الثلاثاء 1/3/1444 هـ الموافق 27/09/2022 م الساعه (القدس) (غرينتش)
في الســَفر..عــَذابٌ وجــَمالٌ !! ... عبد الهــَادي شــلا

 المواقف الغير عادية كثيرة في حياتنا ،إلا ان بعضها نتقبله ويمر وربما نسخر منه أو يترك في النفس غصة وألما لا تمحوه الأيام وإن تباعدت ومنها ما لا نحمله أكثر مما يحتمل .

في السفر تكثر المواقف التي تبدأ مع أول خطوة لمغادرة المكان ونحن نحمل تلك المشاعر والأحاسيس التي لا تزورنا إلا في حالات السفر أو الانتقال من مكان إلى أخر في بلد أو مدينة بعيدة.

كثيرة هي المرات التي "أوقفت" فيها ولساعات طويلة في المطارات والحدود وخاصة العربية،و هذا شاركني فيه آلالاف من أبناء الأمة العربية  ومازالوا، ولا يمكن الإعتراض أو التذمر أو حتى إظهار علامات الغضب على محيا أي موقوف تحت مسمى " منتظر" ليُمن عليه موظف الجوازات بالموافقة على إستكمال رحلته،وربما لا يتم هذا إلا بعد إستراحام يصل إلى درجة الذل والمهانة أو بعد"رشوة".. وفي كثير من الأحيان يطول الإنتظار ومن ثم يعود أدراجه إن سلم من يد حراس الحدود!!

ذات صيف بعيد جدا طوته السنون أوقفت على الحدود بين بلدين عربيين لهما نفس الشعارات الرنانة التي ترفع من شأن المواطن العربي والعمل من أجله،أوقفت يوما كاملا بدون سبب سوى أنني لا أحمل تأشيرة مرور لبلد لم يكن يشترط التأشيرة ورغم انني كنت قد سألت في سفارة هذا البلد الذي أكد لي أنني مواطن " عربي" مسافر في وطنه !!؟؟

الذي لم أتصوره وأنا أنتظر في ذلك اليوم القائظ من منتصف شهر تموز/يوليو أنني رأيت شاحنه أجنبية تنتظر أن تجتاز الحدود بين البلدين العربيين بينما السائق يرتدي "جينز" له جيبين في الخلف رسم على كل منها "نجمة سداسية" واضحة في تحد صارخ و لا يمكن التعامي عنها إلا بقصد،وقد مـُنح الموافقة باجتياز الحدود بينما أنا أستجدي موظف الجوازات أن يعيد إلي " وثيقة سفري" لأعود من حيث أتيت،ولكنه رفض !! وهو يسخر مني قائلا: هل تظن أن هذا سهل ؟؟!! وكأنه قد أمسك بسفاح هارب من العدالة... لم تكن صفة الإرهاب " موضة" تلك الأيام!!

تذكرت هذا وأنا أستعيد تلك الكلمات الرائعة التي سمعتها يوم وضعت قدمي على أرض المهجر في "كندا" قبل عشرين عاما و أقدم "وثيقة السفر" ذاتها مع أوراق الهجرة إلى موظف الجوازات الذي إبتسم في وجهي مرحبا وقائلا: " أهلا بك في بلدك ..كندا " !!

وهذه العبارة تعني في جوهرها أنني أصبحت كنديا ولا ينقصني إلا حق التصويت في الإنتخابات التي لم يسبق لي في حياتي أن شاركت في أي منها في بلادنا العربية .

ورغم مرور هذه الأعوام بحلوها الكثير ،ومرها القليل إلا أنها لم تجعلني يوما ولا للحظة واحدة أحقد على وطني العربي أو أي مواطن يعيش فيه بل أشفق عليه وأتمنى أن يصل الوطن والمواطن إلى ما وصلت إليه هذه الدول الكبيرة والعظيمة في إبداعاتها وقدراتها وإحترامها للإنسان على أرضها مهما كان أصله أو عقيدته أو شكله.

في سفر قريب،وأثناء وقوفي أمام موظفة الجوازات في أحد المطارات العربية وأنا في أشد التعب بعد رحلة طويلة، إخترقت فتاة "منقبة" الصفوف في إتجاه الموظفة التي أقف أمامها وهي تتفحص جواز سفري وتهم بختمه بينما الفتاة المنقبة تقدم بطاقتها التي عليها صورتها وتسأل موظفة الجوازات عن مكتب " المطابقة " وفي الحقيقة وأنا في هذه الحالة من التعب لم يخطر ببالي معنى "المطابقة" ولا القصد منها         .
إلا أن الجواب جاء سريعا حين رفعت الفتاة النقاب عن وجهها لتتعرف عليها الموظفة التي أبدت إستعدادها لمطابقتها وأنا أقف على بعد سنتيمرات منها ليكشف النقاب عن جمال خارق وغير عادي من الصعب أن أنساه،في الوقت الذي إلتقت نظرة موظفة الجوازات مع نظرتي الغير مقصودة و إنما فرضتها الحالة وهي تحبس ضحكة كادت أن تفلت منها،و منحت الفتاة تصريحها بالمرور إلى صالة السفر بعد مطابقتها مع الأصل،وهمست بكلمة لم أسمعها بوضوح ولكنني فهمت منها وكأنها تقول لي: " نيالك يا عــم وأنت طابقت معي !!"...

 

2016-03-08