الأربعاء 28/10/1442 هـ الموافق 09/06/2021 م الساعه (القدس) (غرينتش)
بين النداء القوي والرجاء الذليل حكاية!...م . زهير الشاعر

يبدو للعيان أن الرئيس محمود عباس مد يده لأبناء شعبه قاطبة من خلال كلماته التي هنأ خلالها الشعب الفلسطيني بشهر رمضان بالأمس حين قال هذه يدي ممدودة بالود والإخاء لكل فلسطيني لنكون شعباً واحداً ولا مكان بيننا لداعي سلطة أو فتنة، لكن في تقديري أن الأمر يحتاج إلى تفسير ولا يقتصر فقط على النظر إليه كما هو.                                                                                                                     

الرئيس عباس تحدث عن غزة المكلومة ولم يتحدث عن أسباب ذلك وما علاقته به ، الرئيس عباس تحدث عن غلاء الأسعار وتجاهل أسباب ذلك ، الرئيس عباس تحدث عن المرأة الفلسطينية وتجاهل ما يحدث لها كل يوم ومسبباته!.                                                                                                                   

أولاً وبشكل مباشر أستطيع القول بأن الوحي الإنساني لم يطل على الرئيس عباس فجأة وبدون مقدمات، ولكن مع إدراكه يقيناً بأن الوضع بات يغلي وبأن مؤشرات التمرد الداخلي على حكمه بدأت واضحة وبأن جهاز المخابرات العامة لديه بدأ يحذره من خطورة الوضع، وبأن هناك ضرورة للتخفيف عن الناس وإعطائهم أمل ومد يد المصالحة إليهم هو أحد اسباب هذه المبادرة الرئاسية ولكن أستطيع القول أيضاً بأن السبب الرئيسي وراء هذه المبادرة هو خيبة الأمل من مؤتمر باريس والفشل في تسويق نتائجه التي رفضت من كل الفصائل الفلسطينية وذلك للشارع الذي لم يعد يأبه لوجوده كرئيس، كما أن عصا القاهرة كانت غليظة في هذه المرة وليس فيها مزاح وأنها على ما يبدو مصرة بجدية على أن ترعي مصالحة فلسطينية فلسطينية ناجحة من خلال البدء بمصالحة فتحاوية فتحاوية وفتحاوية فياضية وبالتالي أغلقت جميع الأبواب أمام المناورات إلا باب خفض جناح الذل حتى يكون هناك مجال لإنقاذ ما يمكن إنقاذه خاصة أن النوافذ باتت جميعها مغلقة تقريباً وأن فوضى خلاقة أصبحت تلوح في الأفق ولربما بدأت بالفعل في شوارع الضفة التي حافظت على وجود الرئيس عباس في منصبه حتى اللحظة والتي باتت لا تحتمل المزيد من فساد منظومته وعربدة الكثيرين ممن هم محسوبين عليه وتحمل أعباء تفوق طاقة المواطن هناك نتيجة قمع الحريات والغلاء والإستغلال.                                                                                                                      

كما أن الجميع بات يدرك أن الرئيس عباس لم يعد يتمتع بكامل صحته كما كان قبل عدة أشهر وكان هذا واضحاً جداً خلال كلمته الهادئة والتي حملت نداءاً أستطيع القول بأنه لربما جاء متأخراً جداً، بالرغم من أنه نداءاً حكيماً ومسؤولاً خرج بقوة ولكنه كان يحمل للأسف صورة رجاء ذليل! ، حيث أن الرئيس عباس يدرك بأن الأقوال لم تعد تنطلي على كل أطياف الشارع وتحتاج إلى مصداقية من خلال الأفعال وما هو موجود الأن من أفعال على الأرض يتنافى كلياً مع هذه الأقوال حيث أن سرقة مقدرات الوطن تتسارع وتيرتها!.     

فمثلاً بالنسبة لغزة المكلومة كما أصبح يراها الرئيس عباس فجأة تبكي دماً ووجعاً وألماً لأنه سبباً في ألامها وحصارها وإذلال أهلها وإغلاق البيوت العامرة فيها ، فهل نسي بأنه هو من صادق على قطع ارزاق أبنائها أم نسي بأنه هو من رفض القيام بزيارتها حتى اللحظة بالرغم من تعرضها لأربعة حروب مدمرة ؟!، ولو فرضنا جدلاً بأن الرجل لم يكن يتذكر ذلك ورجعت له الذاكرة فجأة فالأولى بالأولى بدلاً من الكلام وحبك مسرحية جديدة ودغدغة المشاعر والإلتفاف على الحقائق ، أن يحزم حقائبه ويعطي الأوامر ويصدر القرارات للبدء بزيارة غزة وأهلها المكلومين حتى لو لساعة واحدة ويعيد الحقوق لأصحابها ويفتح البيوت التي أغلقها وأهان أهلها وجرح نسائها وداس على كرامة أطفالها من خلال فساد منظومته المجرمة!،  أم أنه لا زال لا يرى ذلك ومسبباته؟!.                                                  

فكيف لا، وبالأمس القريب أصدر الرئيس محمود عباس عدة مراسيم رئاسية لأطفال أنابيب جعل منهم سفراء كما أصدر قرار لزوجة وزير متقدم  في حكومة الوفاق الوطني بدرجة مستشار أول للعمل في عاصمة أهم دولة في العالم لكي تستكمل أوراق إقامتها وللحصول على جنسية هذه الدولة! ، كما أعطى صلاحية شراء بيت كمحل إقامة لسفير بثماني مائة وخمسين ألف دولار علماً بأن هذا السفير إبتعث بعد السن القانونية للتقاعد وممكن أن يغادر البلد المضيف للتقاعد المستحق في أي وقت مع أي تغيير للظروف السياسية الفلسطينية ولربما لأسباب أخرى!، فكيف لنا أن نصدق هذا النداء بأنه نداء قوي وصادق وإنساني وليس رجاء ذليل جاء نتيجة  ظروف محيطة أضعفته فبدأ يستشعر بأن الأرض بدأت تتحرك  تحت الأقدام وأن النهاية إقتربت وبأن هذه العام بات يحمل هذه النهاية لهذه المنظومة الفاشلة والفاسدة والظالمة ولا ضمانة لأحد ظلم أو إستباح كرامة أبناء هذا الشعب!، فمن هو الذي ممكن أن يسامح من أجل هذا الكلام وغيره طالما بقي بدون أن يرى أفعال حقيقية وواضحة ومباشرة بدون اي حاجة لأي تفسير سوى رد الإعتبار وإعادة  الكرامة وصناعة الأمل ووقف الفرقة والتشتت والإنقسام؟!.                                                                                 

أيضاً لا شك بأن موقف أعضاء المجلس الثوري المشرف وظهور علامات تمرد وشيكة  من خلال معلومات بأنه ربما يكون هناك تحرك لأعضاء هذا المجلس بالتنسيق مع أفراد من أصحاب النفوذ في الأجهزة الأمنية الفلسطينية ولربما ينضم إليهم السلك الدبلوماسي الفلسطيني، قد أربك الرئيس عباس وجعله يتحدث بلسان الأب مستجدياً  بذلك الإبتعاد عن الفتنة وبأنه يمد يده لكل فلسطيني!.                                                   

أخيراً أقولها بوضوح ، سيادة الرئيس محمود عباس إن الله لا يغير ما في قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، فكما خاطبت شعبك بهذه الطريقة المسؤولة بظاهرها وعبرت عن أن يدك ممدودة بالود والإخاء لكل أبناء شعبك،   يجب عليك بالفعل لا بالقول إتخاذ خطوات عملية وقرارات صارمة لتطمئن بها شعبك وتعيد من خلالها الحقوق لأصحابها وتوقف المحسوبيات وتحد من تغلغل الفساد الوقح الذي يجتاح المؤسسات الفلسطينية وأن تضع قيوداً على التمييز الهمجي والممنهج الذي تمارسه بعض الجهات بفوقية من خلال تفضيل  أبناء من يسمون أنفسهم بالعائدين وذلك على أبناء الداخل وحقوقهم وكرامتهم،  حتى تخرج هذه الثقافة من بين الناس في المعاملات، ولا يصبح هناك تزايد في حدود الأحقاد، حينها بالفعل ستكون الرئيس الأب ، لأنه كما يبدو بأن الناس وصلت إلى حد لا تستطيع أن تصدق أو  تستقبل أي كلمات بل أصبحت بحاجة ملحة إلى أفعال تليق برئيس دولة أو سلطة إن قال فعل  وإن وجه نداء كان قوياً وإن إضطر للرجاء لا يكون ذليلاً !.

2016-06-07