم كنا مع صديقي الكاتب وصديقنا الخنفشاري، والكثير من الطالبات والطلبة الثوريين في مفاتح العشرينات من عمرنا، نراهق، ونتعلم دروس السياسة والثورة والفكر والفلسفة في أوائل ثمنينات القرن الماضي.

أدهشني اكثر رذاذ عليل يراع الكاتب المصبوب موسيقى وفكرا في نهر الثورة والأنثى، كما خياله الجموح المنفلت من قيود المحرمات البائسة، ومن تزمت النصوص ولغتها المطلقة، كحصان بريّ هائج، كأنه من زمن بلقيس وزنوبيا، لا تحده حدود، لا أرض ولا سماء، يقتحم فضاءات البشر، ويغرف من ماء بئرها تناقضات الفطرة الإنسانية وحمولتها الاجتماعية: صفاء معادنها وشوائبها، أذواقها الرفيعة والخفيضة، عفتها وملذاتها، شجاعتها وجبنها، إبداعاتها واجترارها، صمودها وانكساراتها، اطمئنانها وقلقها، يقينها ويأسها، آمالها وخيباتها، ويصبها في تحفة خنفشارية نابضة بما يتبدى، كما لو أنه تناقض ممتنع، هي نبت من نبات العروبة المغدورة، تفوح منها رائحة صوت الغرير وهو يصدح في برية الأعراب دون صدى، وأزيز صليات عروة ابن الورد المحذوفة من بنادق التاريخ، وانتشاءات ابي النواس المخمور بالشعر والنبيذ، واشعار نزار قباني المتخمة بالمكبوت والجنس والثورة، وأقباس النور التي تملئ وجه شيخ الطريقة الصوفية.

الخنفشاري: رواية الوطن المثقل بجدل الزائف والحقيقي من التاريخ البعيد، والمثقل ببطش حوافر القبيلة في التاريخ ينال بعيد والقريب، القبيلة باسماءها القديمة والحديثة وبازيائها التنكرية، والمفجوع من انهيار احلام الثوريين في قديم وراهن التاريخ، وما بين تلك التواريخ المحملة بالفجائع يظل الكتاب محملا بتفاؤل العقل والارادة يؤشر لضوء في أخر النفق، الضوء سينبلج، " الناس سيبتسمون مرة أخرى ص 147" ولكن كيف ومتى " من يعيد للثورة بريقها ص 190 "؟

أسئلة مشرعة أحالها الكاتب على حاضر ينتظر فيلسوف ثوري يفتت التناقض ويعيد بناء الرمز المنسجم ويستلهم بعضا من روح الخنفشاري وبعضا من الطهورية الثورية للاكاديمي المتواضع حنا ميخائيل الذي هجر درجة الاستاذية في جامعة هارفرد والتحق مقاتلي زحف على قدميه في صفوف الثورة الفلسطينية في لبنان وبعضا من عودةالوعيل لبروفسور الذي ترك جامعات بريطانيا وامريكا وثقافة الفردية الغاشمة وعاد الى الوطن متمتعا بالتنقل بين الحواجز وملامسة الاخطار اليومية، وبعضا من بروليتاريا ابي خديجة رمز قاع المدينة، وبعضا من خيال ات وجماليات الامير الاحمر، وبعضا من كاريزما الختيار مفجر الثورة وتوأمه العروبي أبي الميساء، أو قلينتظر موهبة محترفة تستورث الرفيع من التجربة السابقة، موهبة بحجم عدالة القضية الفلسطينية، تنهض وتحمل الجواب المخرج من تحت انقضاض شعب منهك ولكنه لم يستسلم.

الخنفشاري : هو كل هؤلاء وغيرهم ممن ذهبوا ولم يسمع بهم أحد، وهو بعضا من هؤلأء الذين سيأتوا ولم يتنبأ بهم أحد، ولكنهم قد يكونون مختلفين كثيرا او قليلا عن طينة ممن سبقوهم من الاحياء والاموات.

2015-12-16