الإثنين 4/5/1444 هـ الموافق 28/11/2022 م الساعه (القدس) (غرينتش)
تقرير لمركز معا: 'سماد الزبالة' وسيلة خطرة يستخدمها العديد من المزارعين في غزة والنتائج الصحية وخيمة

غزة-الوسط اليوم:ناقش تقرير أخير لمركز العمل التنموي/ معا، ظاهرة خطيرة متصاعدة في غزة  تتمثل في استخدام مكبات النفايات كمصدر لسماد النبات وما تحويه من عناصر خطرة على الإنسان والبيئة والنبات، كالكادميوم والرصاص وغيرها، عدا الجراثيم الخطرة.

وزارة الزراعة بدورها حذرت المواطنين والمزارعين من استخدام عصارة النفايات الصلبة الموجودة في مكب النفايات شرق دير البلح، والذيٍ يستخدمه البعض كسماد في الزراعة، وذلك نظرا لاحتوائها (أي العصارة) وقالت الزراعة في بيان سابق لها: "إنّ الأخطر من ذلك، هو أن البعض يقوم ببيع هذه المواد بعد تجميعها على أنها سماد"، مؤكدةً أنها تمثل خطرا على صحة الإنسان حال تم استخدامها".  كما حذرت الوزارة في بيانها المزارعين من أن عدم الالتزام بتعليمات الوزارة يُعرضهم للمساءلة القانونية.

يؤكد الخبير البيئي في غزة الدكتور أحمد حلس  في حديثه مع معدة التقرير سمر شاهين، أن عصارة النفايات الصلبة واحدة من أهم المشكلات البيئية الملحّة التي تواجه العالم وليس قطاع غزة فحسب، خصوصًا الدول النامية أو الأقل تقدمًا، حيث تزيد نسبة المواد العضوية في نفاياتها الصلبة القابلة للتحلل عن 70%، وبالتالي تنتج كميات كبيرة من العصارة شديدة السميّة.

ويشير حلس إلى أن قطاع غزة ينتج يوميًا ما بين 1600 إلى 1700 طنٍ من النفايات الصلبة، تذهب في مجملها إلى 3 مكبات رئيسية هي: مكب "جحر الديك" (جنوب شرق مدينة غزة) ومكب "دير البلح" (شرق المحافظة الوسطى) ومكب "صوفا" في رفح جنوبي القطاع.

ويبيّن أن كل طنٍ من هذه النفايات ينتج قرابة 200 إلى 300 لتر من العصارة شديدة السميّة، هي خلاصة تحلّل كل ما في المكب من نفايات سواء صناعية وطبية وكيماوية، ومن المسالخ والمحال والكراجات والبيوت وغير ذلك.

وينبه بأن هذه العصارة تحتوي في داخلها على آلاف الملوثات ومنها المسرطن، وهي أضعاف ما تحتويه المياه العادمة من ملوثات سامّة.

وتابع حلس بأسف قائلًا: "اكتشفنا أن العديد من المزارعين في قطاع غزة يستخدمون هذا الراشح لريّ مزروعاتهم نظرًا لاحتوائه على بعض المغذيات أو المخصبات، لكنهم يتغافلون ما يوجد فيه من سموم تصل إلى تربتنا وخزاننا الجوفي وإلى مزروعاتنا التي نتناولها".

وأكد أن هذه المغذيات تكون حاملة لمواد مسرطنة أو سامة ناتجة من هذا الراشح، وحذر من أن تعرض الإنسان لمياه أو ثمار ملوثة يجعله عرضة للإصابة بالسرطانات، خصوصا أصحاب المناعة المنخفضة أو الأجسام الهشة كالأطفال والنساء الحوامل وكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة وغير ذلك.

 

خطر أمنى

وحول إذا ما كان هناك غياب للرقابة الرسمية في هذا السياق، نوه حلس إلى أن أغلب المكبات تتواجد في المناطق الحدودية وبالتالي يكون هناك خطر أمني على تواجد الشرطة في تلك المناطق.

وعادة ما يلجأ المزارعون لهذه العصارة لاحتوائها على النيتروجين والفسفور حيث يظهر أثرها بشكل ملحوظ على المزروعات التي تنمو بسرعة كالبطيخ والجرجير والخس وغيرها من المزروعات.

وحول خطر تبخر هذه المواد السامة، قلل "حلس" من تأثير ذلك على صحة الإنسان، وعزا ذلك إلى كون المكبات موجودة في شرق قطاع غزة، وبالتالي حين تبخرها تصل لمناطق صحراوية بعيدة كمنطقة النقب داخل فلسطين المحتلة.

وأفاد أن العصارة هي خلاصة للتحلل الحيوي على مدار (حقبة زمنية) كل خمس سنوات، حيث يعمل على تفتيت المادة العضوية، فينجم راشح شديد السمية كفيل بتدمير القطاع الحيوي للبيئة أو للإنسان كالصحة العامة والشخصية، إذا ما وصلت لزراعته وتربته ومياه شربه وخلافه.

 

السرطان ..أسباب عدة

وفيما إذا كان لهذه العصارة السامة سبب في تزايد انتشار مرض السرطان في قطاع غزة خلال السنوات الماضية كما صرحت وزارة الصحة مؤخرًا، فأكد حلس أنه قد ثبت عالميا أنها تحتوي على مواد مسرطنة واستخدامها يؤدي إلى الأضرار المذكورة سابقا، لكنه تحدث في الوقت ذاته عن أكثر من عامل سلبي ساهم في انتشار المرض منها الحروب الإسرائيلية على القطاع، وتهريب مواد للزراعة ممنوعة عالميًا ومنها مواد مسرطنة، وذلك خلال فترة عمل الأنفاق بين قطاع غزة ومصر بدون رقابة رسمية. وإلى جانب ذلك، تضاف المياه العادمة وبعض أنواع المأكولات والمشروبات التي لها أحيانًا لون وطعم ورائحة، فهذه الكيماويات ليست صديقة للإنسان، وعلى المدى البعيد، ستسبب أضرارًا صحية خصوصا للأطفال وذوي المناعة المنخفضة.

وشدد على أن المكبات الموجودة في قطاع غزة هي غير صالحة بيئيًا بالمطلق، فهي تستوعب نفايات فوق قدرتها الاستيعابية، فالأصل أن المكبات يوجد تحتها نظام عزل حتى يكون هناك طمر صحي، فحين تخرج النفايات عن حيز العزل تتسرب العصارة إلى خارج نظام العزل لتصل إلى مناطق خارج المكب، ومن ثم تصل إلى الخزان الجوفي وأحيانًا للتربة الزراعية.

وأشار حلس إلى أن تفكيرهم كان ينصب على معالجة هذه العصارة حيث بدرت إلى ذهنهم الكثير من الطرق والبدائل المتواضعة وغير المجدية بشكل كبير، ومنها أن يتم الرش على المكب، وتخفيف حجم العصارة بالتبخر لكن تبقى في النهاية موجودة.

ويقول: "بدأنا نشتغل على موضوع استخدام البيروسلفيت كمؤكسد قوي لنزع أغلب الملوثات السامة من هذا الراشح، أو العصارة وعلى رأسها المادة العضوية".

وحول أنسب الطرق للتخفيف من هذه العصارة، أشار أولًا إلى أن بعض دول العالم وصلت لـ"صفر نفايات صلبة" من خلال إعادة تدويرها وتصنيعها من جديد وبالتالي لا يوجد راشح، وبناءً عليه كلّما عملنا على تقليل كمية النفايات كلّما قلت العصارة، وثانيًا إعادة تدوير ما يمكن تدويره وخصوصا في قطاع غزة المحاصر.

وأكد أنه حتى هذا اليوم لم يحدث أي جديد بخصوص إيجاد حلول لتلك المشكلة الخطيرة في قطاع غزة، مشيرًا إلى أن الحل المناسب لذلك في غزة يكمن في إنشاء محطة صغيرة (وحدة معالجة)، بجوار كل مكب ليتم من خلالها معالجة كل طن نفايات صلبة لتستوعب الراشح، ثم نضيف عليها مواد كيماوية في ظروف معينة ونعطيها تهوية لمدة أسبوعين.

ويتابع: "بعد ذلك تكون هذه العصارة أقل خطورة، فنكون تمكنا من إنهاء 94% منها تقريبًا، ويمكن بعد ذلك إرسالها إلى محطة معالجة الصرف الصحي بكل اطمئنان، أو يمكن إعادة استخدامها في أعمال أخرى إذا أضيفت عليها أمور إضافية من تطهير وما شابه.

 

تعاون مشترك

من جهته، يؤكد مدير عام الإرشاد والري في وزارة الزراعة في غزة المهندس نزار الوحيدي، أن الدور المنوط في متابعة استخدام راشح العصارات من قبل المزارعين يتمثل بدور تكاملي ما بين سلطة جودة البيئة ووزارة الصحة لا سيما دائرة الطب الوقائي، إضافة إلى وزارة الزراعة التي يتمثل عملها بالدرجة الأساسية في تقديم الإرشادات للمزارعين وتوعيتهم بخطورة استخدام الراشح وأهمية مراقبة المنتج.

وينبه بأنه في حال ثبت أن أياً من المزارعين يستخدم هذا الراشح، فعلى الفور توقف وزارة الزراعة عمله وتتحرز على مزرعته.

ويشير إلى أنه يتم أخذ عينات لإجراء التحاليل في المختبرات المختصة في ذلك، وفي حال ثبت استخدامه فإنه يتم تدمير المزرعة –إهلاك المنتجات الزراعية- لافتًا النظر إلى أن العمل يتم بمشاركة الطب الوقائي ومندوب من سلطة جودة البيئة.

ويقول الوحيدي إن مجريات إعدام هذه المنتجات الزراعية يتم بتأمين من وزارة الداخلية، متابعا: "لقد أمسكنا راشحًا قبل استخدامه وكان يتم تصنيعه وتعبئته في عبوات (قيمة العبوة الواحدة ثلاثين شيكلًا)، حيث تم ضبط أحد المصانع في غزة يعمل على تصنيع سماد عضوي سائل من الراشح، يقوم بإحضاره من محطة دير البلح وسط قطاع غزة".

وأضاف أنه وبشكل سريع، تمت السيطرة على ذلك، واتُخذت كافة الإجراءات القانونية بحق هذا المصنع".

لكنه يستدرك بالقول بأن هذا الراشح يمكن تحويله إلى سماد عضوي ناجع في حال تم معالجته بالأساليب العلمية السليمة وطرق التصنيع الموصى بها صحيًا، مؤكدًا على حديث الخبير البيئي د.أحمد حلس بأنه على خلاف ذلك فإن المنتج يحتوى على مواد ملوثة من المعادن والمواد السامة والخطرة التي تسبب الأمراض.

 

غياب ثقافة الفصل

وينبه الوحيدي إلى نقطة مهمة وهي أن الخطورة في النفايات الصلبة في قطاع غزة تكمن في أنه لا يتم فصلها، حيث يتم وضع النفايات الطبية مع الصناعية مع الزراعية، وكذلك نفايات الأسواق إضافة إلى النفايات المنزلية التي تشكل خطورة كبيرة، حيث تحتوي على ما يتم استخدامه من مبيدات حشرية، ما يؤدى إلى ترشح مواد سامة تكون خطيرة جدا.

وعن السبب الذي يدفع المزارعين لاستخدام الراشح بالرغم من خطورته يشير الوحيدي إلى أنه يحتوى على قيمة سماد عالية جدًا، إلا أن الأخطار الصحية والبيئية كبيرة جدًا، مشدداً على منع استخدامه، ما لم يتم معالجته بالطرق الموصى بها علميًا.

2016-04-19