الثلاثاء 1/3/1444 هـ الموافق 27/09/2022 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الجمال والتجميل...ناريمان شقورة

 "إن الله جميل يحب الجمال"، مما لا شك فيه أن كل إنسان يحبُ أن يظهر بمظهرٍ أجمل،  واليوم أصبحت الناس عوضاً عن البحث عن الجمال في دواخلها لإظهاره راحت تتوجه إلى مراكز التجميل للنفخ والرفع والشد والشفط وزراعة الشعر وإزالة الشعر و.......الخ.
انتشرت مؤخراً مراكز التجميل في المحافظات المختلفة من الوطن وبدأت بحملات تسويقية عبر مواقع التواصل الاجتماعي وعبر المنشورات والمطويات التي توزع على المارة وعلى الإشارات المرورية لتسقطب فئتها المستهدفة بجميلِ العبارات التي تحفز  الناس للتوجه طبعا إلى تلك المراكز، وعند زيارة الأخيرة تجد مجموعة من الشابات الجميلات تعمل هناك وأغلبهن من العاطلات عن العمل أو الباحثات عن العمل فتجد أنهن ذوات تخصصات مختلفة ومنهن الحاصلات على درجة الدبلوم المهني في السكرتارية والإدارة وخلافه، وقليل جدا منهن مختصات في مجال التجميل بشكل عام، وأيضا انتشر مع تلك المراكز الأجهزة الالكترونية والكهربائية المختلفة التي لا نعرف نحن كجمهور إذا كانت تراعي المواصفات والمقاييس العالمية والصحية، حيث التقيتُ ببعض الحالات التي تعرضت لحروق في الجسد وأخريات في الشعر بعد التعرض لأشعة الليزر أحياناً ومرات أخرى حرق الشعر بسبب المواد الكيميائية المستخدمة، وحدثتني صديقتي عن دفعها لمبالغ كبيرة لإزالة الشعر من خلال الليزر مؤكدةً لها من استخدمت الجهاز أنه لن يعود أبدا، وهي اليوم تعاني كما أخبرتني من عودة الشعر ليس فقط في أماكن أُزيلَ منها بل انتشر في مواضع أخرى لم يكن ينتشر فيها سابقاً، وعند مراجعتها للمركز أخبروها أن ربما لم تلتزم بالتعليمات أثناء تعرضها لليزر أو أن تتعرض لخلل في الهرمونات.
الظاهرة الأكثر خطورة اليوم هي الأجهزة المتنقلة بين بعض السيدات، أجهزة إزالة الشعر بالليزر ونفس الجهاز تكون فتاتان تمتلكانه وكل مرة يكون مع إحداهما، وهما من غير المختصات أبداً بالتجميل، وتلك الأجهزة تتنقل بين المحافظات وبين صالونات التجميل وعليها إقبال شديد وزبائن كثيرات طبعا اتحدث عن النساء الآن، كنت في إحدى صالونات التجميل فأقبلت علي فتاة مهندسة تبادلنا أطراف الحديث فبدأت تقنعني بالأمر حيث أنها تمتلك الجهاز، وسألتها العديد من الأسئلة فاختصرت بأن الجهاز من "إسرائيل" وأنها تدربت على استخدامه وأن زبوناتها فرحات ولم تتعرض حتى اللحظة لأي نقد أو ملاحظة من إحداهن.

أنا لستُ اعترض على العيادات الطبية التي يملكها ويديرها أطباء مختصون يمتلكون معدات وأجهزة طبية مُرخصة من قبل وزارة الصحة حيث تراعي المواصفات والمقاييس التي يجب أن تتوفر فيها، لأن في هذه الحالات الطبيب هو المسؤول الأول والأخير عن الأضرار الجانبية التي قدْ تحدث مع المرضى أو رواد العيادات الطبية من جهة، أما الجانب الأهم أن الطبيب مختص ويعرف تماما ما يقوم به خاصةً أطباء الجلد وأطباء الجراحة والتجميل وكل ذي اختصاص في تخصصه.
منذ وأن انتشرت الفضائيات المتخصصة والخاصة ووسائل الإعلام الجديدة ومواقع التواصل الاجتماعي ارتفعت نسبة توجه الناس ذكوراً وإناثاً نحو تلك العمليات من شد الوجه والتخلص من التجاعيد وشفط الدهون وقص المعدة وزراعة الشعر للتخلص من الصلع وإزالة الشعر بالليزر وعمليات أخرى للحصول على المظهر المثالي الذي يحلم به كل شخص لنفسه، أنا لا اعترض على ذلك وأرى أنه من حق كل إنسان تجميل نفسه بالطريقة التي تناسبه، لكني احتج على فتح تلك المراكز بدون مراقبة وإن استطاع البعض الحصول على تراخيص لها، لكن ليست كل الأجهزة فيها تتمتع بمعايير الجودة وليس مهيأة لمنطقتنا والسكان الذين تختلف بشرتهم مثلا عن بشرة الأوروبي، وهناك حالات تعرضت فعلا للحروق والحساسية والضرر الجسدي خاصةً الجلدي، ناهيك عن المنتجات الغريبة التي يتم بيعها على إنها تحرق الدهون مرة، وتُنعم الشعر مرة، وتمنع ظهور الشعر في الجسم مرة، وكريمات البشرة التي تجعلها بشرة فاتحة وخالية من البثور والتجاعيد وأمور أخرى.
اعتقد أن كل إنسان خلقه الله هو جميل لكنه لم يعرف بعد كيف يظهر جماله، سواء بمظهره أو بجوهره، وأنا شخصياً احبذ أن نراعي الطبيعة والوسطية والاعتدال في حياتنا كتناول الطعام الصحي والابتعاد عن الطعام السريع والمشروبات الغازية والمواد الحافظة وأن نمارس الرياضة بقدر المستطاع والتوجه نحو الجراحة والليزر وغيره في الحالات المستعصية.
نجحت كل الوسائل الإعلامية بوجود الانترنت نجاحاً كبيراً في خلق توجه عام نحو التجميل لكنها لم تنجح أبدا في زرع قيم إيجابية تجعل البشر أكثر جمالاً بسلوكياتهم نحو النظافة والقراءة والعمل الاجتماعي واحترام المرأة والأسرة و.........الخ، بل زادت العنف وروح العدائية والطبقية بين الأغنياء والفقراء وخلافه وأوجدت تصرفات وسلوكيات دخيلة على مجتمعاتنا.
اليوم هناك رسائل ودعوات كثيرة يجب توجيهها إلى الكثيرين، أولها المواطن "ذكر/أنثى" عدم التوجه إلى الحلول الأسرع دون المحاولة لحل المشاكل الصحية أو المرتبطة بالجمال والبشرة والجسد، وعدم الثقة بكل ما نسمعه ونراه في الإعلام بهذه السرعة، والرسالة الأهم هي إلى جهات الاختصاص الرسمية التي تمنح التراخيص بمراعاة المقاييس والمعايير الخاصة بالجودة وسلامة المواطن ومراقبة تلك المراكز والأجهزة التي تمتلكها ومدى صلاحيتها ومناسبتها للاستخدام، أما أصحاب المنتجات والأجهزة التجميلية مراعاة الله أولا وأخيرا في البيع لمنتجات مشكوك فيها خاصة بأسعار تفوق القدرة.

أما المشكلة العميقة في صناعة الإعلام نفسه وما تبثه وسائله على اختلافها فهي تحتاج إلى دراسات معمقة وليس فقط مقال أو تقرير.

2016-04-27