الأحد 2/2/1442 هـ الموافق 20/09/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
صابر حجازي يحاور الاديب والاعلامي السوري نوزاد جعدان

استكمالا لما قمت به من قبل من حوارات ولقاءات أدبية  مع نخبة من أدباءالوطن العربي، يسعدني أن يكون الحوار مع الاديب الاعلامي السوري الاستاذ(( نوزاد جعدان)) هو رقم - 7- من  الجزء الثاني من مجموع اللقاءات مع أدباء ومفكري الوطن العربي… والذي اتمنى أن يكون بداية لسلسلة من الحوارات المتصلة في مختلف  المجالات الأدبية والفكرية التي حظيت باسهامات لهؤلاء المبدعين
في ما يلي نص الحوار.

س :- كيف تقدم نفسك للقراء؟
طفل ما زال يتهجى القادم وفي يده ساعة قديمة ينظر إليها كلما يقطع عدة بلاطات، وعند أول ظل يبحث عن وجه أمه إن كانت تراقبه أم لا خشية أن يسقط على وجهه، يكره الطوابير الطويلة لذا تراه يقفز كثيرا كي يحصل على خبزه وحين ينال منه، يصفّه على الرصيف كي يبرد ولأنه ينسى بسرعة بقصد أو بدونه؛ يترك خبزه للعصافير الجائعة ويذهب ليجمع الذباب في سماء المدينة ..

س :- إنتاجك الادبي : نبذة عن ؟
عندي خمسة إصدارات مطبوعة؛ ثلاث مجموعات شعرية، حائطيات طالب المقعد الأخير دار  فضاءات الأردن وقد اتخذت عنوان طالب المقعد الأخير لأنه الطالب الذي يبقى حيّا في ذاكرة الطلبة بتجريبه وعبثتيه وكتابته على جدران الصف،  على عكس طالب المقعد الأول الذي يبقى في ذاكرة الأساتذة فقط ،و سعيد جدا دار نينوى سورية عنوان اقترحه علي احد الاصدقاء بناء على قصيدة بنفس العنوان موجودة في الديوان كما أنه عنوان صادم للمرحلة الراهنة ، أغاني بائع المظلات دار الفرقد سورية عنوان لشخصية بسيطة ترمز للسلام والمحبة في ظل كل هذا المطر المجنون المحيط بنا، ومجموعة  قصصية خزانة ترابية من إصدارات دار الياسمين أيضا رمز للجسد الإنساني بصفته سقط متاع للخطايا ، وكتاب عن السينما الهندية بعنوان رواد السينما الهندية يتحدث عن شخصيات مؤثرة في تاريخ السينما الهندية، طبعا أنا بدأت الكتابة عام 2000 تقريبا بمقالات عن السينما الهندية كوني أحب الاغاني الهندية، وكنت شغوفا بأفلامها القديمة، هذا الحب نما عندي حتى تطور  من المشاهدة إلى المشاركة فأصبحت أكتب عنها وعن أساطيرها، وخاصة أن أغانيها والقيم التي ينادون بها تشبه إلى حد كبير ثقافتنا الكردية، إضافة إلى العديد من الكتب والدواوين المشتركة..
حاليا عندي قيد الطبع، ديوان شعري بعنوان كثيرا ما أمشي في الحافلة، ورواية مترجمة عن البنغالية بعنوان ديفداس للروائي سارات تشاندرا ترجمتها مع الشاعرة العراقية سميرة سلمان، وعندي مختارات من الشعر العالمي نصوص مترجمة من الأدب الكردي والتركي والهندي والباكستاني والبلوشي والإنجليزي والأذربيجاني، إضافة إلى مسرحيتين والجزء الثاني من رواد السينما الهندية. 

س :- ممكن ان تقدم لنا نموذج من كتاباتك ؟
 نعم ..هذا النص :-

    رسائل إلى أمي
...........................

    أمي
    قلتُ لكِ سأجمع حطبَ الغابة وأعود

    لم يقل أبي إن لم يكن فأسكَ قوياً
    ارجعْ قبل أن يحل الغروب
    الغابة يا أمي
    فيها الكثير من الثمار الجافة وآلاف الديدان
    فيها الأرانب البيضاء الميتة وقطعان الذئاب
    كانت كلاب قريتنا فخمة تفهم لغة الحجارة
    وإن أخطأ شخص الطريق تكون الدليل
    مضت خمسة أعوام وجراح اللوز لا يزيدها إلا الملح
    في الغابة لا يخاف علي أحد من السيارات
    حين أتجاوز الطريق
    وفي الصباح لا أشرب الحليب
    مثل عروس تستحم بحجر الخفان
    يهطل الليل في الغابة
    وأنا أنام على وسائد الريش مع ذلك لا تطير أحلامي
    في الغابة
    كراسي مدماة بالمسامير
    من أينَ جاءت كل تلك السفن
    حتى مل الليل من أحلامنا سريعاً؟ . .
    أبي
    أنا لا أعودُ بلا حطب
    أنا لا أعود
    لا أعود
    لذا أرسلُ لكم كل مرة عظمة متفحمة من جسدي
    2
    أمّي
    مزّقي صوري القديمة
    لم يعدْ أنا من كان فيها
    خمسة أعوام كفيلة بولادة جديدة
    وكل الأصدقاء الذين رحلوا احذفي أرقام هواتفهم
    خمسة أعوام كفيلة للينابيع كي تتغير
    إن لم يمر عليها الغمام
    المرأة التي تمد الفيء حصيرةً
    تجمع صحون الشمس
    قالتْ لي أنتَ الذي تحزنك أغنية
    أصبحتَ تبيع الذباب
    وتنسى أن تضع الخبز على الرصيف
    تجوعُ الطيور
    هادئ حزنكَ كإبرة وقعت على وسادة منسية
    أمّي
    يا أولَ سوار لف معصمي
    وآخر محل مجوهرات استوقفني
    لا تفتحي الباب الآن لمن لا يدقّ جرس الباب
    لمن يخبط بيديه وقدميه
    قال لي عامل المصبغة
    إن القرية أصبحت فارغة جداً
    والحقول التي نزرعها
    لا تمرّ عليها حتى الطيور الشريرة
    لم نعد نصنع الفزّاعات
    وحين يصبح القمر نحيلاً جداً
    نشعلُ مصابيح البيت
    أمّي الضيوف هنا
    الضيوف
    ما أكثرهم
    ولكن البراد فارغ دوماً لذا لا نفتح الباب
    أمي
    مزقي صوري القديمة
    واحتفظي بصورة جديدة سأرسلها لك قريباً
    قريباً جداً
    عند أول مصور يصورني مجاناً

    3
    لابدّ أن نطلي البيت مرّة أخرى
    مهما اشتدت المسامير في خاصرة الجدار
    لابد أن نعلق صوراً جديدة
    هي هكذا
    وتلك الساعة المتوقفة
    سنغير بطاريتها أيها الزمن
    لماذا لا نضحك بلون جديد
    إذا ما دهنا البيت بالأخضر؟
    وكل بيوت العنكبوت القديمة
    سنزيلها بخرقة بالية
    ونقول لكل هذا البلاء
    سيأتي يوم
    ويقرع بابنا ساعي البريد
    سيعود
    ويحمل صناديق الهدايا المنسية
    غنّوا معي
    كأي عاشق بشع
    تولّه بحسناء
    يغني ويغني
    ويعلم أنها مع الغريب
    تذهب ولا تذهب من ذاكرته
    غنّوا معي
    كأي طفلة سمّت دميتها
    ونسيتْ اسم أبيها
    مزّقوا النوتات الموسيقية
    والطبول
    وكل آلات الموسيقى
    هكذا
    غنّوا
    كما كانت أمي تغني
    وهي تكنّس البيت
    تنظف كل الأوساخ التي جلبناها من شوارع هذا العالم

    4
    كنتُ أعرف أن القطار سيعود إلى محطته
    وأن صناديق الفاكهة التي حملناها إلى المدن البعيدة لن تعود إلا بالصراخ
    في البيت الذي شمّرت فيه الريح عن سواعدها
    ولكن ما لا أعرفه أن تبقى القرية خالية عندما تمر الحصادات
    وأن يبقى بائع المزادات وحيداً يبيع أجهزة الاستقبال في مدينة لا كهرباء فيها
    كان علي يا أبي أن استوعب دخان القطارات
    و أن القرى الكبيرة تنفجر حين تأكل الخبز الحاف كل يوم
    ما لا أستوعبه أن أمي حين كانت تنقي العدس من القش
    كانت تحرق في أغانيها كل أسباب الحزن
    كل يوم يلتصق وجهي بالنافذة تدنو مني سحابة بيضاء
    كوشاح صلاة أمي
    لم أصطد الفراشات يا أمي أذكر الذباب كثيراً والوحل
    وذلك اللحاف الي كنتِ تغطيني به وأنا صغير
    أنفخ على البلور وانتظر المطر
    السفر وحيداً
    حزين أنا يا أمي
    حتى لو وزعوا علي في رحلتي عصير برتقال و جرائد مجانية
    أنا أسعل كثيراً هذه الأيام وأزعج الجيران .

س :- كيف تصور لنا المشهد الأدبي بشكل عام في الإمارات العربية المتحدة حيث تعيش حضرتك  الان ؟
بداية لو تحدثت عن  الشارقة اعتبرها إمارة لا تنطفئ عنها الأضواء ولا تسدل عليها الستارة، الفعاليات الثقافية على مدار السنة، ولكن ما زال المستوى المقدم على صعيد الأفراد لا يرقى إلى المستوى المقدم من الحكومة والمنح التي تقدمها.
هناك شعراء وكتّاب ونتاج عالٍ لكنه على مستوى الكم ما زال يعوزه النقد والتقويم، هنا المؤسسات الثقافية بالإمارات بشكل عام قائمة بالاعتماد على شخصيات محددة ونسيان شريحة واسعة من الأدباء الذين يستطيعون تقديم نتاج أعلى من هذه الفئة التي تم استنزافها، وهذه الفئة التي تحتكر المؤسسات تسير بطريقة روتينية لذا تجد تفتقر إلى الإبداع المنشود.

س :- هل الكتابة الادبية والانفتاح على العالم من خلال الشبكة العنكبوتية -  تسبب  صعوبات اوإشكاليات في المجتمع العربي الان ؟
أدب الأنترنت  كخيمة الغجر، أصبحت النصوص مجرد ترقيع أوكولاج سخيف لا ترقى لمستوى القصيدة، أصبح شغل العالم الشاغل النصوص القصيرة جدا والهايكو كونها تجمع إعجابات أكثر، المشكلة أن شعراء النثر أصبحوا لا يكتبون سوى نصوص تتألف من سطر أو سطرين وكأن قصيدة النثر  لا بد لها أن تكون قصيرة ومن المحال أن تكون عدة صفحات تنصهر فيها الصور الشعرية الفرعية بالصورة الأساسية كبناء متكامل ، أما شعراء الهايكو فلا طعم لهم ولا لون، هم كالفتاوى البلهاء التي تصدرها المنظمات الإسلامية المتطرفة، الهايكو بناء مختلف وله قواعده وأساسيته ليس اعتباطيا هكذا، انبثق عبر سلسلة طويلة من المخاض للشعراء النساك في اليابان..
اختلط الطالح بالصالح والمتلقي أصبح يعيش حالة من التخبط، شأنه شان السمكة التي خرجت من مياه البحر التي تعودت عليها؛ تتخبط كثيرا فإما أن تنضم إلى حوض الزنية في إحدى الغرف المغلقة أو تعود إلى الأصل؛ مياه البحر، أو تتخبط طويلا؛  بالعزوف عن النصوص الحديثة نهائيا..

س :- بصفة ان حضرتك تمارس العمل الاعلامي - هل الاعلام يعطي المبدع حقه بتسليط الاضواء علية والاخذ بيدة حتي يظهر للجمهور؟
طبعا الكاتب بشكل عام يحتاج إلى الإعلام كثيرا وتسليط الضوء على نتاجه ، عملنا الإبداعي لوحده لا يوصلنا إلى الجمهور نحن نحتاج هذه الأداة شئنا أم أبينا، القارئ الآن فقد قابلية الاكتشاف والبحث، تماما كمطاعم التوصيل المجاني، هذا ضريبة العصر الحالي، لذا تجده يبحث في وسائل الإعلام عن الأسماء التي  روّجت لها إعلاميا والأمثلة كثيرة..
مشكلة الإعلام في الوطن العربي قائم على إعلام أسماء وليس إعلام نتاج ، كلاشيهيات ثابتة وأسماء جاهزة..
وللأسف النقد أيضا فقد قدرته على الاكتشاف، أصبحت الأسماء المسلط عليها الضوء مرارا وتكرارا يتلمظها القارئ وكأنك تشعل شمعة في غرفة منارة بألف ضوء، مثلا  الكتب والدراسات التي تناولت شعر محمود درويش وقباني والماغوط تتجاوز المئات إن لم نقل الآلاف، بالمقابل ربما هناك دراسات يتيمة عن شعر الشاعر الفلسطيني راشد حسين، بلند الحيدري،  سنية الصالح، رياض الصالح الحسين ...الخ.....


س :- هل ترى في السنوات القادمة بوادر نهضة شعرية ونقدية عربية حقيقية؟
على صعيد الشعر هناك الكثير من الأسماء المهمة حاليا على الساحة، ولكن ينقصها في المقابل أسماء نقدية تقوم بتقويم نتاجهم وتقييم المرحلة، للأسف لافتقار النقد وعد قيامه بدوره الجوهري تجد القصيدة العمودية للشعراء الجدد ما هي إلا توزيع نشاز لشعراء قدامى (المعري – المتنبي – قباني )..أما شعراء التفعيلة فلم يستطيعوا الخروج من عباءة درويش وأمل دنقل والسياب .. وليس الحال أحسن عند شعراء النثر معظمهم يتلقط ما تيسر له من  الماغوط  أو رياض الحسين.

س :- من سيقود في المرحلة المقبلة الثقافي أم السياسي-  وما علاقة الثقافة بالسياسة ؟
الأمر مرتبط وشائك جدا، فالثقافة إذا انفصلت عن السياسة ستكون ثقافة مغتربة عن الواقع، والسياسة لا بد لها من المعرفة القوة الجاذبة لها والتي تسيطر من خلالها الدول على العالم، حاليا نحن نعيش في أكبر أزمة مرّت على الشرق، سيخرج جيل مشوّه وأعمال مشوّهة كنتيجة موضوعية للواقع الحالي، ولكن بالمقابل سيخرج القليل الناضج جدا أدبيا يزيح هذا المشوّه ليترخ لهذه المرحلة .
 
س :- هل هناك إسقاطات للتحولات الاجتماعية والسياسية في أعمالك الأدبية الحالية ..بمعنى آخر هل ترى شعرك يعبر عن الواقع ؟
أنا أقتات من الجمال والبشاعة هذا الثنائي الحدي ولكنه أمر واقع، لذا تجد الاثنين يدفعاني للكتابة وتحويل هذا المزيج إلى مادة تروق للقارئ وتحرك مشاعره..

تراني أكتب على جدران المدينة في الشوارع وفواتير المطاعم الرخيصة أو على ثياب الممرضين البيضاء، الشعر الذي لا يعبر عن نبض الشارع هو شعر مغترب طبقي مخصص لفئة محددة فقط من الجمهور، مسالة التقييم أتركها للمتلقي هو من يراها إن كانت تعبر أم لا.


س :- لكل مبدع محطات تأثر وأب روحي قد يترك بصماته واضحة خلال مراحل الإبداع، فما هي أبرز محطات التأثر لديك، وهل هناك أب روحي ؟.

تتسكع الذاكرة بنا دائما في أروقة أول كتاب قرأناه، يبقى عالقا في الذهن مهما بلغ منا العمر، ونظل نذكره ونتذكر كل تفاصيل هذا الباب الأول الذي طرقناه في هذه العمارة الممتدة بنا بغض النظر عن قيمة الكتاب أو أهميته التي نكتشفها بعد أن تصطف الكثير من الكتب في حافلة عمرنا، أذكر أن أول رواية طالعتها كنتُ في الابتدائية أفلح أرض جدّي وكنتُ حينها مزارعا بامتياز يبحث عن أي كتاب كي يقرأه؛ شدّتني مرتفعات إميلي برونتي روايتها تلك وهي ترسم بحرفية مشاهد المنطقة الصخرية والمتحجرة القلب، كنتُ أفلح خطوط الأرض وأنا أتأمل صباحات قريتي ومشاهد الحزن في الرواية تجلس على قلبي، كما كانت جدّتي تجلس تحت ظل شجرة زيتون وفي قلبها قهر كبير، تنتظر ساعاتها الأخيرة وأنا أتأملها كي تغفو ربما أسرق منها حبّات تين مجففة من بقجتها الزرقاء المنقطة بالأبيض؛ كنت وغدا ريفيا صغيرا وكانت جدّتي تشبه تلك الشخصيات المصابة بالسل في مرتفعات برونتي، هذه الرواية دفعتني لكتابة أول قصة قصيرة...
أعتقد قضية الأب الروحي هي قضية جدلية ونسبية تختلف بتفاوت مراحل العمر، لكل مرحلة أبطالها وعرابوها حسب مراحل نضجك الأدبي.
س :- هل هناك حركة نقدية جدية الان علي الساحة العربية   ؟
النقد شبه معدوم في الوطن العربي، ومعظم القائمين على الكتابات النقدية حاليا نقاد شبه منحرفين، لأنهم إما يكتبون في سبيل الحصول على جائزة لأن حقل النقد يحظى بأقل عدد من المشاركات، أو تراهم مغتربين يطبّلون لشعراء البلد الذي يعيشون فيه كي يكسبوا رزقهم، وطبعا بهذا الشكل لا يعتبرون نقاد ونرجع إلى نقطة البداية شبه معدوم..
نحتاج إلى كليات تخصصها المحض نقد كي نرتقي بالمشهد الأدبي ..
س :- ما الرسالة التي يجب علي الأدباء تقديمها للمجتمع في الوقت الراهن ؟
هو مدعو لذلك  بناء على طبيعة وجوده المادي، والمسؤولية المترتبة على كلمته،   يجب أن تكون رسالته كفاحا يناضل به ضد أي شكل من أشكال التخلف والاستعمار، رسالة تحملها حمائم السلام لا غربان تكسو السماء بالسواد، عليه أن يزيد الإحساس بالمسؤولية الاجتماعية ويروي كل أراضي الإحساس والوجدان عندنا كي تبقى خصيبة، هو مسؤول أمام كلمته في شتى الميادين، وأهم رسالة يجب أن يقدمها الأديب حاليا نقل الحقيقة بجمالية  حتى لو بطريقة مؤلمة ولكن أن يمارس ضغطه على القارئ ويحمله تبعات اجتماعية أخرى..
س :- ماهي  القصيدة - او القصائد - التي كتبتها وكذلك في مجال القصة وتركت اثر كبير لدي القراء؟
الأعمال الوجدانية أراها تروق للقارئ أكثر، النصوص الشعرية على سبيل المثال رسائل إلى أمي، أما القصة القصيرة فخزانة ترابية وقصة شاحنة المجرمين..
ولكن دعني اقدم تلك القصة القصيرة في هذا اللقاء :-
    هزيمة الضوء
.....................

 يوما بعد كل يوم، مختلفا ومضطربا، وأنا أقود سيارتي وسط هذه الصحراء، كانت الأسئلة تشدني والأفكار تراود خاطري بطريقة جنونية، أحاول أن أصنع وشائج بينها، ولكن كل شيء يبدو ضوءا منهزما تحت ظل شجرة؛ حين يرتبط الأمر بالدين بالفلسفة.

    فكرتُ كثيرا. من هي التي تغادر، الروح أم النفس، أثناء الموت والنوم؟ فالروح نُفخت من روح الله ومحال أن تموت بذلك، والنفس ذُكرت في الكتب السماوية أكثر من مرة وهي التي تغادر كما ذكر في القرآن الكريم.

    وإن كان الجسم عربة والروح مولدة العربة، فالنفس إذاً هي سائقها، وتتوقف الحياة بتوقف السائق. ولكن في الحلم هل تأخذ النفس استراحة كأي سائق ثم تعود من جديد لمتابعة طريقها، يتبضع في الطريق، أو يذهب إلى الحمامات العمومية، كما أفعل في طريقي الآن وأنا ذاهب لزيارة بيت جدي، أو تتوقف الرحلة بحادث يموت فيه السائق؟

    ولكن الأحلام ما هي إلا ثمار جذور الماضي وهي نتاج انفعالاتنا وتصوراتنا وكبتنا، وهي بذلك تكون نتيجة موضوعية للنفس، بأنواعها الإمارة بالسوء، واللوامة، إلى آخره، أن ترحل يوم تأزف الساعة.

    بدأت أفقد تركيزي وأنا أقود السيارة بكل هذه المسائل التي تشغل بالي، إذ بدت الرحلة طويلة، حتى إني لم أنتبه إلى مؤشر الوقود، توقفت سيارتي ونزلتُ منها ألعنُ حظي، كان الطقس حارا ومغبرا جدا، صحراء قاحلة حولي لا أثر لشيء يتحرك، كل ما هنا ساكن جدا.

    تتبعثر الأفكار في خاطري كحبيبات الرمل التي تحيط بي. لماذا سلكت هذا الطريق ولم أسلك الطريق المعتاد الذي أسلكه مثل كل مرة؟ وقفتُ أتضرع لله بالنجاة وأصلي حتى بدون وضوء أو تيمم. ولسوء الحظ لا تغطية في هاتفي المتحرك، وقد نفذ الماء أيضا من قنينة مائي، ولا غيمة تعصر منديلها على جبيني المحموم، كما أن معدتي بدأت تعزف موسيقاها، ولا حيوان في هذه الصحراء أقتله وأسد جوعي بموته كي أحيا.

    مشيتُ وأنا أنتظر أي فرصة للنجاة، الصحراء كبيرة جدا ولا خيمة أنصب أوتاد الأمل عليها، تركتُ الروح والنفس وكل تلك الترهات التي كنت أفكر فيها، والشيء الوحيد الذي أفكر به هل أحافظ على وجوديتي في هذا العالم.

    تساءلت مرة: لمن كل هذا العالم الكبير؟ كان يكفيني بيت جدي وحارة وشرفة حبيبتي لأكون سعيدا في هذا العالم المضحك جدا لدرجة البكاء، في غضون هذه الساعات الحرجة ربما يبدأ الإنسان يغربل خطاياه، يتذكر كل ما فعله وتصبح الذاكرة عندها حديدا ويصبح ضميرك الشاهد الوحيد.

    بعد ساعات وقبل أن يرمي الليل جلبابه، سمعتُ صوت زمور سيارة تقترب مني، لم أصدق أذني، حسبت الصوت سرابا كما يحدث في الصحراء عادة، لم أتيقن أنها حقيقة حتى توقفتْ قربي، كانت شاحنة لنقل السجناء إلى الزنزانة التي تقع خلف قريتي.

    فرحتُ جدا عندما قال لي السجان إنه سينقلني إلى هناك، شكرته وزجني في الخلف بين المجرمين، فطمس كل السواد الذي يحيط بي بنور من سيارة لنقل المساجين، لا مشكلة عندي، كنتُ مستعدا لأي شيء فقط أن أنتهي من هذه الصحراء التي تحيط بي، كان كل شيء أصفر، أصفر جدا، وأنا أبحث عن وشيجة تعيدني إلى حياتي المعتادة.

    جلستُ قرب المساجين الذين حولي، كانت أيديهم مكبلة بالأصفاد وجاء شرطي وكبّل يدي أيضا وقدمي خشية أن أقوم بتهريبهم، طمأنني السجّانون بأنهم يفعلون ذلك في سبيل الاحتياط ريثما أصل إلى قريتي حتى يفكّوا السلاسل، فربما كنت من إحدى العصابات المتفقة مع المجرمين.

    كانت السلاسل ثقيلة، وكانت عيون السجناء منطفئة الآمال، لا بريق فيها مطلقا، يتهامسون بصوت خفيف جدا، كأنه هسيس الشفتين، سمعتُ من أحدهم أنه كان لصا وهو نادم جدا، والآخر كتب في السياسة وناضل في سبيل قضيته.

    تحدثت مع نفسي، وأنا مثلك فكرتُ في الفلسفة، كان السجناء من مختلف الألوان؛ الأسود والأبيض والأشقر والأصفر، وأنا تارة أسمع كلامهم وتارة أفكر في بيت جدي، وكيف ستستقبلني جدتي التي صبغتْ أغنامَها بالحناء، كنت صغيرا وقتها لم أكن أعلم يومها أن الخراف تتبرج أو ربما كي تغطي فروها الأشيب وأنا في آخر مكان بالجرّار، أجلس على بساط من جلد خروف وفير الوبر اشتريته من راعي قريتنا الذي كبر كرشه كثيراً كي تصلي عليه جدّتي.

    كان ذلك الراعي يتهم ذئاب قريتنا الوديعة مراراً كلما سها القمر عن إحصاء أغنام قريتنا، كنتُ أتذكر تلك الحادثة وأنا ابتسم إلى أن سعل أحد المساجين حتى ملأ المكان بالدماء.

    لم أكن أعرف عدد المساجين بالضبط. كانت الزاوية خانقة تلك التي زجوني فيها، زاوية رطبة تفوح منها رائحة التراب المبلل بمياه المجاري، وكان السجان يقود الشاحنة بسرعة جدا دون أن يفكر برؤوسنا التي ترتطم بسقف الشاحنة الضيقة.

    رائحة القيء بدأت تملأ المكان وأنا بدأت أفكر كأي سجين بوسيلة فقط أنتهي بها من هذا العذاب.

    عاد كل شيء أصفر، أصفر جدا، حولي، والدوار لا يفارقني، خبّطت على البلّور الفاصل بيننا وبين السجّانين ولكن لا أحد يرد علي، رفست الزجاج بقدمي المكبلتين فقد وصلت إلى قريتي ولم يتوقفوا لي، ولكن الزجاج لا يتأثر فهذه شاحنة نقل السجناء مصممة لهذا الغرض، حاولتُ جاهدا. صرختُ. استغثتُ. ضربت. لا أذن تلتقط ما أنادي.

    وصلنا السجن وأخرجونا واحدا تلو الأخر، عاملوني كأي سجين وأنا أبحث عن السجان الذي أنقذني، لم أجده، بحثتُ عنه كثيرا. الجميع أنكر شخصا بهذه الصفات. شرحتُ للسجانين القصة لم يصدقني أحد. وضعوني في سجن معتم جدا، أصبح حولي مرة أخرى كل شيء أصفر جدا وأنا بانتظار محاكمتي الصفراء.


س :- مشروعك المستقبلي - كيف تحلم به - وما هو الحلم الادبي الذى تصبو الي تحقيقة ؟
أتمنى أن يصل نتاجي إلى القارئ وأن يلقى استحسانه؛ وأن يشعر بأني أكتب عنه لست منفصلا عن الواقع، وأكثر شيء أخشاه حين تمر عدة أيام ولا أستطيع أن أكتب فيها، أما الحلم الأدبي الذي اتطلع إليه كثيرا وأثابر بالوصول إليه؛ أن أكتب أدبا بلغتي الكردية ..

س :- سنوات اغترابك وبعدك عن سوريا  .. هل أثرت في متابعتك لما يدور على الساحتين الأدبية والثقافية وحركة الابداع عموما هناك ؟ وكيف ترى تلك الساحة ؟

طبعا من يعاين الوضع عن كثب ليس كمراقب خارجي، للأسف معظم الكتاب والأدباء هاجروا خارج الوطن، القلة الآن موجودة وتكافح، مشكلة الوسط الأدبي كان قائما على محسوبيات وشللية شأنه شأن باقي بلداننا التي تعاني البيروقراطية والمركزية..
أنا أضع وطني في المقام الأول على مسلة إيماني، لذا عندي  دائما إيمان كبير بالكتاب و الشعراء السوريين الذين أثبتوا على مدار العصور جدارتهم وريادتهم ، كما تراهم يبرقون  كالذهب على الرغم من كل الغبار الذي يحيط بهم..
سورية ينبوع الإبداع وشعراؤها على عدد الأشجار على ضفاف أنهارها ...


س :- واخيرا  ما الكلمة التي تحب  ان تقولها في ختام هذه المقابلة ؟
أن نجد عنوانا جديدا لكل هذه المرحلة الراهنة، وتعود الكهرباء إلى كل مدن الألعاب في بلداننا التي أغلقتْ كل محلات الزينة والدمى، كما أشكرك صديقي المبدع الاديب المصري صابرحجازي ؛ لك وردة من حديقة القلب وما تبقى لشعب مصر الراقي ..

————
*
الكاتب والشاعر والقاص المصري صابر حجازي
– ينشر إنتاجه منذ عام 1983 في العديد من الجرائد والمجلاّت والمواقع العربيّة
-عضو بعدّة نوادي ثقافيّة وأشرف علي الصفحات الادبية
بالعديد من الجرائد والمجلات المصرية لسنوات طويلة.
-شارك بالعديد من الندوات والمهرجانات الادبية
كما شارك في العشرات من الأمسيّات الشعريّة و القصصيّة.
– ونظم الكثير من الأمسيّات الأدبيّة
- اذيعت قصائدة ولقاءتة في شبكة الاذاعة المصرية
- نشرت اعماله في معظم الدوريات الادبية في العالم العربي
– ترجمت بعض قصائده الي الانجليزية والفرنسية
– حصل علي العديد من الجوائز والاوسمه في الشعر والكتابة الادبية
–عمل العديد من اللقاءات وألاحاديث الصحفية ونشرت في الصحف والمواقع والمنتديات المتخصصة
الصفحه الادبية
http://ar-ar.facebook.com/SaberHegazi

 

2016-02-13