السبت 30/9/1441 هـ الموافق 23/05/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
بيتٌ يُجمِّع....د. حاتم عيد خوري

عندما  رويتُ لصديقي فارس قصة "عندما يصبح الحجر وطنا" ، لم يدر في خلدي آنذاك، ان فارس سيُتحفُني بقصة غريبة هي اقرب الى الخيال منها الى الحقيقة، مؤكدا لي انها قصة واقعية بدليل المواقع المعروفة والاسماء المألوفة، وطالبا ان اعده بنشرها باسماء مستعارة منعا لاحراجٍ قد يشعر به بعضُهم. وها انا ابرُّ بوعدي وانشرها على ذمة الراوي:

كان ابو جميل احدَ التجارِ المعروفين في حيفا في مطلع الانتداب البريطاني على فلسطين. وضعُه الاقتصادي مكّنه من بناء بيتٍ فخم في الجهة الجنوبية الشرقية من حيفا، على المنحدرات الدنيا لجبل الكرمل. يُطل البيتُ على ميناءِ حيفا حديثِ الانشاء آنذاك وعلى محطة سكة الحديد التركية والخليج ومصب نهر المقطع. كان البيت مبنيا من الحجر الاحمر المنحوت ومكونا من طابقين، ومزدانا باقواسٍ معمارية جميلة ومحاطا بسور يحتضنُ حديقةً تتوسطُها بركةٌ صغيرة ونافورة ماء، وتجلّلُها عريشةُ عنب بجوارها ياسمينة ذات عبقٍ فوّاح يعطّر فضاءَ الحديقة ويتسلّل الى ارجاء المنزل. في هذه الاجواء المنعشة، ولِد ابنُه جميل في اواخر الثلاثينات من القرن الماضي، وعاش مع والديه اللذين لم يُرزقا باولاد سواه، حتى هُجِّروا من هذا البيت سنة 1948 مرغمين تحت وطأة القصف والعمليات العسكرية التي دارت رحاها على خطوط التماس المجاورة للبيت، ما بين القوات اليهودية والعربية.

إستقرت العائلة في عمان، حيث تمكن ابو جميل بجهدٍ كبير، مُوَظِّفًا كفاءاته التجارية ورصيده المالي النقدي الذي حمله معه، أن يستعيد، خلال عقد واحد من الزمن، بعضا من النجاحات المالية السابقة، مما وفّر له ولاسرته عيشا كريما  متوّجا بتزويج جميل من فتاة اصولها حيفاوية، وولادة ولي العهد حفيده المكنى مداعبة بِ "ابو جميل الصغير".  لكن فرحة ابي جميل هذه لم تكتمل بتحقيق امله المنشود المتمثل بالعودة الى حيفا وتكحيل عينيه برؤية بيته هناك، إذ توفاه الله في اواخر سنة 1966، تاركا مسؤولية الاسرة والتجارة لابنه جميل الذي اثبت أنّه "قدّ الحمْل وزيادة".

تطورت تجارةُ جميل كما كبُرت اسرته سنة 1968 وذلك عندما احتضن وزوجتهُ توأمين شقيقتين لِ"أبي جميل الصغير"، اسموهُما فريدة وليلى على اسم والدته وحماته. تطوّرُ التجارةِ واتساعُ الاسرة لم يقلّص من دعم جميل للحركة الوطنية الفلسطينية في عمان، ممّا جعله، كما يبدو، مسْتهدَفا. وهكذا، ما إن انفجرت مذبحة ايلول الاسود سنة 1970، حتى تعرض بيتُه ليلا لقذيفةٍ حارقة أجهزت نيرانُها على البيت كاملا باستثناء غرفة التوأمين، فقَتلت جميلا ووالدتَه وزوجتَه وابنَه البكر، تاركة التوائمين الطفلتين فريدة  وليلى، في رعاية عبدالله صديق والدهما. لقد انبرى عبدالله لهذه المهمة بحماس وتفانٍ رافضا التخلي عنهما، رغم الظروف المأسوية التي كان يعيشها هو ايضا، ككل الفلسطينيين الاخرين. غير أنّ وصول فؤاد خال الطفلتين من الكويت، جعل عبدالله يوافق ولو على مضض، ان يتقاسم فؤاد معه مسؤولية الطفلتين.

إنتقلت ليلى الى رعاية خالها فؤاد الذي عاد بها الى الكويت، بينما استمر عبدالله متمسكا بفريدة. لكن عندما تدهور الوضع في عمان، قرر عبدالله الرحيل الى بيروت مع اسرته آخذا فريدة معه باعتبارها اضحت واحدة من بناته. كان فؤاد وعبدالله يتهاتفان احيانا، للاطمئنان المتبادل على الطفلتين. وتيرةُ هذه المهاتفات اخذت تقلُّ تدريجيا ثم ما لبثت ان انقطعت نهائيا غداة انفجار الحرب الاهلية في لبنان سنة 1975، ورحيل عبدالله المفاجيء من بيروت الى مونتريال في كندا.

إنقطاع الاتصال بين الشقيقتين التوائمين إزداد إحكاما بعد موت ام فؤاد جدة الطفلتين لامهما، وهجرة ابنها فؤاد سنة 1976 من الكويت الى مدينة تورنتو في كندا مع اسرته ومع ليلى ابنة اخته التي اصبحت هي ايضا وكأنها واحدة من اولاده...هذا الانقطاع الكامل لم يسعفه ندمُ كلٍ من فؤاد وعبدالله بعد ان فات الاوان وفقد كل منهما اثر الآخَر.

رغم قصور فؤاد وعبدالله في المحافطة على الاتصال بين الشقيقتين، إلا ان كلا منهما على حده، كان وفيًّا من حيث حرصهما على تعريف كلٍّ من الشقيقتين بوجودِ شقيقةٍ لها وبجذورها الفلسطينية الحيفاوية،  وباوصاف بيت جدها ابي الجميل في حيفا وبحنين والدها الى ذلك البيت.....فانتقلت تلك المشاعر الى كلٍّ من الشقيقتين كما عشّش الحنينُ في اعماق نفسيهما، لمجهولين: شقيقتها اولا وبيت جدها في حيفا ثانيا. كانت كلٌّ منهما تُدرك، على إنفراد طبعا، ان زيارة حيفا امرٌ متاح لمن يحمل جواز سفر كنديا، اما امنية العثور على الشقيقة ، هيهات لها ان تتحقق...

مرت الايام ولم تتمكن الشقيقتان من الاتصال ببعضهما، ناهيك عن تلاقيهما. لربما بات هذا الموضوع بالنسبة لكل منهما امرا ميؤوسا منه. إزاء هذا الوضع، قررت فريدة ان تأخذ المتيسر وتترك حاليا المتعسر. صمّمت مع زوجها واولادها ان يحتفلوا بعيد ميلادها الاربعين في حيفا. انهوا خلال اسبوع واحد ترتيبات سفرهم. وما ان وصلوا الى حيفا، وقبل ان يرتبوا اغراضهم في الفندق، سارعت فريدة الى الاتصال بصديقتها الحيفاوية سعاد التي كانت في حينه، قد تعلمت معها في جامعة كونكورديا في مونتريال. سعاد عادت فاكدت لفريدة مرة اخرى على الهاتف، ان بيت جدها ابو الجميل ما زال قائما ويسكنه حاليا احدُ معارفها وهو معلم متقاعد اسمه الاستاذ إحسان...لم يكن بامكان فريدة  ان تنتظر اكثر. طلبت من صديقتها سعاد ان تحضر فورا الى الفندق... إعتذرت فريدة من زوجها واولادها. إنضمت الى صديقتها سعاد التي حضرت للتو في سيارتها. إنطلقت السيارة ميممة شطر البيت الذي تاقت لرؤيته على امتداد نحو اربعة عقود متتالية....

رحّب الاستاذ إحسان بالقادمتين، متيحا لهما فرصة زيارة البيت والحديقة. بدا  له ولزوجته ايضا، وجهُ فريدة مألوفا. أثار هذا الامر استغرابَهما فاستفسرا منها عمّا اذا كانت قد زارتهما سابقا. نفت فريدة ذلك بصورة قاطعة قائلة لهما بانها تزور حيفا لاول مرة في حياتها. هذا الجواب لم يُقنع ابدا الاستاذ احسان، إذ رغم كونه في العقد السابع من عمره كان يتمتع بذاكراة مميزة جعلته يتذكر زيارتها السابقة قبل نحو خمس سنوات. إزاء نكرانها هذا، عاد احسان ليمعن النظر في وجهِها ولغةِ جسدها فيزداد قناعةً بانها قد زارتهم سابقا، خصوصا عندما تذكر انها كانت قد اعربت عن استعدادها لشراء هذا البيت وتركت لديهم رقم هاتفها في كندا. إذن لماذا تُنكر زيارتَها تلك؟! ولماذا تقدّمُ نفسَها اليوم باسمٍ آخر؟! لا شك ان هناك سرا تخفيه....

قرر إحسان ان لا يكشف لها عن تخوفاته منها وشكوكه بصحة حديثها لئلا يتصادم معها، بل فضّل ان يستدرجها في الحديث، عسى ان تكشف عن السرّ الذي تخفيه، فسألها عن اخبار والديها واخوتها...إحتقن وجه فريدة وارتجفت شفتاها وسالت مآقيها قبل ان تتمكن من سرد قصتها مع ملاكِ موت مدسوسٍ إنتزع منها والديها وجدتَها وشقيقها، وكذلك مع ملاكيّ الرحمة اللذين جعلتهم ظروفُ الحياة القاسية يُغفِلان المحافظة على خيط التواصل بينها وبين ليلى شقيقتها التوأم، فانقطع هذا الخيط منذ اكثر من ثلاثة عقود، واضافت بقلب متحسِّر وبكلمات مغتسلة بالدموع: "هيهات لهذا الخيط ان يتصل".

حديث فريدة وقضية شقيقتها التوأم، جعلا الاستاذ احسان يستأذن بحُجَّة ذهابه لاعداد فنجان قهوة، تاركا سعاد وزوجته تكفكفان دموع فريدة. تسلَّلَ الى غرفة مكتبته. تناول الورقة التي عليها رقم الهاتف الكندي الذي يحتفظ به منذ خمس سنوات، شغّل جهاز السكايب(Skype) وضغط ذات الارقام. سمع إحسان رنين الجرس فاصغى بكل جوارحه وهو يحدّق بالشاشة ليرى من سيطل عليه. صُعِق عندما راى على الشاشة ذات السيدة الكندية التى زارتهم قبل خمس سنوات. بعد ان حيَّتْه قالت له: "هل قررتَ اخيرا ان تبيعني البيت؟". قال لها: "ارجوك ان تنتظري على الخط". هرول الى غرفة الضيوف معقود اللسان، سحب فريدة من يدها قائلا لها: "شخص يطلبك على السكايب". مشت فريدة معه، تتبعها سعاد وزوجته. نظرت فريدة الى الشاشة. ظنت للوهلة الاولى انها تقف امام مرآة تعكس صورتها، ثم ما لبثت ان ادركت بعد ثوانٍ قليلة، انها امام سيدة تشبهها الى حدّ التطابق. صرخت من اعماق قلبها: "خيتا حبيبتي ليلى"  فجاءها الرد المشتهى: "خيتا حبيبتي فريدة". انهالت كل منهما تقبيلا على الشاشة التي امامها، وهي تجهش بالبكاء، ساحبة معها جميع المحيطين بها...

قالت فريدة للاستاذ احسان بعد ان هدأ روعها: "لقد جمعتَ شملنا". أجابها احسان: "بيتكم هو الذي جمع شملكما".

[email protected]

 

2016-06-09