الأربعاء 27/9/1441 هـ الموافق 20/05/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
النقب اريحا وبالعكس 'ارض زنزانته جزء من وطني...'.... بقلم الأسير : امجد أبو لطيفه

مقولة حفظها عن ظهر قلب كل من دخل المعتقلات الإسرائيلية لتشكل جزءاً من عملية التثقيف الوطني الذي يحرص الأسرى على نشرها في صفوفهم لتزيد من قدرتهم على الصمود أمام قسوة السجان وكذلك ﻷجل استمرار مسيرة النضال ضد الإحتلال عن وعي بالقضية الوطنية. .. لذا تمكن المعتقلون من الصمود والاستمرار في النضال كونهم أدركوا أن كل من يناضل ضد الإحتلال يجب أن يكون مستعداً لمواجهة مصيره بشجاعة سواءً أكان باﻷسر أو الشهادة،وذلك من منطلق الإيمان المطلق والواعي بعدالة القضية وحتمية الإنتصار.

من هنا يخوض الفلسطيني معركته ﻷجل حرية وطنه وشعبه لكن حين تختلط الأمور والمفاهيم ويصبح هناك تعارض ما بين الثقافة الوطنية وسلوك القيادة السياسية على الأرض فإن حالة الإرباك هي التي ستسود. حدثني احد الأسرى في السجون الإسرائيلية كان قد تمكن من تهريب هاتف نقال ﻷجل التواصل مع أهله وأصدقائه وذويه انه تفاجأ باتصال هاتفي من أحد أصدقائه من داخل سجن أريحا لدى السلطة الفلسطينية تبين له من خلاله أن صديقه معتقل هناك... وقد ظهرت على هذا الأسير حالة من الذهول والإرباك الشديد وذهنه مشوش لدرجة لا توصف، وتساءل أنا معتقل لدى إسرائيل كوني أقاوم الإحتلال؟ ! وصديقي معتقل لدى السلطة الفلسطينية أيضاً ﻷنه قاوم الإحتلال! !! أنا هنا وهو هناك لنفس السبب.. لماذا؟؟ كيف حدث ذلك بهذه البساطة؟؟؟ دار نقاش طويل حول هذه المفارقة العجيبة ليأخذ طابعاً سياسياً أحياناً، وطابع السخرية أحياناً أخرى. البعض اعتبر ذلك نتيجةً طبيعية لما يعرف بالتنسيق الأمني القائم بين السلطة وإسرائيل والذي تقوم بموجبه السلطة بكل ما هو مطلوب منها من الناحية الأمنية ﻷجل أمن إسرائيل، من خلال الاعتقالات السياسية وتقديم المعلومات وكل ما يلزم من تعاون أمني مع إسرائيل وبالمقابل لا تقدم إسرائيل شيئاً يذكر على الأرض سوى استمرارها في عمليات القتل والتدمير والاعتقالات ومصادرة الأراضي والاستيطان وحماية المستوطنين الذين يعتدون ليل نهار على كل ما هو فلسطيني في حين تقوم السلطة بمنع او اعتقال كل من يقاوم او يفكر في مقاومة هذه الاعتداءات، لذا من الطبيعي ان يتساءل الكل عن معنى وقيمة وجدوى هذا التنسيق خاصةً وأن كل فلسطيني يعرف أن التنسيق الأمني كان قائما بين السلطة وإسرائيل بموجب إتفاق أوسلو وملحقاته الأمنية، حيث اعتبر هذا الاتفاق أن السلطة صاحبة سيادة كاملة من الناحية الأمنية والمدنية على ما كان يعرف بمناطق ( أ ) فكان الالتزام بين السلطة وإسرائيل إلتزاما متبادلا محكوم باتفاقات وعملية سياسية ستؤدي إلى قيام دولة فلسطينية، إلا ان إسرائيل وبعد ان قامت بإعادة احتلال مناطق (أ) وتدميرها لمؤسسات السلطة واغتيالها للرئيس ياسر عرفات تكون قد دمرت العملية السياسية والاتفاقات الموقعة وأصبحت غير ملتزمة بها ولا تعترف بأي سيادة فلسطينية على أي جزء من الأراضي الفلسطينية المحتلة... وهي الآن تتعامل مع السلطة بشكلها الحال كوكيل يقوم بدور وظيفي من الناحية المدنية والأمنية لصالح إسرائيل. .. وفعلاً نجحت إسرائيل في حصر دور السلطة فقط بهذا الدور الوظيفي دون إلتزام إسرائيل بأي اتفاق او أي عملية سياسية يمكن أن يؤدي لحل القضية الفلسطينية حلا عادلاً يؤدي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة. التنسيق الأمني هو من وجهة نظ كل الشعب الفلسطيني تقريبا أضر وبشكل كبير بمصالح الشعب الفلسطيني ومستقبل قضيته الوطنية وعلى كل المستويات وهو يؤدي وبشكل حتمي لإطالة عمر الإحتلال واستمراره بدون كلفة، وذلك من خلال الوضع الأمني المناسب الذي يوفره التنسيق الأمني ﻷجل استمرار المشروع الإستيطاني في الأراضي الفلسطينية المحتلة... إذا لماذا يصر البعض على استمرار هذا التنسيق الذي أصبح مقدساً من وجهة نظرهم. كان النقاش طويلاً ومتشعبا والغريب أنه وليس كما في اي نقاش لم يكن هناك اختلافات في الرأي، لم يكن هناك مؤيداً ومعارضا فلم يدافع أحد عن من يعتبرون التنسيق الأمني مقدساً، فالكل كان يتعرض لحجم الضرر الذي يوقعه هذا التنسيق بمشروعنا الوطني فأخذ هذا النقاش طابع التحليل السياسي ﻷسباب استمراره والذي جعل مصير من يقاوم الاحتلال أسيراً في سجن النقب أو في سجن أريحا في ذات الوقت. مؤكد أن من يتمسك بالتنسيق الأمني يدرك تماماً حجم الضرر الذي يقع على قضيتنا الوطنية لكنه من المؤكد أنه محكوم ﻷسباب واعتبارات لخصها النقاش أن هؤلاء أصبح بقاؤهم في مواقعهم يتطلب قيامهم بالحفاظ على الوضع الحالي، مما يعني استمرار الاحتلال وبدون مقاومة. .. خاصةً وأن الكل يلاحظ حجم الارتباط المصلحي لهؤلاء والذي يظهر بشكل واضح من خلال إصرارهم على محاربة أي إمكانية لتطوير حالة المقاومة وملاحقتهم بحجة حماية السلطة والتي هي في الواقع مصالحم الاقتصادية فقط... وكذلك محاولتهم الربط بين المقاومة ومعضلة الفلتان الأمني والذي يظهر من خلال سلوك منهجي يهدف لتشويه مفهوم المقاومة في ذهن الشعب الفلسطيني. .. فهم يقدمون أنفسهم دائماً للعالم والاحتلال من خلال تمسكهم والتزامهم المطلق بالتنسيق الأمني وكذلك الرفض المطلق ﻷي شكل من أشكال المقاومة ووصفها بالعنف أو الإرهاب، بمعنى آخر الالتزام بالحفاظ على أمن إسرائيل بغض النظر عن المصالح والحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني. "أرض زنزانتي هي جزء من وطني" سواء كنا في النقب أم في أريحا تتعدد الأسماء والمكان واحد والهدف واحد، هكذا تلخصت المكالمة بين الصديقين بين النقب وأريحا... نحن ضحايا التنسيق الأمني الذي أصبح سلاحاً قاتلاً موجهاً ضد المقاومة الفلسطينية ومشروعنا الوطني والذي يحصل بموجبه الاحتلال على أمن كامل بأيدي فلسطينية ولا يحصل فيه الفلسطيني إلا على مزيد من القتل والتدمير والاستيطان. انتهى النقاش عند تساؤل افتراضي لكنه واقعي جداً، طالما استمر التنسيق الأمني باعتباره مقدساً فإن المناضل سيعتقل في سجون النقب وأريحا بتهمة مقاومة الاحتلال. .. فهل سيأتي اليوم الذي ستصبح فيه حركة سيارة نقل السجناء (البوسطة) بين سجن النقب وسجن أريحا وبالعكس؟؟؟

2016-03-07