الأحد 2/2/1442 هـ الموافق 20/09/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
ما بعد الرئيس لن يكون هناك إقتتال !...م. زهير الشاعر

 

لا شك بأن ما كتبه بالأمس بيني آفني في صحيفة "نيويورك بوست" حول التساؤل الذي يطرح نفسه بقوة في هذه الأيام وهو ماذا لو نشبت معركة قصر شكسبيرية على خلافة الزعيم الفلسطيني محمود عباس، ولم يكن هناك أحد ليقوم بتوثيقها؟، هو سؤال مشروع  ومن الطبيعي أن تتباحث فيه أجهزة مخابرات دولية ، خاصة أن منصب رئيس الشعب الفلسطيني ليس منصباً عابراً  بالنسبة للإستقرار في المنطقة ، لذلك يأخذ الكثير من الأهمية في البحث والتساؤل، ولكن في تقديري أن هناك مبالغات في تحليل الأمر حيث أنه من الصعب بناء تصورات سوداوية في حال غياب الرئيس محمود عباس إعتماداً في ذلك على تاريخ الإقتتال الفلسطيني في الشتات وخاصة في المخيمات اللبنانية وغيرها من الساحات الأخرى ، لأنه ببساطة،  الساحة داخل فلسطين  المحتلة مختلفة في الظروف والعادات والتقاليد والقدرة على التدخل لحل الخلافات والسيطرة عليها عما سواها من ساحات أخرى تحت سيطرة حكومات ودول أخرى!.                                                        

ففي لبنان مثلاً كانت الدولة اللبنانية ضعيفة وكل فريق يعمل لنفسه دولة داخل الدولة فكانت الصراعات بينهما شرسة لحساب أجندات خارجية ، ولكن عندما أصبح هناك دولة تسيطر على الوضع تغير المشهد واصبح هناك قدرة على التدخل في اللحظة المناسبة سريعاً لنزع فتيل أي صراعات وإحتوائها قبل أن تتوسع رقعتها. لذلك في فلسطين المحتلة لن يكون هناك إقتتال وإن حصل لا سمح الله كما يظن أو يتمنى البعض فإن رقعته لن تتوسع وسيكون صراعاً منبوذاً لأن الحالة الوطنية والعشائرية القائمة في فلسطين لا زال لها ثقل وحسبان يؤخذ بعين الإعتبار،  فيكون لدى كل كبير عائلة القدرة على التدخل والإحتواء ، هذا عوضاً عن أن معظم كبار العائلات الفلسطينية أصبحوا أكثر وعياً ونضجاً، ولن يسمحوا بأي إنزلاق في مستنقع أي تصادم داخلي بعد التجربة المريرة التي لا زال شعبنا يدفع ثمنها نتيجة الإنقسام البغيض الذي نجم عن لحظات مجنونة كان القرار فيها لفصائل متناحرة أدركت هي الأخرى أنها خاسرة وأن الصراع لن يحميها بل سينهيها ، لذلك لا أجد أي صراع في الأفق بعد الغياب.                                                                                        

أيضاً لا يمكن إغفال أن أبناء الشعب الفلسطيني الغيورين على وطنهم هم الغالبية من المثقفين والأكاديمين ورجال الأعمال والشباب الواعي الذين لا يمكنهم القبول بفكرة سقوط الوطن في وحل الصراعات والإنقسامات والإقتتال مرة أخرى لأن الجميع ينتظر مرحلة البناء ليروا مستقبلاُ لأطفالهم زاخراً بالأمن والأمان والسلام.                                                                                                                

أيضا لا يمكن تجاهل إرتقاء المرأة الفلسطينية في نظرتها إلى ضرورة المشاركة في بناء الوطن، فأصبحت مقبلة على فهم الواقع وتحدياته وأن بناء الأوطان يحتاج إلى إلتقاء وليس قتال أو صراع وضرورة المحافظة على مكوناته يحتاج إلى فهم ولغة حوار ، وهذه المرأة هي الأم والزوجة والأخت والإبنة جميعهم أعمدة لوطن يحلمون به ويعلمون بأنه لابد أن يحافظوا عليه مهما كان الثمن.                                                

صحيح أنه لربما أن الظروف صعبة لأن الطريق التي سلكها الرئيس الفلسطيني في فلسفته الوطنية وعرة ولا يستطيع الجميع تفهمها ، حيث شابها أخطاء قاتلة عندما أدخلت ثقافة الخصومة الفاجرة والإقصاء حتى درجة الحقد فلم يكن هناك تصرفاً حليماً ، بل تركت الأمور بلا ضوابط وأصبح الجميع يرى في كل شئ ومن أي شئ حالة خصومة معه، لذلك أصبح الجميع في حالة صراع  ويعيشون حالة إستثنائية مع الذات، ولكن مع ذلك لم يفقدوا الأمل بعد، لأن الجميع باتوا يدركون  بأنه في النهاية  لن يصح إلا الصحيح ، لأنه من الطبيعي أن أسلوب المغالاة في الخصومة لا يجلب حالة إستقرار ولا يأمن غدر الزمن ولا يؤمن منصب أو مال إلى مالا نهاية،  ولكن الوطن بوحدته قادر على أن يحمي الجميع ، حيث أنه بات واضحاً،  أن من خاصمهم  الرئيس عباس بناءاً على ظنٍ منه أنهم خطر عليه وبأنه بذلك سيقضي عليهم أو يضعفهم أصبحوا أنفسهم اليوم  هم الأقوياء ولم ينتهوا!!،  بل أصبحوا عناوين فاعلة ومؤثرة تنتظر دورها ومتوافقة فيما بينها الأن أكثر من قبل حول أن الوطن هو المظلة التي تؤمن للجميع البقاء والإستمرار وأن الشعب هو حاضنتها ومن يخرج عن ذلك لن يكون له مكان!.                                                                                                       

نعم إتفق الجميع بأنه حان الوقت للإنتقال لمرحلة البناء بدون إقصاء لأحد أو أي إنتقام من أحد لكي يكون هناك أمل لشعبٍ طال إنتظاره للحياة الأمنة والمستقرة  لكي يشق الجميع الطريق نحو الحرية  والإستقلال لوطن فيه شعب محب للسلام ولا خيار أخر عنده في أهدافه غير السلام طالما أنه حصل على حقوقه العادلة التي كفلها له القانون والشرائع الدولية.                                                                                     

كما أن الوضع الإقليمي والدولي لن يسمح بأي إقتتال في الوطن لأن ذلك لا يصب في المصلحة الإقليمية التي ستتأثر حتماً باي إختلال في هذا المفهوم ، لذلك لن يكون هناك إقتتال بين أبناء شعب جل أبنائه هم من المحبين للحياة والسلام، بل سيكون هناك وحدة وحالة بناء وإنطلاق للمستقبل من أجل وطن يحبونه ويحبهم ، ضحوا من أجله وتحمل الكثير من أجلهم ، وطن يستحق منهم أن يكونوا كبار ، كبار في المسؤولية، وكبار في الوطن، وكبار في تلاشي اي خلاف قد يؤدي إلى الإقتتال، وكبار في الإدراك لضرورة أن يحتكم الجميع إلى صناديق الإقتراع لتداول السلطة بدل من أن يضيع الوطن ويضيعوا هم!!! ،وليكن مطمئناُ بيني افني وغيره من الباحثين في الحالة الفلسطينية بأنه لن يكون هناك بعد الرئيس إقتتال!!!. 

  [email protected]

كاتب ومحلل سياسي

من فلسطين.

2016-02-06