الإثنين 13/10/1440 هـ الموافق 17/06/2019 م الساعه (القدس) (غرينتش)
ليلة غاشية في طبعتها الرابعة تفكيك الموت اكثر شجاعة من التجريب والكتابة ... د.مصطفى سالم

 الحدث حينما يتكثف ليكون ليلة في رواية، هو اشبه باسئلة غامضة الإجابة عليها اكثر اثارة. وفي رواية (ليلة غاشية - قصة ساحر) للروائي الإماراتي عبيد ابراهيم ابو ملحة يمكن القول ان تفكيك الموت باعتباره عملا صوفيا يناقض الحياة باعتبارها عادة كئيبة.

 يقينا ان متعة الراوية تكمن في كونها غير كاملة، وما محاولة صناعة الكمال لأي رواية، إلا عملية طعن تصيبها بالشلل.

 لكن أين يكمن كمال الراوية؟ وهو السؤال الذي يُهمل دوما لانه يتعلق بالقراء الذين يصنعون لحظاتهم وفقا لعالم الرواية، وكل حسب نافذته التي يطل بها على عالم سواء كان يستحق أو لا، ليختزل في قصة ساحر.

وقارئ هذه الرواية لا يمكن ان تكون هذه روايته الاولى، ولا يمكن ايضا ان يكون برئيا بمعنى انه ليس نقيا من حمل تفاصيل الحياة الملطخة بالالم والاسئلة المعلقة التي لا نرى اجابة لها في حياتنا.

براعة الرواية تكمن في أن الموت تم تفكيكه قبل أن ينال من ابن بطل الرواية 'نايف' مع ما يحمله الاسم من شموخ، وأيضا في كونه يختار التجريب متمردا، ولا يكتفي ان يكون باحثا. وهو هنا يمنحنا فرصة لـتأكيد العلاقة بين الفكر واللغة، وبين التجريب وشروطه.

 وتفكيك الموت لن يغير من محتواه ونتائجه، لكنه يبقى محاولة اكثر بطولة من المصادقة عليه دون معرفة النص. نص الموت هو خلاصة قصة الساحر. أي ساحر بغض النظر عن التوبة وبعيدا عن المراجعة .

تضمنت الرواية رحلة "نايف" من تبنيه السحر حتى يصل لقلوب النساء كمقدمة لوصوله للتوبة، التي أثمرت عن زوجة وابن يهدده الموت بسبب جنية تريد الانتقام من "نايف" من خلاله، فيعود من التوبة ليُهزم امام الموت.

لايفترض أن ينتصر السحر بسواده وبياضه على الموت بغموضه. ولا نملك الحياة لنخلق الاعداء أو الاصدقاء. اننا فقط نختار طريقة تكيفنا مع الحياة، كمخالفة لها، أو انسجاما معها. وفي كل الاحوال لايبدو ذلك مهما حين يتعلق بأننا ندفع الثمن حين نبدأ، بشكل أكثر وجعا حين نتراجع. وحقيق أن نعرف إن غموض الموت لا يمكن معالجته بغموض اخر. وعندما يتعلق الأمر بالحزن لايبدو إن هناك فضيلة للموت. مع كون الحياة ومسيرتها قائمة على الولادة والموت. غير ان المؤمن من يجد دوما في الموت فضيلة، فالطريق إلى الله لايمكن ان يكون مباشرة من الحياة .

 مهمة كبيرة أن يكون السرد في ليلة واحدة وبلغة عميقة و واضحة وهذا هو عالم رواية ليلة غاشية التي يمكن تفسيرها بمقولة الحلاج التي حملها الكتاب "خذوا من كلامي ما يتناول فهمكم".

 لقد جمعت الرواية بين السحر والتوبة والموت بطريقة مثيرة فكانت قصة الساحر هي محاولة للخلاص من الموت. الطريق للجمال أو المرأة قاد "نايف" للسحر ويمكن تفسير ذلك بالاختيار لكن في مجتمعات يكون فيه الفوز اكثر ملوحة من الخليج العربي يمكن القبول بالغموض باعتباره سحرا والوضوح كوسيلة ضعيفة والموت كنسمة حزينة.

امتلك الراوي حرية في اعلان انتصاره على كل شروط التجريب وهو امر حرر الرواية من ان تكون مجرد محاولة، بل هي رواية تضع نفسها في طريق مختلف عن العمل الروائي العادي، انها رواية اكثر شجاعة من التجربة والكتابة معا.

 في مقدمة الرواية يقول الكاتب 'واذا كانت لديك جرأة لقراءتها فاني لارجو منك أن تكملها حتى النهاية'. وعليك ان تفعل ذلك، لكن باختلاف مع الكاتب لان من هم بحاجة للجرأة افضل لهم ان يفعلوا ذلك. فقط نشير إلى ان غلاف الكتاب كان عادلا مع الرواية وهو أمر لا يمكن ان تلاحظه في الكثير من الروايات العربية.

 عبيد إبراهيم بو ملحة

ليلة غاشية 'قصة ساحر'

دبي: مداد للنشر والتوزيع ، الطبعة الرابعة،2016

2016-01-10