الأربعاء 27/9/1441 هـ الموافق 20/05/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
من الأسير الإنسان...بقلم الأسير امجد أبو لطيفه

 قبل أن يوارى زنزانته كان حلمه الحرية... في صدره يسكن حب كبير لوطنه المسلوب وشعبه المعذب.. سموه الشهيد الحي... عشق الشهادة فقاتل لأجل الحياة.... قاتل لأجل من أحب ويحب... بحث دائما عن الارتقاء... نحو المجد، نحو الخلود... نظر من حوله فوجد نفسه وقد توارى بين جدران أربعة... في العتمة حيث الظلام، حيث النسيان... وجد أبطالا قد سبقوه... وجد كريم يونس وسمير أبو نعمة ورموزا حاصرتهم جدران النسيان... بعضهم حلق حرا بعد عشرات السنين من الألم والنسيان وآخرين ينتظرون، يتقاسمون المعاناة ويحلمون بحرية وطن وشعب... كل ليلة يحلق باجنحة الخيال في سماء الوطن حرا... فيتحول الخيال لكلمات تسيل حبر على ورقة بيضاء... ترسم الألم وكثير من الذكريات... ترسم الحنين وكثير من الخيالات... وأحلام بوطن حر ليس فيه من سرقوه وسرقوا منا الحلم... فجأة يغيب القمر ويتحول كل شيء ليصبح موحشا فخلف النافذة ظلام واسوار واسلاك شائكة وكلاب حراسة وعيون سجان ترقب كل شيء في المكان... وبعيدا أكثر لازال هناك من تاجر بالألم ومن ارتكب بحق الأسير الإنسان جريمة النسيان... فجأة تسري البرودة في المكان فينزلق تحت غطائه وحيدا يبحث عن ذاك الدفء المفقود. هي نافذة وحيدة بين جدران أربعة، منها تتسرب نسمات الصباح ومن خلالها ترسل الشمس بعض من خيوطها الذهبية وعصافير تزقزق خلف النافذة حتى يلقي إليها ذاك الإنسان المحاصر في قفصه الحجري بعض ما لديه من فتات خبز وينظر إليها ويبتسم ويعاوده حلمه من جديد ويحلق في سماء الوطن حرا... وفجأة وعلى وقع أقدام السجان في يده عصا وعلى خصره أدوات قمع وقيود من حديد تتطاير العصافير... الطائر الحر يرفض القيد والحديد ولا يخشى الجوع طالما أنه حر. على وقع أقدام سجان سارق للحياة يتبدد الحلم ويعود الواقع وتمضي الأيام وتظهر بشاعة الواقع... هذا الركن المنسي هو نصيبه من هذا الكون الكبير... الرأس مسند على الحائط والعيون تنظر إلى الحائط وفي الحائط باب حديدي محكم الاقفال ونافذة في الجدار، قضبان الحديد في كل مكان متتداخلة لتظهر على شكل مكعبات صغيرة كأنها شبكة من حديد تطارد النظرات وتصطادها... فكل الصور من خلفها تشوهت السماء، الليل، النهار، والقمر إن ظهر ذات ليل... في ذاك الركن المنسي من الوطن وفي تلك العلب الحجرية تسكن قلوب تحب وعيون تنظر إلى الغد بأمل وترسم اجمل الصور لأجمل الأسماء والذكريات... تمضي الأيام والليالي وتمر السنين طويلة ثقيلة... حتى تكاد تنطق الجدران كم من السنين ستمضي وانا أطوي كل هذا الألم والحرمان؟؟ كم من السنين ستمضي وانا احاصر كل هذا الشوق والحنين وهذه الأحلام؟؟ هو الحلم بالحرية... هو حلم الانعتاق من سجن يسقط ثقيلا على الأجساد... هو حلم بالتطهر من آثاره وشقائه... سنين العمر تنطوي بين جدرانه ولعنة النسيان تلاحقني بين جدرانه الأربعة... هو حلم بلحظه اتخطى فيها أسوار السجن متحررا من قيوده وحراسه وكلابه.. ولعنة النسيان... هو الشوق للشمس التي لا أرى إلا بعض من خيوطها الذهبية إن تسللت الي ذات صباح عبر تلك النافذة الوحيدة في المكان.. هو حلم بأن احلق بجوار القمر بالواقع لا بالخيال... احلق بعيدا بعيدا حيث هي هناك بجوار القمر... وحلم بذاك الصباح الذي لا يكون فيه السجن بيتي ولا القيد أساور يدي... هو حلم بنهار لا بؤس فيه ولا حرمان. . اشتاق للريح، للشمس، للسماء الصافية، اشتاق لورد نيسان وزقزقة العصافير والفراشات الملونة... اشتاق لربيع الوطن الطاهر... اشتاق لعطرها، لضحكاتها، لعبثها، للشقاوة للجنون... اشتاق إلى مكان ليس فيه إلا طهرها وحنانها وقلبها الطيب... اشتاق إلى قهوتها إلى خبزها... اشتاق إلى أمي

2016-04-20