الإثنين 4/6/1442 هـ الموافق 18/01/2021 م الساعه (القدس) (غرينتش)
قصيدة النثر:مفهومها وجمالياتها...د. سناء عزالدين عطاري

تنتابنا الحيرة عند قراءة بعض النصوص الشعرية الحديثة، ويقفز إلى أذهاننا السؤال التالي: هل يمكن اعتبار هذه النصوص شعراً؟ أم أنها لا تمت للشعر بصلة؟ فيقول البعض إنه شعر حر. ويقول البعض الآخر إنه شعر منثور. والحقيقة أن مصطلح "قصيدة النثر" ما زال غامضاً بعض الشيء في أذهاننا، لذا أردت تسليط الضوء عليه، لعله يصبح أكثر وضوحاً. لقد أصبحت "قصيدة النثر" تحتل مساحة كبيرة في النتاج الشعري العالمي بشكل عام، وفي النتاج الشعري العربي بشكل خاص. ويعترض الكثيرون على مصطلح "قصيدة النثر" ويرونه يحمل التناقض في نفسه، فكيف يكون قصيدة ونثراً في آن واحد. وهذا الرأي مؤسس على موروث ثقافي إنساني، وهو أن القصيدة لا بد أن تؤلف على أوزان وإيقاعات، وأن النثر يخلو من هذا الوزن. وعرف قدامة بن جعفر الشعر بأنه: "الكلام الموزون المقفى". وخالف بعض النقاد القدامى تعريف قدامة بن جعفر الذي يحدد الوزن والقافية كإطارين مميزين للشعر، فالشاعرية الحقة لا تتوقف عند الوزن، بل هي التخييل المعبر عن أحاسيس متقدة، ورؤيا نافذة، شديدة العمق، ويكون التعبير الجميل مطيتها. فمن خصائص الشعر: التخييل، والأحاسيس، وجماليات الكلمة والتركيب، والرؤيا الشفافة. ومن هنا كان الرأي القائل بإمكانية أن يجمع هذا الشكل الأدبي "قصيدة النثر" بين الخصائص التي ذكرت آنفاً للشعر وبين جماليات النثر الممثلة في التحرر من قيد الوزن الشعري، والانطلاق في آفاق التحرر اللفظي والتركيبي الذي يتيحه النثر. وقد أضافت سوزان برنار في كتابها "قصيدة النثر من شارل بودلير وحتى الآن" والذي نشر لأول مرة عام 1958، خصائص عديدة لقصيدة النثر وهي: - الإيجاز، ويعني الكثافة في استخدام اللفظ سياقياً وتركيبياً. - التوهج، ويعني الإشراق، أي يكون اللفظ في استخدامه متألقاً في سياقه كأنه مصباح مضاء، إذا استبدلناه بغيره ينطفئ بعض البريق في الدلالة العامة وفي الجمال التركيبي النصي. - المجانية وتعني اللازمنية، أي أن يكون اللفظ غير محدد بزمن معين، فالدلالة متغيرة، حسب السياق والرؤية والتركيب، وتكون قصيدة النثر ذات دلالة مفتوحة، يمكن أن تفهم على مستويات عدة. - الوحدة العضوية، وتعني أن يكون النص كلاً واحداً، لا يمكن أن يقرأ بعيداً عن أي جزء من أجزائه. وهكذا نرى أن "قصيدة النثر" تتخلى عن موسيقىة الوزن والإيقاع لصالح بناء جماليات جديدة، وأساس هذه الجماليات: تجنب الاستطرادات والإيضاحات والشروح، وهي ما نجده في الأشكال النثرية الأخرى، وتبقي على قوة اللفظ وإشراقه، فقصيدة النثر تؤلف عناصر من الواقع المادي حسب الرؤية الفكرية للشاعر، وتكون هناك علاقات جديدة بين ألفاظ النص وتراكيبه، هذه العلاقات مبنية على وحدة النص، وهي ذات جماليات مبتكرة تعتمد على رؤية الشاعر للواقع المادي الخارجي بمنظور جديد، وتنعكس هذه الرؤية على علاقات الألفاظ، وبنية التراكيب، وقوة التخييل، وجدة الرمز. وهذا ما يقود في النهاية إلى إثارة الصدمة الشعرية كما تصفها سوزان برنار، هذه الصدمة الناتجة عن التلقي للنص الشعري، واللذة في هذا التلقي الناتج عن التأمل في بنية النص، وروعة جمالياته، ورؤياه الجديدة.

2016-06-27