الأربعاء 27/9/1441 هـ الموافق 20/05/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
مصر يحكمها دستور من مادة واحدة...محمد عزت الشريف

 

 "أنا ربكم الأعلى"

ـ هكذا يقول الفرعون

" وأنا لكم الدستور"
ـ هكذا يقول الدكتاتور

فلو عرفنا االفرق بين الربّ، والدستور
نكون قد عرفنا الفرق بين الفرعون والدكتاتور.

  وعَوداَ على بدء نقول بحسب ذات المفهوم أنَ: 
"الفرعون هو الربُّ الأعلى"
"والدكتاتور هو الدستور".

ـ هل اتضح الفرقُ الآن بين الفرعون والدكتاتور؟
لا بأس..
بمزيدٍ من التشريح والتبيين؛ تفترق الأمور وتستبين..

و نبدأ بالتساؤل عن :
مَنْ هو الفرعون؟
و مَنْ الدكتاتور؟
و ماذا إذا ما خلطنا الفرعونية والدكتاتورية معاً في خلاطٍ واحد؟
ـ ماذا ينتُج؟ وماذا يمكننا أن نُسمي ذلك الكوكتيل المُنتَج؟

و هل يصلُحُ هذا المُنتجُ لأن يكون نظاماً حقيقياً قابلاً للتطبيق على الأحياء؟
ـ بل؛ و هل يصلُح أن يكون ـ هو نفسه ـ نظاماً قابلاً ـ أصلاً ـ للحياة؟ 

    و سوف نؤجّل السؤال الأخطر؛ والذي هو :
هل هذا النظام الأبتر موجودٌ و ماثلٌ  في عالمنا الحاضر فعلاً؟!

   و نبدأ أولاً بالإجابة عن سؤال ماهو الدستور؟ ـ وما حقيقته و دواعيه؟
و كيف نفهمه بلغةٍ سهلةٍ وأمثلةٍ بسيطة؟

    الحقيقةُ أن الدستور ـ في الأساس ـ يُوضَعُ ضماناً لأن لا يطغى "المُشَرِّعُ "ـ و هو يضع القوانين ـ  على ثوابت المجتمع؛
من عاداتٍ وتقاليد، و قِيَمٍ روحيةٍ وأخلاقية؛ مع مراعاة تراتيب وأولويات تلك القِيَم.
إذن؛ فالدستور يجيء عادة ليكون هو الإطار الحاكم للمُشَرّعِ؛ الذي لا ينبغي أبداً أن يَخرُجَ عنه؛ و هو يضع القوانين لأيّ مجتمعٍ من الناس.
    
   و عادة ما يعمد المجتمع الإنساني ككل لأن  يضع من المباديء والقواعدَ و القوانين ما يحكم به ويُؤطر 
دستور أيّ دولة في المجتمع الإنساني الأشمل.

   وهذا الدستور العالمي الأعلى هو ـ بالطبع ـ فوق كل الدساتير
وطبيعيٌّ أن يكون هدفه ومقصده العام هو تحقيق أهداف و مصالح المجتمع الإنسانيّ العام ككل؛
مهما اختلفت وتنوعت أهداف و مصالح كل مجتمع قطري أو جغرافي أو قوميٍ على حِدَه..

و غَنِيّ عن القول أنّ مجموعة المباديء والقواعدَ و القوانين العامة التي تَحكم وتُؤطِّر كل الدساتير في العالم الآن، إنما هي ما نسميها 
في عصرنا الراهن الآن بـ "مباديء حقوق الإنسان".
وهي حقوق واجبة وضرورية لديمومة الحياة ؛ ولا يختلف عليها اثنان.

   إذن؛ فالدستور لأي مجتمع ؛ و حتى يكون هو نفسه شرعياً؛ فلابد أن يراعي الحقوق العامة للإنسان؛ والتي كانت منذ خلق آدم،
و جاء تِبيانها و تنظيمها والتأكيد على صونها في دستور الإسلام؛ قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام..
هذا؛ ولا ينفي ذلك أن يكون لكل مجتمع في دستوره الخاص به خصوصية تُعبر عنه، و تراعي اختلافه و تنوّعه عن غير من سائر المجتمعات.

   و ثم نعود إلى الحاكم  الفرعون ..
ذلك الذي لا يرى نفسه إلا في مرتبة الربوبية
ثم يستمدُّ من هذه الشرعية سُلطةَ أنْ يفرضَ على الأُمّةِ رؤيته
فلا يَجرَحُ أحدٌ من القومِ عملاً ..
و لا يبتكرُ فكراً..
ولا يعتقد اعتقاداً إلا بإذنه!!

إذن؛ فالفرعون في النهاية، و بحسب هذا السياق الفكري إنما هو:"ربٌّ مُتَسَلِّط"
ولكن ـ و على كل حالٍ ـ فهو "حلكمٌ له رؤية".

وبالتالي؛ فالأُمة و مصلحتها و مصيرها في ظل الدولة الفرعونية مرهونٌ و مرتبطٌ  بمدى صحة، وسلامة، و قيمة تلك الرؤية الواحدة الوحيدة
للحاكم الفرعون الربّ الأعلى!!

أما في الدولة الدكتاتورية..
فالدكتاتورُ هو ـ وحده ـ مَنْ له سلطةُ اتخاذ القرار..
ولكن؛ لا يمنع الدكتاتور ـ و هو في مرحلةِ صُنعِ القرار ـ أنْ يستشِيرَ الحَوْلَ ، و يجَُسَّ القوة، و يستخبر أهلَ الإختصاص والخبرة.

فالدكتاتور يختص لنفسه بأنّ له الأمر " من بعد..."
أمّا الفرعون فهو ـ غالباً ما ـ يرى أنّ"له الأمرَ من قبل، و مِن بعد..."
   إذن؛ بالنسبةِ للدكتاتور ؛ فإنه ليس من الأهمية، و لا من الضرورةِ أن يكونَ صاحبَ رؤية
ولكن الأهمُّ أنه هو صاحبُ السلطة.

   و لكن؛ ماذا لو اتّضحَ أنْ ليس للحاكم رُؤية عند اتخاذ لقرار ـ
و من ثّمّ استخدمَ سلطاته فعلاً ـ و دون مشورة أحدٍ ـ في تمرير ذلك  القرار؟

هنا ـ و بحقٍّ ـ تكون المُصيبةُ !!
عندها؛ سيكون مُنَفِّذو القرارِ على علمٍ بكارثية القرار
و لكنهم مجبرون على تنفيذه..

   و هنا أيضاً؛ سيصطدم كلّ مُعترضٍ على التنفيذ ؛ بقاعدة "نَفِّذْ أولاً، ثم اعترِضْ"
بمعنى أنه حتى لو جاءك الموت بقرار القاضي الحاكم؛ فما عليك إلا أن تموت..
ثم إذا شئت ؛ فلتعترضْ على حكم موتك بالاستئناف عليه
في جلسةٍ يتم تحديدها في موعدٍ أقصاه يوم ذكرى الأربعين!!

   هذه القاعدة العجيبة"نَفِّذْ.. ثم اعترِضْ"وإنْ رآها المدنيون ـ من وجهتهم ـ أنها قاعدة 
شاذة وغريبة وتصطدم بنواميس الكون ومقتضيات الحياة؛
فإن الجيوش العسكرية تراها على ما يبدو "قا عدة ذهبية"، و فكرة عبقرية!
و لِما لا ؟ ـ فالعسكر يبدو أنهم يفهمون تلك القاعدة ضمن مفهومٍ أكبر  لقاعدةٍ أشملَ وأخطرَ تقول:
"ولكم في القتل حياةٌ يا أُولي الأفهام"!!
ـ حتى وصل بهم الحال لأن يطلع علينا  أحد أكبر وأهمّ الجنرالات و يُصرِّح  لكل وسائل الإعلام ـ هكذا علناًـ و بعظمة لسانه أنّ:
"الجيشَ أداةٌ؛ مهمتها القتلُ"!!

   و هنا يجيء السؤال المنطقيّ:
ماذا لو كان هذا الجيش ـ هو نفسه ـ الحاكم؟!
بالتأكيد؛ ستكون الإجابة المنطقية، بعد التعويض عن كلمة "الجيش"في العبارة، بكلمة "الحاكم"
أنّ "الحاكم أداةٌ؛ مهمتها القتلُ"!!

و هذه الحالة العجيبة الكارسية المُزريّة..
لا تتحقق في الدولة الدكتاتوريةالمَحضة؛التي قد يستشير فيها الفرعون مستشاريه قبل اتخاذ القرار..
كما لا تتحقق في الدولة الفرعونية المحضة؛ التي قد يكون للفرعون فيها رؤيةٌ، و مقصدٌ، و حكمة..
ولكنها ..
تتحقق  ـ فقط ـ  إذا ما خلطنا الفرعونية والدكتاتورية معاً في خلاطٍ واحد؟
لينتُجَ لنا نظامٌ كوكتيليٌّ عجيبٌ حاكم
بدستورٍ أزليٍّ دائم..
يقومُ بنيانه على قاعدةٍ عتيدة
و مادةٍ دستورية  يتيمةٍ وحيدة
تقولُ بأنَّ: 
"مصر دولة عسكرية.. ذات مرجعيّةٍ فرعونية".
***

2016-01-13