الجمعة 30/1/1442 هـ الموافق 18/09/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
جمالية الإهداء في 'أدموزك وتتعشترين'... بقلم: فهيم أبو ركن

لن أتطرق في مداخلتي هذه إلى دلالات العنوان المميز، لأني توقعت أن يستحوذ هذا العنوان على اهتمام الدارسين، وهو في الحقيقة يستحق ذلك، لتميزه، حداثة ابتكاره وغرابته.

لذلك سأخصص مداخلتي وأمحورها حول الإهداء الذي لا يقل ابداعا وروعة، ويلفت الانتباه لأمور عدة سنأتي على بعضها باختصار.

في ملاحظة أولى أقول: إن معظم الشعراء أو الأدباء يخصصون في كتبهم الإبداعية صفحة أولى يهدي كل شاعر أو أديب نتاجه الإبداعي لمن يشاء، بعضهم يهديه لقضية عامة، وآخر لموضوع شخصي، وكثيرا ما يتصل الإهداء بشكل مباشر أو غير مباشر بفحوى الكتاب، أو بشخصية الكاتب. لكن كثيرا من الإهداءات تأتي منفصلة عن الكتاب فتشعر أنها جاءت نشازا شاذة، أو أنها قطفت فجة جافة، أو أنها ركبت مصطنعة تفتقر إلى المصداقية، وأحيانا تكون مغرقة في أمور شخصية لا تعني القارئ من قريب أو بعيد...

في ديوان "أُدَمْوِزُكِ وتتعشترين" إهداء من نوع آخر.. إهداء موح لا تستطيع فصله عن مضمون الديوان، وتشعر بأنه جزء لا يتجزأ من الديوان، يمهد له، يتماهى معه، ويكمله ويتم به. إهداء مميز بجماليته، بأسلوبه وبدلالاته الخاصة. 

المفارقة الجميلة أن جميع قصائد الديوان جاءت بلغة المذكر الذي يخاطب حبيبته، إلا الإهداء فقد جاء بلغة الأنثى التي تخاطب حبيبها..! وكأنها تقدم له الفرصة، وتمهد له الطريق وتضع أمامه إمكانية البوح ليكشف لها عن مكنونات نفسه، فلنسمعها تنادي في البداية قائلة:

أيا عروس شعري الأخرس! فمن هو الأخرس..؟ شعرها أم العروس..؟ وهل كان يجب أن تقول: "أيا عروس شعري الخرساء..؟"!

هنا لا مجال للخطأ فالعارف لغويا يعلم أن كلمة "عروس" وإن كانت تستعمل للأنثى في العامية، إلا أنها في اللغة الفصيحة تستعمل للمذكر والمؤنث. ولمن شك للحظة في ذلك.. سرعان ما تؤكد الشاعرة توجهها قائلة:

أيا عروس شعري الأخرس!

إليك

مُهرة بوحي فتية

إن التركيبة البنيوية لهذه الجملة الشاعرية موفقة وجميلة، إذ تخيلوا لو أن الشاعرة قالت: "أيا عروس شعري الخرساء..!"، أو "أيا عروس أشعاري الأخرس..!"، عندها سيشعر القارئ أنه ثمة انكسار في الموسيقى الداخلية لهذه الجملة، وسيكون ايحاؤها محدودا، بينما في صورتها الأصلية الإيحاء أشمل والموسيقى الداخلية أكثر وقعا والدلالات أوسع مساحة وأكبر حجما. 

في الإهداء تقدم الشاعرة لحبيبها "مهرة بوحها فتية، بفوانيس صفائها" وتطلب منه أن يحلق ببياضها، والبياض كما هو معروف رمز الطهارة والعفة، البراءة والنقاء. وما يزيد من تأكيد هذه الدلالة، دلالة الطهارة والنقاء أنها تقول متابعة:

"حلق صوب ذاكرة عذراء" وهل أطهر وأنقى من العذراء رمزا دينيا ودلالة جسدية؟

وتواصل: "وتطهر بنار الحب ونور الحياة". إذن الشاعرة تشبه حبيبها الذي تخاطبه وتقدم له الإهداء بالمعدن الثمين كالذهب الذي تطهره النار وتزيده نقاء ولمعانا.

إهداء جميل موفق ومحكم، ولماذا نقول محكم لأنه متكامل لا تستطيع أن تستغني عن أي كلمة فيه، وقد أدى مهمته على أحسن وجه.

عدا عن الإهداء وقبل أن أنهي مداخلتي، أود الإشارة إلى أن الديوان يغص بالتعابير الشاعرية المبتكرة، والانزياحات المعبرة التي استخدمتها الشاعرة بنجاح، مستعملة تقنية عالية في الاستفادة من المحسنات البديعية، من طباق مقابلة وجناس. وعلى سبيل المثال لا الحصر اسمعها تقول:

"أسرجَ عين فرسي هوًى وهوَى".

"يغمض خطيئة ملاكي

على سلام إلهامي وما ألهاني".

"أتحرسينكِ مني... أم تحرسينني منكِ؟".

"كهرم هرم".

"أضيئي ... أوتاري ال.. يوسوسها السوس".

حتى في عناوين القصائد نجد بعضا منها، مثل:

"ما مآلي.. إلاكِ آمالي".

ديوان هام ومثير وجدير بالدراسة من عدة نواح، لأنه يطرح قضايا يجب بحثها ودراستها من ناحية تعبيرية، بنيوية، نحوية وصرفيه، لأن الشاعرة استطاعت ترويض بعض الأفعال اللازمة لتجعلها متعدية، كما أدخلت أل التعريف على الفعل، وهذه القضية أثارت نقاشا في حينه عندما استعملت في أواخر القرن الماضي. إذن يمكن التحدث عن هذا الديوان ساعات وساعات، ولكنني التزاما بالوقت المحدد أكتفي بهذا، وأتمنى للمحتفى بها عروس هذه الأمسية المزيد من التألق والإبداع المميز.

 

2016-01-17