الأربعاء 28/10/1442 هـ الموافق 09/06/2021 م الساعه (القدس) (غرينتش)
فلسطينيياً ماذا يعني لنا الإنفاق التركي الإسرائيلي ؟ ورقة موقف...حسن حسين الوالي

 

 إعداد : حسن حسين الوالي – غزة فلسطين:

 

تمهيد :

في اواخر عام 2003م كنت أشغل موقع مدير أمن منطقة غزة الصناعية , وفي تلك الفترة زارها وفد تركي من رجال الأعمال أجتمع بهيئة المدن الصناعية ووزارة الاقتصاد و رجال اعمال من غزة ,هذا اللقاء الذي شاركت فيه بصفتي الرسمية أوضح فيه الضيوف الأتراك رغبتهم في تعزيز العلاقة مع فلسطين على الصعيد الاقتصادي و استعدوا أن يلعبوا دور طرف ثالث بين الفلسطينيين و الإسرائيليين على صعيد العلاقات الاقتصادية وممكن على صعيد العلاقات السياسية والأمنية , ولم يخفى الضيوف اهدافهم السياسية  الإستراتجية من هذا الحراك وهي بأن تركيا تريد أن تأخذ لها دور إقليمي في المنطقة والقضية الفلسطينية هي مركز العلاقات الإقليمية والدولية من ناحية الأهمية حسب  ما صرحوا به.

هذا اللقاء الإستكافي إنتهى وأعقب عدة زيارات ولقاءات أخرى كان نتيجتها  توقيع عقد بينهم وبين هيئة المدن الفلسطينية بخصوص شراكة في مدن صناعية وأولها منطقة "إيرز " بيت حانون الصناعية , وتضمن العقد أتفاق على أن يتم إدارة منطقة " إيرز" بيت حانون القديمة بشراكة ثلاثية إسرائيلية تركية فلسطينية و يتم توسعتها وتخصيص حوالي 500 دونم من الأرض لها  كأنموذج يمكن أن يبني عليه في المستقبل وذلك لتوظيف حالة الثقة التي يوليها الإسرائيليون للأتراك على الصعيد الامني في تخفيف الحصار عن قطاع غزة ببناء منظومات مراقبة وإدارة وتفتيش في المناطق الصناعية والمعابر المشتركة مع إسرائيل تشارك تركيا في الإشراف عليها لتقديم ضمانة وثقة للإسرائيليين .

تسارعت الأحداث و لم ينجح مشروع الشراكة الثلاثي ولم تقام منطقة بيت حانون الصناعية .

وأخذتنا الأحداث بعيداً على صعيد الأوضاع الداخلية الفلسطينية ـ التعقيدات الإقليمية والدولية ، في سنوات شهدت إرهاصات كثيرة وتحولات إستراتجية وانهيار تحالفات وتشكيل أخرى.

والآن يبرز على السطح الاتفاق التركى الإسرائيلي الذي هو ... إتفاق دقيق جداً على صعيد توازن المصالح الإسرائيلية التركية ... ويعكس طبيعة العلاقة الإستراتجية التاريخية القائمة بينهما ليس من اليوم بل على مدى عشرات السنين منذ خمسينيات القرن الماضي وهي علاقات قوية متعددة المجالات اقتصادية وأمنية وعسكرية وثقافية تكاد تصل لدرجة التحالف .

تلك العلاقات التي تم إعادة صيانتها مما أصابها من تأثيرات بسبب الحراك التركي في الفضاء العام الإقليمي كما وتم تحديد معالمها والتأكيد عليها من جديد في ذلك الاتفاق المعلن في 27/6/2016م بين إسرائيل وتركيا ..

فلسطينيا ماذا يعني لنا هذا الاتفاق ؟

سياسياً :

على صعيد الموقف الدبلوماسي والسياسي العام لم يخرج هذا الاتفاق عن الموقف الإسرائيلي

تجاه قطاع غزة والقضية الفلسطينية وهو موقف لن يخرج عن الحالة النمطية التي باتت سائدة وللأسف ، والتي تحاول إسرائيل تكريسها عبر عشرات السنين ، بأننا شعب بحاجة لإغاثة إنسانية و لا يحق لنا أي شكل من أشكال الكينونة السياسية ، كما وأن البنود التفصيلية المتعلقة بغزة في هذا الإتفاق لم تخرج عن سياق إتفاق أوسلو. الذي تم توقيعه بين منظمة التحرير وإسرائيل في عام 1993 م ، فمحطة التحلية و محطة توليد الكهرباء كمشاريع إنسانية وكذلك الترتيبات الأمنية والاقتصادية كما سيتضح لاحقاً. كلها وردت في ملاحق إتفاق أوسلو .

أمنياً :

 الترتيبات المتعلقة بالممر الآمن للبضائع التركية إلى قطاع غزة من ميناء أسدود إلى قطاع غزة الوراد في هذا الإتفاق  تستند على نفس المبادئ التي تقوم عليها سياسات إسرائيل في إدارة المعابر والتحكم في مرورالبضائع والأفراد إلى قطاع غزة تلك المبادئ التي تقوم على أساس مبدئي  "ضمان حاجات إسرائيل الأمنية " و احتفاظ  إسرائيل بحق التحكم والمراقبة والتفتيش لكل شيء يدخل قطاع غزة ، ويبرز في الإتفاق الدور الأمني التركي الذي أشرنا لها سابقاً من خلال توظيف  حالة الثقة التي يوليها الإسرائيليون للأتراك على الصعيد الامني في تخفيف الحصار عن قطاع غزة ببناء ومشاركة تركيا في الإشراف علي حركة البضائع إلى قطاع غزة  لتقديم ضمانة وثقة للإسرائيليين .

اقتصاديا :

سيسمح هذا الاتفاق بمشاركة  تركيا لإسرائيل في  توريد البضائع لقطاع غزة وهو أمر سيؤدي بدوره إلى غياب التنافسية وظهور سلوك احتكاري لدى التجار والموردين والمؤسسات التجارية ، كما يمكن الإشارة إلى أن إسرائيل المستفيد الكبير من السوق الغزى الاستهلاكي الذي يوفر لها مصدر مالى بمليارات الدولارت ستلجأ إلى " إتفاقية باريس " الاقتصادية في حال بروز أي تأثير اقتصادي سلبي لهذا الاتفاق على صعيد ما تجنيه من قطاع غزة من أرباح بحيث توازن بين العوائد الاقتصادية التي ستجنيها نتيجة استخدام موانئها و مرافقها التجارية المختلفة ، وبين الضرر الحاصل في ميزانها التجاري مع قطاع غزة نتيجة منافسة البضائع التركية ، فتقوم بفرض رسوم جمركية لرفع أسعار السلع التركية وتفقد قدرتها على منافسة البضائع الاسرائيلية في السوق الغزي.

الخلاصة :

الإتفاق الإسرائيلي التركي الأخير الذي حقق فيه الطرف الإسرائيلي والتركي مصالحهم المشتركة ، فلسطينياً ليس له أي أبعاد دبلوماسية أو سياسية إيجابية علينا  ، و لا يخرج عن الحالة النمطية التي باتت سائدة وللأسف ، والتي تحاول إسرائيل تكريسها عبر عشرات السنين ، بأننا شعب بحاجة لإغاثة إنسانية و لا يحق لنا أي شكل من أشكال الكينونة السياسية .

ماذا كنا نتوقع من تركيا أو أي دولة أخرى هل سيكونوا ملكيين أكثر من الملك ؟ هل سيقدموا مصالحنا على مصالح شعوبهم ؟

فما  حاولت تركيا تقديمه فلسطينياً في السابق عام 2003م ضمن شراكة ثلاثية : فلسطينية إسرائيلية على المستوى السياسي والدبلوماسي اليوم تقدمه في ظل غياب دور فلسطيني في قضية فلسطينية بحتة  ،  وإن كان هناك دور في الخفاء أو غير معلن والله أعلم  ففيه تكمن كل الشبهات لأن المثل الفلسطيني قال : " المتخبي ...."

فمتى يفيق الجميع من غيبوبة الكذب والخداع والمزاودة ويكف عن الرهان على الآخرين ويخرج من الصندوق ، ليأخذ هذا الشعب العظيم الأصيل الموحد صاحب العزة والكرامة  زمام المبادرة لنمتلك الإرادة والقدرة  على حماية قضيتنا من  التداول بين أيدى الدول تتقاذفنا مصالحها و ترمى بنا ذات اليمين وذات الشمال ونحن نعيش أوهام كاذبة بتحقيق الإنجازات التي لا تخرج من دائرة ما أرادته إسرائيل لنا .

2016-06-27