الأحد 2/2/1442 هـ الموافق 20/09/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
إلى أين ينحرفون بالفن؟!...عبد الهادي شلا

 مسيرة الفن التشكيلي طويلة متشعبة ومعقدة لا تقيم وزناً لمن يحط من قيمتها وقدرتها على تلبية حاجة الإنسان للجمال وصور الحياة بكل حالاتها.   

 

جولة قصيرة في مكانين مختلفين جعلتني أقف أمام نفسي ساعات، أسترجع ما رأيته في هذين المكانين من لوحات، وأسألها: هل نحن، الفنانين التشكيليين، كنا ومازلنا على خطأ إن تبنَّينا قضية إنسانية تفتحت على أصدائها آذاننا وعلى صورها القاسية عيوننا وتجرعنا حموضة ومرارة طفولتنا التي جاءت مع تفجرها؟!
 إنها قضية فلسطين ونكبة شعبها باغتصاب أرضه جهاراً نهاراً وسط عالم لا يحرك ساكناً إلا حين تمس النار طرف ثوبه أو تقترب من مصالحه! 
وقفت طويلاً أمام لوحات لعدة فنانين بثقافات مختلفة في قاعة عرض هي أحد المكانين اللذين أشرت إليهما، فما وجدت "قضية" ولا جمالاً يمس الروح في أي عمل، بل ألواناً وخطوطاً لا تنتمي إلى أي مدرسة فنية من المدارس الحديثة التي جاءت في مطلع القرن العشرين المنصرم نتيجة بحوث وتواصل بين كل أنواع الثقافة التي غزت العصر من كل اتجاه، واستنبط منها مناهج فنية وفكرية وصلتنا سالمة لنستقي منها ونبني عليها قيماً جديدة.    
رأيت لوحات صنعتها "الصـُدفة" بلا أي سيطرة للفنان على أي جزئية فيها، مما جعل المتلقي في حيرة لا يعرف من أين يبدأ وإلى أين سينتهي!      
 هل خبرتي الطويلة التي فاقت الخمسين عاما في عالم الفن التشكيلي عاجزة عن أن تجد مدخلاً إلى أي لوحة مما أشاهد؟! أم أنني ورغم معرفتي وممارستي ومتابعاتي لم أصل إلى مستوى ما أرى؟           
أبداً، لم أجد عجزاً في بصري ولا بصيرتي، وبإنصاف بدأت قراءة الأعمال المعروضة، فما وجدت غير ما وصفته سالفا، لوحات بلا معنى وبلا هدف وبلا قضية من قضايا العصر الكثيرة والمعقدة التي يعيشها الإنسان بين حروب وجوع واضطهاد وغيرها من المآسي، ولا حتى قضية فنية، بل هي أقرب ما توصف بأنها مشاعر متناقضة ومتضاربة في نفس مريضة.      
خلت الأعمال من القيم العالية، فجاءت ضعيفة ومفتتة دون إدراك الفنانين أنهم يفرضون شكلاً هداماً في الفن الرفيع ويوصدون الأبواب أمام كل من يحاول أن يجد فسحة من الجمال الروحي والفكري بما يرون أنه فن، وهنا يكمن الخطر من تلك البدع والشطحات غير المحسوبة!        
 تذكرت بعض الناشئين الذين التقيتهم كثيراً وكانت شروحات أعمالهم بكلمة خطيرة جداً وهي "هكذا أريد!"... هذه الكلمات ليس مكانها الإبداع على الإطلاق؛ فالإبداع يجب أن يكون ممنهجاً وعن وعي كامل لمشروع فني.       
 إذن نحن مقبلون على "موت" حقيقي للتعبير عن صور الحياة التي خلدها الفنانون عبر الزمن وبأيدٍ عابثة لا تدرك أبسط القيم الفنية التي يجب توفرها في أي عمل حتى يحمل صفة الفن الرفيع. 
 ندافع عن سنوات عمرنا التي قضيناها في التعبير عن صور الحياة وحالاتها بمآسيها وأفراحها، وهذا حق لنا أن نحفظ للإنسان حقه في الرفض وفي التأييد وفي الحرية والبحث عن القيم الجميلة، ونكشف الساقط من الأعمال الفنية.           
 أجمع علماء الجمال والنقاد على أن الفن هو صورة الحياة مهما اختلفت طرق التعبير عنها، ولكن ضمن شروط العمل الفني التي إذا نقص أحدها اختل ميزانه وضعفت قيمته.  وهنا نتوقف قليلاً لنوجه لفتة محبة إلى الفنانين الشباب بأن يكونوا على علم ودراية بكل جزئية في أعمالهم، وهذا لا يتوفر بدون المتابعة والقراءة في شتى علوم المعرفة، وأن تكون قضاياهم الإنسانية والفنية أيضاً في أول اهتماماتهم، فقضايا الإنسان ليست قاصرة على الإنسان العربي فقط.         
 المأساة هي المأساة أينما كانت، والجمال هو الجمال أينما وُجد.      

 

 

2016-02-06