الثلاثاء 26/9/1441 هـ الموافق 19/05/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
حروب العرب ومرآةُ الحقُّ...بقلم فراس ياغي

 كانت حروب العرب بعد ظهور القبائل العربيه وإنتشارها في شبه الجزيره العربيه وحولها، خاصة بعد ميلاد السيد "المسيح" عليه السلام، تدور حول الثأر اللامتناهي، كثارات الزير سالم في حرب "البسوس" التي إستمرت لمدة أربعين عاما، وحرب "داحس والغبراء" بين قبيلتي عبس وذبيان في نجد، وهما فرعان من قبيله واحده هي غطفان، ودامت أربعين عاما، وحرب "بني أصفهان" ودامت سبعاً وسبعين عاما وهي حرب دمويه، وحرب "الفجار" بين بني كنانه ومنهم قريش وبني قيس وعيلان، ويوم "بعاث" بين الأوس والخزرج قبل الهجره النبويه...وما بعدَ الإسلام والإنتهاء من مسألة المشركين عبر غزوات متعددة، وتأسيس أول دولة جنينيه للعرب برئاسة النبي الرسول "محمد" صلوات الله عليه وسلم، ومجيء الخلافه الراشديه حيث تم تصفية ثلاثه من هؤلاء الخلفاء، إثنان غيله (عمر وعلي رضي الله عنهما) وقتل أحدهم (عثمان رضي الله عنه) على يد مسلمي مصر والكوفه والمدينه، وما بعدها من إغتصاب أموي للخلافه نتج عنه إنقسام عمودي وأفقي في الأمة العربية الواحده التي توحدت منذ فترة بسيطه فقط وشكلت عصب وأساس الأمة الإسلاميه، لم يتجاوز عمر التوحيد ثلاثة إلى أربعة عقود، صراع بين الأموين وآل البيت كانت نتيجته معركة كربلاء غير المتوازنه وإستشهاد "الحسين بن علي" عليه السلام وإذلال أهل آل البيت، وما بعدها وقعة "الحرة"، حيث هجم جيش يزيد بن معاوية على مدينة الرسول الأعظم صلوات الله عليه وسلم وإستباحها ثلاثة أيام متتاليه قتلاً وإغتصاباً للنساء، بعد ذلك جاء العباسيون أكثر دمويه وأصبح للعسكر شأن إمتد وحكم البلاد العربيه حتى جاء سلاطين العثمانيين الأتراك وإستعمروا البلاد العربية تحت يافطة الإسلام.

 

 

حروب العرب لا نهاية لها لأنها تدور حول الغيب كما قال "توماس فريدمان"، وهي حروب عبثيه جوهرها الحكم والسيطره ومغَلّفه بفقه تكفيري، الإستناد فيه إلى تأريخ وتفسير تراثي موروث سلفيّ وهابيّ يهدف لقمع العقل العربي أو وفق الكاتب المرحوم صادق جلال العظم "ختان الأدمغه"، غسلها قبل الولاده وبعدها بمفاهيم تتناقض والقيم الإنسانيه جمعاء مما يجعلها متناقضه بالضرورة مع القيم المُحمديه، قِيَم التسامح والمحبه والوصال والتآخي والتشاور...الخ، ومع هذا القمع تظهر التشكيلات المُختلفه، تشكيلات الإسلام السياسي من جهة وما تحتويه من فكر وممارسه عمليه في التنكيل الجسدي والمادي والتنكيل الفكري، إرهاب بكل أشكاله، ومقابلها تشكيلات كمبرادوريه قمعيه لا تُعير وزنا للإنسان، ورأسمالها الأمن والجيش، وهناك نموذج جمع الإثنان معاً فأصبح يقود العرب بشقَيّها المتأسلم القمعي، والمُتَعَلّمن القمعي، فلديه "الدم الأسود" من بترول وغاز ودولارات لا نهاية لها، والضحيه دائما الإنسان العربي العادي الفقير والجاهل الذي يتحارب ويقتل بعضه بعضاً، مرة بإسم العروبه، ومرة بإسم الإسلام، ومرة بإسم المذهب والطائفه، وأخيرا لأجل زَعم الدولة الإسلاميه والخلافه والخليفه...مسَمَيّات جُلّها لهدف واحد السلطة ثم السلطه ولكن لصالح من، بالتأكيد ليس لصالح الشعب العربي وشعوب المنطقه، وإنما لصالح الغرب دائما عبر الخليفه سلطان الناتو أو عبر البترودولار.

المرحلة التي نحن بصددها اليوم جاءت مُلتبسه ومُختلطة المفاهيم والممارسات، فهي تشكلت بعد حدوث هبات شعبيه رافضه للدكتاتوريه والتوريث والقمع البوليسي، وفي نفس الوقت حدثت بعدها هبّات رافضه للأسلمة السياسيه وعلى رأسها الإخوان المسلمين كما حدث في مصر، لكن المُمَيّز فيها أن الفوضى العارمه السياسيه والولائيّه كانت أساسها، فهي هبات ضد القمع ومع الديمقراطيه، وفي لحظة أصبحت تلك الهبات تُسمى "ربيع عربي" وتحولت في لحظة أخرى إلى "ربيع إسلامي"، وحين بدأت تظهر حقيقتها المُنظمه بشكل سري والعفويه بشكل علني، جاء "الناتو" وعلى رأسه الولايات الأمريكيه وبدعوه من شيوخ الأسلمه السياسيه "القرضاوي" و "العوري" و "العريفي" و "المحيسني" وغيرهم كثر وسلاطين الأسلمه من أُمراء وملوك ورؤساء "قطر، السعوديه، تركيا"، جاء ليفرض سياساته ب "فوضى خَلاّقه" الهدف منها تجزيئ المنطقة العربيه إلى دويلات صغيره على أساس الهوية المذهبيه بالأساس خدمة لتلك الدويلاّت عفواً (محطات البنزين) على شواطيء المحيط الهندي، ودولة إسرائيل "اليهوديه"...النتيجه نراها دمار وتنظيمات إرهابيه "فاشية" الأيدويولوجيا و"نازية" الممارسه وشمولية "الشيوعيه".

الحروب الصغيره والكبيره كنتيجه لا زالت مُستمره وستبقى لأن المعركة الكبرى لم تأتي بعد، معركة المصير سيكون عنوانها "سوريا" وفي "سوريا" وعلى "سوريا"، وكل ما يحدث حتى الآن هي محاولات أمريكيه لكسب الوقت أكثر من كونها سياسة حقيقية هدفها الحل ووقف المَلهاة الدموية، فالإمبراطورية الأمريكية تُفكر كما "القبيله" وفقا لِ "تشومسكي"، وفي نفس الوقت هي أصلاً متحالفه مع دول "القبائل" وحكم "القبائل" ولا ترى مصالحها إلاّ بطريقة تلك "القبائل"، ومن يعتقد أن أمريكيا ستعود أمريكيا، فهو واهم، فَ "ثمة آلام كثيره تثقب عظامنا، عظام الإمبراطوريه" وفقا للباحث "ألفن توفلر".

لا يزال "فقه الباديه" يتحكم في الموروث الديني والسياسي، ولم يزل سلاطين وأحزاب الأسلمة السياسية "ينظرون إلى الله من ثُقب في العباءه" وفقا للتونسي عبد الوهاب المؤدب، ولا تزال الإمبراطوريه وربيبتها في المنطقة "إسرائيل"، ترى فيما يجري من سفك دماء فرصتها الذهبيه لخلق تقسيم جديد يتجاوز "سايكس بيكو" لدويلات مذهبيه.

يبقى السؤال المركزي، هل يعي العرب القوميين والوطنيين واليساريين والمقاوميين ومن معهم من حلفاء إقليميين ودوليين، أن المصير يكمن في سوريا؟!!! وأن المعركه هناك هي من يُحدد ليس وجهتها، بل تشكيل عالم جديد، أساسه التعدديه القطبيه لا الإمبراطوريه، أعتقد أن الروس رغم البطء أحياناً لكنهم حسموا أنفسهم و "إمتطوا خيولهم مسرعين"، وأن الفجر القادم برغم مئات الآلاف من الضحايا الأبرياء بالذات، سيكون فجراً عربيا علمانيا أساسه التعدديه والديمقراطيه والكونفدراليه أو الفدراليه على أساس الهويات التي تُميز المشرق العربي، فَ "سايكس بيكو" إنتهى للأبد، والقادم ليس دويلات مُمَززّقه، بل دول يَنصهر فيها الشعوب لتشكيل هوية جامعة تَمتَد على طول المشرق العربي، شاءَ من شاء وأبى من أبى، فَ "منزلنا كبرياؤنا...تعال تعال...تعال وإقترب...كم ستستغرق الرحلة؟...ما دُمتَّ أنت أنا؟ وأنا أنت...ماذا تعني أنا وأنتَ بعد اليوم؟... نحن نورُ الحق...مراةُ الحق...إذاً لماذا الشجار بيننا دائماً؟...وهناك صُحبةٌ كأنها فصل الربيع". أليس مولانا "جلال الدين الرومي" على حق.

2015-12-23