الثلاثاء 5/6/1442 هـ الموافق 19/01/2021 م الساعه (القدس) (غرينتش)
تعديلات كمبالا- مسرحية جديدة في الوقت الضائع !...م . زهير الشاعر

بالتزامن مع الغضب الإسرائيلي، بسبب رفض الرئيس الفلسطيني محمود عباس مقابلة الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين، شنت الصحف الإسرائيلية هجوماً شرساً على الرئيس عباس، وطالبته بأن يذهب إلى بيته لأن زمنه انتهى كما جاء في مقال للكاتبة الإسرائيلية سمدار بيري في صحيفة يديعوت احرونوت، والتي قالت له فيه: " أعتقد أنه يثير غضبك السماع بأن مصر والأردن والسعودية بل حتى وزير الخارجية الأمريكي جون كيري يستعدون لليوم الذي سيلي ذهابك! "، ومع ما لحق ذلك من بيانات اعتذار منفصلة عما جاء في الخطاب الذي ألقاه الرئيس الفلسطيني أمام البرلمان الأوروبي في العاصمة البلجيكية بروكسيل، والذي اتهم  فيه الحاخامات اليهود بتحريض حكومة بلادهم من أجل تسميم أبار المياه بغرض قتل الفلسطينيين!، ذلك بالرغم من نشر وزارة الخارجية الفلسطينية في نفس اليوم على موقعها الرسمي على الإنترنت خبراً يؤكد اتهامات الرئيس محمود عباس قبل الاعتذار عنها مفاده  “دعوة لتسميم المياه من الحاخام ملميد”، وطالبت باعتقاله!، فكان مستغرباً أن يصدر بيانين منفصلين واحد من الرئاسة الفلسطينية، وآخر من وزارة الخارجية كاعتذار عن سوء فهم ما جاء في الخطاب!، مما وضع الجانب الفلسطيني في مأزق ، يبدو بأنه السبب الذي دفع وزير الخارجية الفلسطيني د. رياض المالكي لأن يعجل بأن يعلن عن مسرحية جديدة مثيرة للضحك والسخرية تحت عنوان بأن : فلسطين قد وقعت صك انضمامها لتفعيل تعديلات "كمبالا" لنظام روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية ICC، والذي يُفعّل اختصاص المحكمة الجنائية الدولية ليسري على جريمة العدوان، الى جانب اختصاصاتها على الجرائم الأخرى، كجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وجريمة الإبادة!".

قبل الحديث عن هذا الموضوع لابد من الإشارة بأن الخطأ القاتل الذي وقع فيه الرئيس محمود عباس بعد حديثه ارتجاليا خارج النص المكتوب في خطابه، والذي دفعه للاعتذار كرئيس للشعب الفلسطيني، يتحمل مسؤوليته وزير الخارجية الفلسطيني الذي قدم له معلومات مغلوطة، وغير موثقة وبدون دلائل منه وإتهام الحاخامات اليهود بتحريضهم حكومتهم لتسمييم الفلسطينيين كما أشرنا أعلاه، مما أوقعت الرئاسة الفلسطينية في حرج كبير وجعلتها في وضع المدافع بدلاً من تطوير الهجوم الفلسطيني الدبلوماسي ليكون أكثر احترافا والبحث عن كسب المزيد من التعاطف الدولي، يجب معاقبته عليه!، وذلك بإقالته فوراً على أقل تقدير!، وتحويل ملفه بالكامل لهيئة مكافحة الفساد، لعل الشعب الفلسطيني يعيش تجربة حيوية ومهمة وغير مسبوقة في المحاسبة عند الخطأ فما بالنا عند الخطيئة!، ولو بالقليل بسبب دوره المشبوه في استفحال الفساد في السلطة الفلسطينية، وتدمير السلك الدبلوماسي الفلسطيني برمته، وإخفاقه منقطع النظير الذي لم يحصل منذ عشرات السنين في المحافظة على العلاقات الفلسطينية التاريخية والاستراتيجية على مستوى كثير من الدول الأفريقية، والأوروبية، وأمريكا اللاتينية، التي كانت تتمتع بعلاقات سياسية ودبلوماسية قوية تراجعت للحضيض بفضل سلوكه الدبلوماسي الغير سوي والذي كان يهدف لتفريغ هذه المؤسسة من مضمونها المهني والنضالي!.

أما بخصوص ما جاء حول ما يسمى بتعديلات كمبالا "العاصمة الأوغندية" ، نذكر بأننا تحدثنا مطولاً في عدة مقالات سابقة عن محكمة الجنايات الدولية، وقضايا جرائم الحرب التي تحدث عنها الوزير المالكي، والتي أهدر من أجلها ملايين الدولارات بدون فائدة تذكر مثل المنحة القطرية ( 5 مليون دولار) ، حيث تدرك القيادة الفلسطينية الحالية الحقيقة جيداً والتي تقول بأن أي قرار سيتخذ من هذه المحكمة في حال الحكم بالإدانة لن يكون ضد إسرائيل كقوة احتلال، وفي الأجل القريب بل سيأخذ سنوات طويلة تتراوح ما بين 10-15 سنة على أحسن الأحوال، وستكون ضد شخصيات تحمل المواطنة الإسرائيلية فقط كمجرمي حرب، وفق معاهدة روما 1998 لأنها ليست دولة عضو في هذه المحكمة ولا تخضع لقوانينها!، بالإضافة إلى أن قرارات محكمة الجنايات الدولية في المملكة الهولندية ليست ملزمة لإسرائيل.

وإن فرضنا جدلاً إمكانية حدوث ذلك فإن معظم الذين سيتم إدانتهم كمجرمي حرب يحملون جنسيات أخرى ستوفر لهم الحماية تحت إطار عضوية بلادهم، وقوة تأثيرها وصلاحياتها في هذه المحكمة ، ومع ذلك لا زال الوزير المالكي يصر على العبث في هذا الملف من خلال التلاعب في مصطلحاته المهنية كتغيير الأدوار والأدوات في مسرحية هزلية لا زال يمتهنها باحتراف، ولا يملها وهو يتغنى فيها مكلفاً لإلهاء الشعب الفلسطيني بالرغم من أنه يعلم يقيناً بأن مسرحيته هذه باتت مفضوحة الفصول، وأنه يتاجر بقضية لا تتوفر لها عوامل النجاح المحلية والخارجية!، وإن دل ذلك على شيء فإنه يدل على أنه بات من عشاق السينما، أو هواة المسرح للفنون والتمثيل بدلا من اهتمامه كأستاذ يحمل درجة الدكتوراه في الهندسة في موقع سيادي كوزير للخارجية، لعله يجد ضالته هناك!.

هذا ينطبق بالتأكيد على مسرحية الانضمام لمحكمة التحكيم الدائمة PCA التي تأسست في لاهاي في العام 1889 بقرار من وزير الخارجية الهولندي آنذاك، وذلك للنظر في النزاعات بين الأطراف المعنية، حيث أنها تفصل في النزاعات بين دولة ودولة أخرى، أو بين دولة ومنظمة دولية، أو بين دولة ومنظمة محلية أو شركة، أو بين منظمة دولية ومنظمة محلية،  كما أنها مفتوحة للجميع حسب القانون المتبع لدى المحكمة وحسب اتفاقية لاهاي للعام 1907، وبالتالي فإن قضية انضمام فلسطين لهذه المحكمة لا تتعدى سوى وهم في سياق سيناريو قبيح لم يحقق أي شيء يذكر بما يتناسب مع حجم حملة الدعاية حولها للتظليل وإشغال الرأي العام الفلسطيني بسرابٍ ووهمٍ لن يحقق لهم على أرض الواقع شيئاً، حيث أن قانون المحكمة لا يسمح بمناقشة أي نزاع بين دولتين إلا بموافقة كليهما رسمياً، وحيث أن إسرائيل ترفض كلياً الموافقة على مناقشة ملف فلسطين معها أو التحكيم بخصوصه من أي جهةٍ كانت، وهذا ما يدركه الوزير المالكي الذي يمارس التظليل للقيادة الفلسطينية!، مما يستوجب التساؤل حول ماهية الجدوى التي أرادها من الانضمام لهذه المحكمة أصلاً في ظل موازين القوى القائمة وضعف الموقف الفلسطيني نتيجة الانقسام وانشغال العرب بمشاكلهم الداخلية ودول العالم بمصالحها السياسية ومشاكلها الاقتصادية، على حساب الجبهة الوطنية الداخلية وتماسكها؟!.                                                                                

أخيراً نذكر الوزير المالكي الذي بدأ يقول بأنه عبد المأمور، بأنه ذهب بعيداً في عملية الاستخفاف بعقول الناس، وهو يحادثهم إنشائياً بتعريف الوظيفة المهنية لهذه المؤسسات بدون ذكر دوره، وما هي استراتيجيته (الفاشلة مقدماً) في إنجاح ذلك لضمان اعتماد جريمة العدوان كواحدة من الجرائم التي تحاسب عليها المحكمة الجنائية الدولية بشكل عملي يفيد الموقف الفلسطيني!، باعتبارها من أبشع الجرائم ويصاحبها ارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، وانتهاكات خطيرة للقانون الدولي، وحقوق الانسان، على أن لا يتناسى بالمقابل مواقفه المخزية أثناء الحرب على قطاع غزة، ومطالبته بقطع الكهرباء عن هذا القطاع، وأن لا ينسى أكثر، فساده الإداري الذي لا زال مسلسل فضائحه مستمراً وغيره في وزارته، والشبهات المالية المتعلقة بمبنى وزارة الخارجية الجديد، والتي تتولى التحقيق حولها بِصَمتٍ محكمة هيئة مكافحة الفساد، كما أنه يتوجب عليه من الناحية الأخلاقية والإنسانية أن لا يتناسى أيضاً بشاعة جريمته الإنسانية في حق أطفال أبرياء حرمهم من الحياة الطبيعية، وسلبهم طفولتهم وهو لا زال يتلذذ بمحاربتهم بسادية حيوانية لا تتفق أبداً مع حديثه عن الجرائم الإنسانية، لأنه في نفس الخندق مع المتهمين في هذا المجال ومن المفترض أن يُحَاكم ويقدم ضده ملف في محكمة الجنايات الدولية لا أن يتحدث باسم الضحية!.

تنويه : إن إعادة تطبيع العلاقات التركية الإسرائيلية هو شأن يخص الدولتين في سياق احترام سيادة الدول في تحديد علاقاتها الدولية ، وأي  نتائج تترتب على ذلك من رفع للحصار عن قطاع غزة وفتح ميناء بحري وتحفيز المنطقة اقتصاديا واستثمار عادل لمقدراتها من غاز وغيره هو أمر حيوي ولا يجوز للخارجية الفلسطينية أن تدعو لأن يكون التعاطي مع حالة قطاع غزة من خلال الحكومة الفلسطينية فقط كونها تقاعست عن اتخاذ دورها الوطني في تخفيف المعاناة عن أهل هذا القطاع البائس وإخراجه من مفهوم الحالة الإنسانية،  طوال السنوات الماضية وحتى يومنا هذا!.

2016-06-27