الجمعة 1/11/1442 هـ الموافق 11/06/2021 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الحرية.. رسول و رسالة و قضية 'ج2'...محمد عزت الشريف

 في البدء كانت الكلمة ..

والكلمة الحرة لا تكون إلا في مناخ من الحرية
والحرية عدوها الأعظم هو الحاكم الفرد الدكتاتور المستبد.

(بِمَ استحقت أمة العرب شرف حمل الرسالة و تبليغها؟)

لقد شاء الله سبحانه 
أن تكون أمة العرب إبّان بعثة محمد بن عبد الله ـ أُمةً بلا حاكم فرد، و لا نظام مركزي شمولي في الحكم كما النمط السائد الآن في كثير من الدول العصرية ـ
وهذا النظام اللا فردي واللا مركزي ـ بإيجابياته و سلبياته ـ يوفر مناخاً ملائماً من الحرية للفكر أن ينطلق و للكلمة أن تنتشر..

إننا إذا ما أردنا أنْ نَصِفَ أُمةَ العرب و في القلب منها "قريش"إبّانَ بعثة محمد النبي في كلمة واحدة؛ فإننا يمكننا أن نصفها بأنها "أمة الكلمة"
ولهذا جاءهم  رسولهم المبعوث إليهم  من رب العالمين برسالة الكلمة "إقرأ"

ولن أُسهب كثيرا في طرح الأدلة على أن تلك الأمة كانت أمة "الكلمة"
فحسبنا في ذلك أن نُذَكِّرَ بأنها كانت الأمة الوحيدة التي لديها سوقاً "للكلمة"
و كانت القبائل في ذلك الوقت تفاخِرُ بعضها البعض بالكلمة، و بكثرة الشعراء فيها..
و لم يكونوا حريصين على تعليق شهاداتهم العلمية على الحوائط  و المباني؛ بقدر حرصهم على تعليق أعذب القصائد والأشعار و أبلغ و أطول المعلقات.

و كان من عُلُو و سمُوّ شرف الكلمة؛ أنهم كانوا يُعلقونها على أقدس مكان لديهم، بل وأطهر بقعة على البسيطة كلها..
ـ كانوا يعلقونها على جدران الكعبة المُشرّفة "بيت الله الحرام"!!

و لِما لا؟ ـ فالكلمة حرة و البيت حر، والكلمة شرف و البيت شرف، و الكلمة نور و البيت نور
و لما لا ؟ ـ  و الكلمة حرام و البيت حرام؛ والمساس بهما حتما حرام .

(حُرمةُ الكلمة)
الله  ما أعظمها من من كلمة !! "حرمة الكلمة"!!
صلة الوصل بين الإنسان و ربه ، و بين الإنسان و قِرنه
وبما أنّا ـ من قبل ـ قلنا بأنّ الصلةُ رحمةً، و بما أنَّ الكلمة صلة 
إذن فالكلمة رحمة..

نعم؛ و مانعُ الكلمة مانعُ الرحمة.
والكلمة لا تحيا إلا .. في مناخ الحرية .

و لقد كان العرب ـ بحق ـ قوماً أحراراً، من أصلاب رجالٍ أحرار
لهذا ازدهرت عندهم الكلمة، و راجت لها سوقٌ 
فكان لصاحب الكلمة حقٌ أصيلٌ في عرضها، و في أظهر وأطهر مكان
وكان لطالب الكلمة أن يطلبها بحقها
و حقُّ الكلمةِ الحفاظُ على  حُرمتُها ـ فلا تبديل و لا تحريف ولا حَجبٌ و لا تغييب، ولا حظرٌ ولا تقييد.
و حاجبُ الكلمة حاجبُ الرحمة.
وكان العرب أهل صلة و رحمة؛ و ما كانت العصبية القبلية عندهم إلا مظهراً وتعبيراً لقوة الصلة و عِظًم الرحمة بين العرب بعضهم البعض، وخاصة في مكة
تلك البلد الحرام، بلد السلم والأمن والوئام ، والبيت الحرام والأيام والأشهر الحرام.

تلكم كانت البيئة الملائمة ، و التربة الخصبة التي استقبلت واحتضنت بذرة "إقرأ"التي جاء بها ـ يغرسها  محمد رسول الله صلى الله عليه و سلم 
فلم تكن الكلمة التي جاء بها محمد بن عبد الله القرشي تختلف في خصائصها  كثيراً عن خصائص الكلمة التي كان يتعامل بها، و يتداولها علماء 
و وجهاء وأشراف أمة العرب ..

فالكلمة تاريخ .. و الكلمة فكر.. و الكلمة ماضٍ.. و الكلمة حاضرٌ.. و الكلمة نبوءة.
هكذا كانت الكلمة عند أمة العرب 
و هكذا هي  الكلمة التي جاء بها محمد بن أمة العرب، بشيراً و نذيراً للعالمين أجمعين  عرباً و عجماً .

هذا و لم تكن أمة العرب ـ في ذلك العهد ـ   أمة متحررة فقط  من الإستبداد السياسي والحكم السلطوي
بل؛ و كانت متحررة كذلك من الإرتباط  و الإلتزام بأي منهج أو دستور مكتوب، أو حتى  كتاب سماويّ مُنزَّل .

(المفردة العربية حرة)
معلوم لدى الأكاديميين و علماء اللسانيات المتخصصين ، أنّ اللغة العربية هي أغنى اللغات  بالمفردات، و المترادفات 
وتلك معلومة صارت بديهية الآن و التفصيل فيها ليس مجال بحثناالآن..
لكنّا  نقول:أنَّ  لغةً تختص بهذه الخصائص من المرونة والإتساع؛ فإنها  تتيح للمتحدث بها  ذات المرونة و اتساع الحركة في التعبير عن المعاني التي 
يعنيها بدقة و بتحديد .

المفردة العربية ليست مفردةً جامدةً بطبيعتها
بل هي لفظة مرنة و متصرفة، و متلونة في معناها و في مخارجها الصوتية.
 
فإذا ما انتقلنا بنظرنا بين المرادفات العربية 
فإننا واجدون ـ حتماً ـ خصيصة لا تتوافر في كثير من اللغات، بل ولا ينتبه إليها الكثيرون من المتحدثين بالعربية؛ 
بل وحتى بعض المشتغلين بها، و المتخصصين في علومها!! 

فرغم تنوع المترادفات للمفردة العربية الواحدة 
إلا أن كل مترادفة لها معنى عاماً خاصاً به.

ولو تعمقنا في ذلك فسنجد أن المفردة العربية لا تعني إلا نفسها
ولكن لدواعي الشرح والتبسيط 
فإننا نلجأ إلى طريقة في التعليم بأن نُعَلِّم كل طالب علم؛ بأن نعرفه المجهول له بمعلومية المعلوم عنده .
فلو كان المتعلم مثلا يجهل معنى كلمة "جلس" 
فإننا لو علمنا أن المتعلم يعلم بدايةً معنى كلمة"قعد" فإننا ليس أمامنا إلا أن نقول له أن كلمة "جلس" تعني " قعد" 
رغم أننا نعلم بيننا وبين أنفسنا أن "جلس" هي غير "قعد" 
وأن لكل منهما خصائص وخصوصية 
ولكنهما يشتركان في خصيصة واحدة على الأقل 
وهي هنا في هذا المثال "الهيئة والصورة التي يكون عليها الإنسان الجالس" فهي تشبه تماماً "الهيئة و الصورة التي يكون عليها الإنسان القاعد"
إذ أنّ الفارق إنما هو في الهيئة التي كان عليها الإنسان قبل هيئته تلك 
فالجلوس يكون عن وقوف سابق 
والقعود يكون عن رقاد سابق 

مثل هذه الفروق الدقيقة لا تتوافر إلا في هذه اللغة الغنية الثرية المتسمة بالمرونة والحرية 
هذا كله مما يهيّء للناطق بالعربية مجالاً متسعاً و حركة حرة مرنة في التعبير عن مقاصدة بشكل أكثر دقة و تحديداً .

(وأمّا عن حيوية اللغة)
فمن الواضح أن القرآن الكريم نفسه راعى هذه الخصوصية وأكد عليها 
بل واستعمل مفردات ليست من صميم اللغة العربية "القُحّة"
ولكنها مفردات كانت معلومة لدى العرب في حينها  و كان العرب يستخدمونها في معاملاتهم اليومية في ذلك العهد
بعد أن جاءتهم من بلاد الفرس أو الترك أو غيرها من لغات الأقوام المجاورة.
والأمثلة كثيرة على ذلك :
ـ فالاستبرق مثلا: كلمة فارسية، معناها: الغليظ
"يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ"
ـ و السندس: كلمة هندية، ومعناها الستائر الرقيقة الناعمة
ـ أما المشكاة: فهي لفظة حبشية، معناها: الكوة في الجدار أو غيره
"اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ"

بل ولازالت حتى الآن و كل يوم تدخل في معجم لغتنا العربية ألفاظ جديدة 
وأسماء ومصطلحات حديثة يتم تعريبها وإقرارها من علماء اللغة والقائمين على  معاجمها المتنوعة. 
وفي هذا كان يقول عميد الأدب العربي طه حسين دائما : 
"لغتنا العربية يُسرٌ لا عُسر، و نحن نملكها؛ كما كان القدماء يملكونها، و لنا أن نضيف إليها ما تحتاج إليه من ألفاظٍ 
لم تكن مستعملةً في العصر القديم"
بقى أن نقول بأن اللغة العربية  بكثرة جذورها اللغوية و غناها بالمفردات و  المترادفات، و خصوصية نحوها  وإمكانية صرفها ـ بكل ذلك  وأكثر ـ كان لها  من المرونة ما يجعلها 
مهيأة لأن تتقبل أي لفظ من الألفاظ الحديثة بعد الإشتغال على ترجمته و تعريبه؛ بما يدخله في لُحمة واحدة وبقية ألفاظ اللغة القديمة الأصيلة.

(أخلاق العرب)
لن نتحدث هنا عن المكارم والمعايب 
ولكن نتحدث عن أخلاق العرب كما كانت إبّان بعثة محمد عليه الصلاة والسلام 
نتحدث عن طباع العرب التي هيأتهم ليكونوا خير قوم ـ على خير أرض ـ يمكن أن تتلقى الرسالة وتحتضنها وتقوم بواجب تبليغها الأمين.

و سنعمد هنا إلى أن نأخذ بما كتبه عنهم التاريخ 
ونحلل مدى ملاءمة  تلك الطباع والأخلاق في الرجال ليكونوا مؤهلين لحمل رسالة عظيمة كرسالة السماء .

سنأخذ أولا ـ مثالا بحاتم الطائي الذي تجمعت فيه كثير من صفات العرب في ذلك الوقت من : 
كرم.. تسبقه فروسية.. تسبقها شجاعة 
فلولا الشجاعة ماكانت الفروسية التي تدفعه للإغارة على أغنى القبائل ليكون له كل هذه الأسباب التي جعلت منه مثالاً مدى الدهر في القِرى والكرم.
نعم ؛ كان العرب متصفين  بـ :
ـ الشجاعة 
ـ الفروسية
ـ الكرم
من ذلكم يُروى : أن الرجل كان إذا أتاه الضيف في شدة البرد والجوع وليس عنده من المال إلا ناقته التي هي حياته وحياة أسرته، تأخذه نخوة الكرم فيقوم إليها، فيذبحها لضيفه.
و كان من نتائج كرمهم امتداحهم شرب الخمر و لعب الميسر..
أما الخمرفلأن تأثيرها على الإدراك يسهل الإسراف على النفس فتكون بذلك سبيلاً من سبل الكرم و لذلك سمي شجر العنب بالكرم!
وأما الميسر فلأنهم كانوا يطعمون المساكين ما ربحوه، أو ما كان يفضل عن سهام الرابحين؛ ولذلك ترى القرآن لا ينكر نفع الخمر والميسر 
وإنما يقول‏:‏ ‏{‏وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا‏}‏
ولو كانت لتك الصفات من مرجع واحد أو منبع واحد ـ  لكان ذلك المنبع والمنهل هو "الحرية"
• فالكرم "حرية "وفيه إطلاق اليد للسرف دون حدّ.
• والشجاعة "حرية" وفيها اندفاعٌ دون خوف.
• والفروسية "حرية" وفيها انطلاقٌ دون قيد.
 
وكان العرب متصفين ..
بـعزة النفس والإباء عن قبول الظلم والضيم :ولعل  الشجاعة والفروسية والإقدام  كلها ـ بالأساس ـ  نواتج مما أنتجته عزة النفس والإباء.

و كانوا متصفين بالمضي في العزائم :فقد كانوا إذا عزموا على شيء يرون فيه المجد والفخار ؛ لا يزالون به،  لا يصرفهم عنه صارف. 

فأما الوفاء بالعهد  فحدِّث ولا حرج؛ فقد كان العهد عندهم دينًا..
 و هل يوفي بالعهد غير حرّ؟!

إن هذه الأخلاق  العظيمة لم تكن لتنطبع في الإنسان العربي وتفيض فتنضح عليه وعلى تصرفاته وأفعاله لو لم يكن مناخ الحرية 
 الذي رعى تلك الأخلاق و ربّاها في نفوس الرجال الأحرار ، ليكونوا  بعد ذلك  أهلاً لحمل وتبليغ أعظم رسالات السماء إلى العالمين كافةً 

بيد أن تلك الأخلاق  والطباع كان فيها مافيها من العادات السيئة، التي تحتاج إلى ضبط وتهذيب وإصلاح و توجيه..
فكان لها "محمد الرسول" الضرورة .."عليه الصلاة و السلام"
...
و نستكمل في الجزء التالي ..
 الحرية.. رسول و رسالة و قضية (ج3)
***

2016-03-15