السبت 1/2/1442 هـ الموافق 19/09/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
ساعي البريد .. الأفضل بين أسوأ الوظائف في العالم

إيما جيكوبس - لندن

السُعاة الذين يتنقلون على الدراجات الهوائية يخلقون أسطورة حول دورهم، مع ذلك فهو مليء بالحنين لأعوام الطفرة ما قبل الإنترنت.

أولا جاء الفاكس، ثم مشاركة الملفات ومرفقات البريد الإلكتروني. بالنسبة للسُعاة الذين يتنقلون على الدراجات الهوائية، فإن التعطيل الرقمي جاء في أواخر التسعينيات. حمل الوثائق والبيانات حول المدن أصبح أقل ربحية بسبب اختفاء العمل.

تقول إميلي تشابل، وهي ساعية سابقة كتبت كتابا بعنوان "وات جوز أراوند" حول تجاربها: "دائما ما يتحدث السُعاة عن العصور الذهبية. إنها صناعة تدعو إلى حنين كبير". معظم أقرانها السابقين يشعرون بالحزن بشأن التسعينيات، وهي حقبة حيث كان هناك من المُفترض "الكثير جدا من العمل على نحو يصعب التعامل معه".

هناك نفحة من الرومانسية بشأن الوظيفة، التي أبرزها هذا الكتاب فضلا عن كتابين من المذكّرات لسُعاة سابقين (سايكلوجيوجرافي من تأليف جون داي، وماسنجرز من تأليف جوليان سايارار)، حيث يصفون القبيلة المُقاومة للثقافة.

تقول تشابل إن هذه الأسطورة والصداقة الحميمة يُمكن أن تُعيق الناس. "الناس يحبّون الوظيفة، يُحدّدون هويتهم بها. ويبقون فيها على الرغم من المشاكل".

يصف السُعاة هذه الوظيفة باعتبارها مدخلهم إلى مدينة مخفية: غرف بريد تحت الأرض، وجزء من مبنى خاص للتحميل وأبواب خلفية. وكان داي يعتبر الدور جزئيا بأنه دور مراقب كسول مُتراخ لحياة المدينة.

عندما تم إدخاله إلى الطوابق السفلية الوضيعة الموجودة وراء الواجهات الرخامية الكبيرة، كشف ذلك "النوعية المُتكلّفة للمصالح التجارية". وتصف تشابل المتعة المُستمدّة من رؤية بناء المباني، وتغّير الضوء الموسمي الذي يسقط على المناظر الطبيعية المألوفة.

هناك متعة كبيرة أيضا من كونهم غير مُلاحظين. يقول داي: "إن السُعاة غير مرئيين بالنسبة للكثيرين"، مثل ساعي بريد تشيسترتون الوحشي، الذي يُنفّذ جرائمة دون خوف، لأنه يتلاشى في الخلفية. ويذكر باعتزاز أنه تلقّى التحية في داونينج ستريت (منزل رئيس الوزراء البريطاني ووزير المالية)، وإثباته الوحيد كان وجود راديو على كتفه.

هناك أيضا القوة البدنية المُتعلّقة بالعمل. تقول تشابل: "العمل يجعلك تشعر بالنشاط والقوة والجمال". ويقول داي إنه يحب كونه مُرهقا جسديا، بعد ركوب الدراجة لمسافة 60-100 ميل يوميا، وهو شعور لم يعُد يملكه كمُحاضر لغة إنجليزية في كلية كينجز في لندن.

لم يحدث من قبل أو منذ ذلك الحين أن حصل على مثل هذا النوم الرائع. وهناك آخرون يصفون الإحساس كما لو أن أجسادهم كانت في تناغم كامل مع الدراجة الهوائية والطريق.

ويشعر راكبو الدراجة الهوائية الذين أصبحوا مؤلفين بالقلق حول رسم نوع من الرعوية في المناطق الحضرية. يقول سايارار: "إنه أمر رائع جدا، لكنه ليس الصورة الكاملة". ويرى العمل الآن باعتباره "الأفضل من بين جميع أسوأ الوظائف في العالم".

لاحظ أن الجانب الآخر لكونهم غير مرئيين هو أن يتم تجاهلهم، ولا سيما من قِبل سائقي الشاحنات والسيارات غير المُنظّمين، على الرغم من أن الانطلاق بتعرّج شديد عبر الطرقات من قِبل السُعاة له مخاطره.

تصف إحدى الساعيات التعب الشديد بأنه خطير بشكل متقطع. تقول إنه كانت هناك أوقات، عندما كانت متعبة جدا بحيث لم تكن تستطيع التركيز على الطريق وحركة المرور الكثيفة.

العمل يؤثّر على الأجسام أيضا. ويصف السيد داي السُعاة المُرهقين الذين غيّرهم الطقس، والذين "دراجاتهم الهوائية كانت بمثابة أعضاء اصطناعية، كأنهم هياكل عظمية معدنية، تضمن أن أرجلهم تستمر بالدوران وأذرعهم تواصل رقصها المُرتعش على الطرقات". كانت هناك طلبات مراوغة، مثل نقل المخدرات للعملاء. يقول شعار منظمة كونترول في لندن المملوكة التي يُديرها الدرّاجون: "لا للمبتدئين. لا للعنيدين. لا للدمى المتحرّكة".

هناك بعض مراقبي الراديو الذين يتنمّرون على سُعاة الدراجات الهوائية الذين يعملون لديهم. قالت واحدة منهم إنها إذا سمعت صوتهم عبر الراديو "فهذا يُصيبني بالقشعريرة". المراقب هو صاحب القرار ويحاول راكبو الدراجات الهوائية إثبات أنفسهم من خلال اتخاذ مهام صعبة.

ثم هناك الأجر. في أي أسبوع جيد، يُمكن أن يصل إلى 400 جنيه، لكنه قد يكون أقل من الحد الأدنى للأجور. النشطاء في "اتحاد العمال المستقل لبريطانيا العُظمى" حاولوا إقناع أصحاب العمل بدفع أجور المعيشة.

جيسون موير لي، رئيس الاتحاد، يقول إن هذا قد يكون أمرا صعبا لأن السُعاة يتلقّون الأجر حسب التسليم وليس بالساعة. أسوأ جانب من جوانب العمل هو الانتظار غير مدفوع الأجر.

هناك أيضا مسألة كون السُعادة مُتعاقدين مُستقلّين على الرغم من العمل عادة لمصلحة شركة واحدة. البعض يُحب الحرية، التي تُمكّنهم من العمل بحرية، وجعلها مناسبة مع أوقات الوظائف الأخرى، لكن هناك آخرون لا يحبون ذلك. القوة العاملة العابرة تعني أنه مجتمع سلس إلى حد ما مفتوح للوافدين الجُدد. العاملون من أوروبا الشرقية والبرازيل هم البارزون.

يُفكّر اتحاد العمال المستقل لبريطانيا العُظمى بإثارة اعتراض قانوني على صفة "المُتعاقد المُستقل". يقول موير لي إن هذا من شأنه تأهيل العاملين للحصول على عطل وإجازات مرضية مدفوعة الأجر. "الإجازة المرضية مدفوعة الأجر هي قضية كبيرة نظرا لطبيعة الوظيفة الخطرة".

مسألة التصنيف تُصبح شائكة بشكل خاص للعاملين في ما يُسمّى "اقتصاد الوظائف المُستقلّة". هذا العام، سوف تُقرّر المحاكم ما إذا كان ينبغي معاملة سائقي شركة أوبر، كأنهم موظفون بدوام كامل بدلا من متعاقدين.

في حين أن هناك صندوق الطوارئ للسُعاة في لندن، الذي يوفّر الدعم والمساعدة المالية لسُعاة الدراجات الهوائية الذين يعانون من إصابة أثناء العمل، إلا أن موير لي يعتقد أن أصحاب العمل يستفيدون على حساب سُعاة الدراجات الهوائية. كما يستشهد أيضا بزيادة استخدام المراقبة، حيث بإمكان المراقبين تعقّب موقع الساعي باستخدام نظام تحديد المواقع.

ويقول: "الشركات لا يُمكن أن تستفيد بكلا الحالتين. من ناحية هناك المراقبة الشديدة لكن لا يوحد حقوق للموظفين. إنه نفاق". ويعتقد سايارار أن تكنولوجيا نظام تحديد المواقع قد زادت من الضغط. "إنه تطوّر غير صحي في الصناعة".

سألت إحدى الساعيات ما إذا كانت ستكون أفضل حالا لو تركت العمل: تقول إنها تستثمر الكثير فوق الحد في الوظيفة، ولذلك لا تستطيع أن تتركها. "أنا بارعة جدا فيها. إذا لم تكُن أنت من يتم استغلالك، هناك شخص آخر سيتعرض للاستغلال. والأمور لا تتحسّن من خلال الاستقالة. ينبغي علينا أن نجعل الأمور أفضل".

هناك أيضا التمييز على أساس الجنس، كما تقول، في صناعة يُهيمن عليها الرجال. "إنه نادي الرجال - ويشعرون بالغضب إذا لم تبتسم لهم. أحيانا أصطدم مع السُعاة، والموظفين في أجزاء المبنى الخاصة للتحميل، وغرف الأمن وغرف البريد والسائقين". الطريقة التي تواجه بها الأمر هي من خلال التصدّي لذلك".

مع ذلك، تجد تشابل أن السُعاة شاملون. المشكلة الأكبر هي السائقون. في النهاية هم من جعلها تتوقف عن عملها كساعية. "الغضب والعدائية على الطريق، جعلني أكبح الرغبة في الذهاب إلى العمل".

2016-01-24