السبت 6/1/1446 هـ الموافق 13/07/2024 م الساعه (القدس) (غرينتش)
في تقرير لمركز معا: التصحر يغزو قطاع غزة ومخاوف من تحوله إلى منطقة جرداء بلا خضرة

غزة-الوسط اليوم:ناقش تقرير أخير لمركز العمل التنموي/ معا جانب التصحر في قطاع غزة الذي يعد من أكثر المشاكل التي تواجه البيئة الفلسطينية سيما وأن التدخل البشرى اليومي يساهم في الزيادة المتسارعة لهذه الظاهرة. والتصحر بحسب مختصين في الشأن البيئي لا يعني غزو الكثبان الرملية للأراضي فقط، وإنما يعني التدهور المستمر للنظم البيئية للأراضي الجافة نتيجة الأنشطة البشرية والتقلبات المناخية، كما يعتبر واحداً من أخطر التحديات الإنمائية في عصرنا هذا، نظراً لتأثيره الشديد على رفاه الإنسان وعلى البيئة.

 

واستند التقرير المعد من قبل الصحفية سمر شاهين على آراء مجموعة من المواطنين المساهمين في مشكلة التصحر، منهم المواطن الخمسيني أبو إسماعيل الذي يتربص بالمناطق الشجرية بحثًا عمن يقطع الأشجار ليشتري أخشابها ويبيعها في الأسواق لاسيما في فصل الشتاء.

ويقول أبو اسماعيل :"أن أعداد الأشجار تواجه انخفاضاً كبيراً. في الماضي كنت اشتري كميات كبيرة، أما اليوم، فإن كمية الأخشاب المعروضة في الأسواق قليلة".

وعزا الإقبال الكبير على شراء الأخشاب من قبل الغزيين إلى الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي وفقدان الغاز إضافة إلى استخدامه للتدفئة في الوقت الراهن.

ويشير إلى أن المزارعين في الماضي كانوا لا يقطعون أيًا من أشجارهم، أما اليوم وفي ظل الزيادة الكبيرة في عدد السكان وتقسيم تلك الأراضي على الورثة، فإن قطع الأشجار بات سمة دارجة لا سيما في المناطق الزراعية التي باتت وجهة للمشاريع العمرانية.

ويتوقع أبو إسماعيل خلال عقدين من الزمن اختفاء أعداد كبيرة من هذه الأشجار في ظل استخدامها بصورة يومية قائلًا:" إن القطاع ربما يصبح أول منطقة في العالم شبه خالية من الأشجار".

وحول مدى تخوفه من أن تصبح غزة مدينة صحراوية، قال إن المؤسسات الرسمية تعمل على توزيع الأراضي في المحررات (المستوطنات سابقًا)، وهى أراضٍ زراعية لإقامة مساكن للمواطنين دون مراعاة للأشجار فهل سيكون الحفاظ عليها من قبلي أنا؟!".

ويعتبر قطاع غزة من أكثر المناطق تكدسًا بالسكان في العالم وتبلغ مساحته 365 كيلو متر مربع ويقترب عدد سكانه من مليوني نسمة.

ويضيف التقرير، نقلاً عن رئيس قسم البستنة الشجرية بوزارة الزراعة في غزة المهندس محمد أبو عودة، والذي يرى التصحر بأنه ظاهرة خطيرة تعكس تدهور الأراضي الزراعية وتراجع خصوبة التربة بفعل التغيرات المناخية والنشاطات البشرية بما يقود إلى ظروف تشبه ظروف الصحاري.

وبين أبو عودة أن من أكثر العوامل التي تهاجم القطاع الزراعي في قطاع غزة وتؤدي إلى التصحر، غزو ما أسماه الكتل الخرسانية (الزحف العمراني)، مبينًا أن تفتت الملكية أدى إلى هجر الناس لأراضيهم الزراعية والتوجه نحو المشاريع العمرانية ذات العائد المادي المجزي بشكل يرون أنه أفضل من الزراعة.

 

أسباب عدة

ويضرب على حديثه مثلاً بأراضي منطقة الشيخ عجلين (جنوب غرب مدينة غزة)، حيث كانت قبل سنوات من أكفأ الأراضي الموجودة في قطاع غزة في زراعة العنب، واليوم أقيمت على مساحة 15 دونمًا من أراضي المنطقة مدينة سياحية حيث تم تجريف العنب وتأجير الدونمات لصالح هذه المدينة طمعًا في الحصول على مردود مالي أفضل بالنسبة لملاك هذه الأراضي.

كما أشار إلى أن بعض المواطنين يلجأون إلى بيع أراضيهم الزراعية بسبب ارتفاع أسعارها لصالح إقامة المشاريع السياحية عليها، منبهًا بأن كل هذه العوامل لها أثرُ سلبي على القطاع الزراعي، وذلك ينعكس بشكل كبير على موضوع التصحر.

وحول جهود وزارة الزراعة للحد من عمليات التصحر، نوّه أبو عودة إلى أن وزارة الزراعة تقف بالمرصاد لعمليات قطع الأشجار، وهناك قانون واضح بمنع قطعها إلا بموافقة مسبقة من الوزارة وإبداء الرأي الفني في ذلك، لكنه أقر بأن الوزارة لا تستطيع ضبط الأمور بشكل كامل، فهناك مخالفات دائمة تحدث من المواطنين في عمليات القطع، بحيث لا يتم مشاورة الوزارة في ذلك، ويتم اكتشاف عمليات قطع الأشجار لاحقًا.

 

مسؤولية وطنية

واعتبر عودة هذا الأمر مسؤولية وطنية، مشيرًا في الوقت نفسه إلى المسؤولية التي تقع على عاتق المزارعين أنفسهم الذين يتصرفون في ملكياتهم من خلال قص الأشجار والبناء على الأراضي الزراعية.

وذكر أن بعض تجار الأراضي يلعبون دورًا كبيرًا في هذا الموضوع، إذ ما يهمهم مصلحتهم الخاصة وليس لديهم رؤية وطنية بعيدة في هذا الموضوع.

كما أشار أبو عودة أيضا إلى أن الحروب الإسرائيلية المتكررة على قطاع غزة قد أدت إلى تلوث شامل سواء في التربة أو في المياه الجوفية التي يتم الري فيها، بالتزامن أيضًا مع تجريف قوات الاحتلال لآلاف الدونمات من المزارع والبيارات المثمرة.

وأكد أن الحرب الأخيرة في صيف العام 2014 والتي دامت 51 يومًا، هي حرب اقتصادية بدرجة أولى كانت قائمة على استهداف الأراضي الزراعية، مبينًا أن الكميات الضخمة من الصواريخ والأسلحة التي استهدفت هذه الأراضي قد أدت إلى تغيير طوبوغرافية الأرض نفسها، ما أثر بالسلب على الأحياء الدقيقة وخصوبة التربة والمكونات الموجودة فيها.

وتابع: "هناك أراضٍ بدأنا نلحظ أن جودتها وخصوبتها قد خفت كثيرا عما كانت عليه في السابق بسبب الكميات الكبيرة من الأسلحة التي أُسقطت عليها"، معربًا عن أمله في أن تستعيد هذه الأراضي كفاءتها وخصوبتها من جديد.

 

التصحر ...ظاهرة خطيرة

وأكد  ابو عودة ل "معا" أن موضوع الحد من التصحر هو أحد السياسات الواضحة للوزارة كونه ظاهرة خطيرة تهدد حياة المواطن في غزة وينجم عنه نقصٌ خطير في الغذاء قد يصل إلى حد المجاعة، ومن هذا المنطلق، فإن الوزارة لديها رؤية واضحة في هذا الموضوع.

وذكّر في ذات الوقت أن قطاع غزة محاصر ومطلوب منه أن يؤمن لنفسه أمنًا غذائيًا واكتفاء ذاتياً، ويكون قادراً على محاربة الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع الساحلي منذ تسعة أعوام.

وحول جهود الوزارة لمقاومة التصحر أشار أبو عودة إلى أن الوزارة تنتهج إدارة رشيدة للموارد الطبيعية، وعلى مدار السنوات القادمة يوجد خطة في هذا الموضوع، من خلال التحول في بعض القطاعات من الزراعات المنتجة التي تستخدم الكيماويات الى الزراعات التي تنتج بطريقة طبيعية.

 

ونوه في هذا الصدد إلى مشروع تعكف الوزارة على القيام به لتشجيع زراعة الأشجار في شوارع قطاع غزة، يدعى "تخضير فلسطين"، ومن خلاله تستهدف الوزارة زراعة مليون شجرة مثمرة في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وسيكون نصيب قطاع غزة 350 ألف شجرة والضفة الغربية 650 ألف شجرة. وذكر أن أشجار الزيتون والحمضيات والنخيل سيكون لها نصيب الأسد من عدد الأشجار.

وقال: "نجحنا في إكمال المرحلة الأولى العام الماضي، على أن تبدأ المرحلة الثانية في شهر فبراير/شباط من هذا العام، بحيث نجعل من فلسطين كلها خضراء ونحاول أن نحد من عمليات التصحر في الأرض الفلسطينية".

تخضير فلسطين

بدورها، أشادت الخبيرة البيئية المهندسة منار أبو عيشة بمشروع وزارة الزراعة القائم على الحد من ظاهرة التصحر في قطاع غزة من خلال مشروع "تخضير فلسطين".

وأكدت أبو عيشة أهمية مثل هذه المشاريع والتي من شأنها أن تساهم في إنعاش القطاع الزراعي، وتعمل على تلطيف درجة حرارة الجو من خلال زيادة نسبة الأوكسجين، كما تقلل من ظاهرة التغير المناخي".

وذكرت أبو عيشة أن التصحر في قطاع غزة ينجم عن عدة عوامل أبرزها تلوث التربة جراء الحروب الإسرائيلية من خلال القصف بالقذائف التي تحتوي على مواد ثقيلة وتستقر في الأراضي الزراعية، فضلًا عن عمليات التجريف المتبعة من جانب قوات الاحتلال منذ سنوات.

 

الاحتلال سبب !!

وبينت لمركز معا أن القصف الإسرائيلي يؤدي إلى تدمير بنية التربة وقوامها من خلال المواد الثقيلة أو عناصر أخرى، بحيث تصبح التربة غير صالحة لنمو النباتات، وإن نمت فيكون إنتاجها ضعيفاً جدًا.

ونبهت من أن سياسة قطع الأشجار المتبعة من جانب بعض المواطنين بشكل عشوائي، من أهم الأسباب التي تؤدي إلى زيادة عمليات التصحر، إذ يؤدي هلاك الأشجار إلى تقليل نسبة الأوكسجين في الجو بينما يزداد غاز ثاني أكسيد الكربون الذي يؤدي في حالة زيادته إلى ما يعرف بالتغير المناخي (عبارة عن تغير كل العوامل الجوية في منطقة ما).

كما أشارت أبو عيشة إلى عوامل أخرى تساهم في زيادة عمليات التصحر الناتجة عن الممارسات الزراعية الخاطئة، من خلال قيام المزارع بزراعة نفس النبات على نفس الأرض أكثر من مرة، فتأخذ هذه النباتات عناصر معينة من التربة حتى تبدأ الأخيرة بفقدانها بحيث لا تصلح لزراعة نباتات من صنف آخر بعد ذلك. لذلك تنصح المزارعين بتغيير نوع النبات الذي يزرع في الأرض ذاتها بين فترة وأخرى.

 

الخندق المائي

ونوهت الخبيرة البيئية كذلك إلى تأثير الخندق المائي الذي شرعت به جمهورية مصر العربية على حدود قطاع غزة، من خلال ضخ كميات كبيرة من مياه البحر المتوسط (المالحة) في باطن الأرض أسفل الحدود لهدم الأنفاق الأرضية.

وأشارت أبو عيشة إلى أنه تم فحص عينات من التربة في أكثر من منطقة في مدينة رفح الحدودية، وكان لافتًا زيادة "الكلورايت" (ملوحة المياه) في هذه المناطق وستزداد أكثر مع الوقت.

وأكدت أن حموضة التربة عندما تتجاوز حداً معيناً فإن ذلك يؤثر على الخزان الجوفي في باطن الأرض الذي منه تسقى المزروعات في قطاع غزة بشكل أساسي وبالتالي فإن المزروعات هي المتضرر الأكبر من ذلك، واستمرار هذا الحال سيؤدي إلى قتل الأشجار وهلاكها وبالتالي زيادة التصحر.

 

ونتيجة لخطورة ظاهرة التصحر فقد أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام (1994) أن 17 حزيران/يونيو من كل عام، سيكون بمثابة اليوم العالمي لمكافحة التصحر والجفاف من أجل تعزيز الوعي العام بهذه القضية.

         

أجمع باحثون ومهتمون في مجال البيئة أن طرق مكافحة التصحر تتلخص في:

 وضع استراتيجيات وأولويات مكافحة التصحر ضمن سياسات التنمية المستدامة.
تعزيز إنشاء مراكز المعلومات الخاصة بمراقبة التصحر ومكافحته .
 الالتزام بالمخطط الإقليمي لاستعمالات الأراضي.
تحديد المناطق الزراعية ذات الأولوية للزراعة وحصر المناطق المفتوحة وتعمير المناطق البور.
حماية التربة من كل أشكال التعرية والانجراف ومقاومة تملحها.
وضع وتنفيذ حملات التثقيف والتوعية البيئية والتركيز على خطر التصحر.

 

2016-03-08