الإثنين 17/12/1445 هـ الموافق 24/06/2024 م الساعه (القدس) (غرينتش)
فتاوى القحط و دعاوى الإبادة أهم دوافع الإرهاب....حميد طولست

.إن المتأمل لحال مجتمعنا ، المهتم بهمومه ، ليصاب بقدر كبير من الذهول ، وتضيع خيوط عقله في زحمة الأجواء المثقلة بغيوم التوتر الخانقة المخيمة عليه من جراء ما يحفل به من ظواهر سلبية عديدة متنوعة و مستنسخة ، أضحى المرء معها لا يتحمل وطأة قبحها الذي غدت مظاهره جلية غير خافية .

ظواهر خطيرة فرضت تساؤلات عديدة أقلقت الكثير ممن فطنوا لخطورتها ، وأرقت كل من حاولوا  سبر أغوارها أو إيجاد الأجوبة المنطقية لمسبباتها ؛ ومن بين هذه السلوكات : توحش المزاج الفتاوي لدى كافة شرائح الناس ، حيت تهافت الجميع على الفتوى ، فكترث وتكاثرت ولم تجد من يتصدى لها إلى أن وصلت إلى حدود لا منطقية ولا معقولة ، جرت وراءها  الفوضى العارمة التي عمت الشارع العربي الإسلامي عامة ، والمغربي خاصة ، فوضى في أبشع صورها وأسوء سلبياتها ، فوضى غزت كل المشاهد ، في إصرار لا محدود ، وإمتداد لامقطوع ، وتنام لا مشروط ، فوضى أفسدت على الناس نقاء عباداتهم ، وكدرت صفاء معتقداتهم ؛ فوضى شوهت مبنى الفتوى ومعنها ،  حتى باتت تشكل ذرائع وحجج للتدخل في حياة الناس الشخصية وإلتهام أمنهم وطمأنينتهم ،  وتكبيل فكرهم وتعطيل كل استثمار وتنمية في مجتمعهم .

غريب أمر مجتمعنا المتخم بالتناقضات والمفارقات التي يعيشها إنسانه عموما ، مثقفا كان أم لم يكن ؛ فرغم وجود جهات رسمية أنيط بها إصدار الفتوى في جميع فروعها ، المتعلق بالطهارة والصلاة وكل القضايا المعاصرة الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية ، فقد بلغت مجريات فوضى فتوى الانمحاء ، ودعاوى القحط ، وتعاليم الإبادة ، منعطفا أقل ما يمكن أن يقال عنه أنه كارثي ، بعد أن تعاظمت عند شيوخ الجهالة والضلالة شهوة التقليد الأهوج بامراضه وتشنجات شطحاته ، فإنبرى للإفتاء كل من لا يملك أدنى مقوماته (الإفتاء) المخصورة في حفظ القرآن الكريم وفهمه كاملا، والوقوف على أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم والإلمام بعلوم الفقه ومعرفة العرف والظروف الاجتماعية والتفتح على المجتمع المفتى فيه .

لقد تجرأ الكل على الفتوى حتى أضحت مهنة من لا مهنة له ، فأقبل عليها من هب ودب ؛ فهذا البائع المتجول بميولاته الذاتية الخاضعة لتكوينه النفسي ، والاجتماعي ، وفلسفته الخاصة  يصطنع أخلاقا على هواه يفتي بها في زبائنه ، وذاك الميكانيكي والخضار والعاطل رغم محدودية قدراتهم على الاستنباط ، ينتقون من الأحكام ما يحقق مآربهم يتغنون بها في محافلهم ، وكل منهم يتعصب لفتواه ويجمع حولها المريدين والمعجبين ، مشرعا لنفسه حق السلطنة عليهم . جماعات غير متوائمة ، لكل منها منظورها ونمودجها وطريقتها في تعريف نفسها وتحديد غاياتها -إن كانت لها غايات-مختلفون وبشدة حول ما لا يعرفون ، منقسمون جذريا حول ما لا يفهمون ، منشطرون أبدا ، غير قادرين على الإلتقاء على قاسم مشترك من المبادئ والقيم ، يشغلهم التهييج والإستقطاب ، والتنافسية الحادة لتنزيل التشريعات الأشد غلوا وتطرفا لنفي إسلامية (الآخر) ورفض حقه كليا في حرية التفكير والقول والسلوك والعمل ، فارضين نمط تدينهم على الدولة والمجتمع ، على أنه  هو المنظور الديني السليم ،و الطريق السوي اقويم ، والسلوك المقبول المؤدي إلى الجنة ؛ مثيرين بذلك النعرات ، مشيعين الكراهية والأحقاد بين الإخوة والأحباب ، مؤلبين عموم المواطنين ضد كل من لم يفكر بعقلهم ، ويتحرك بقناعاتهم ، ولم يلبس لبوسهم ، بدعوى مخالفته للشرع وسعيه إلى هدم الدين وإفساد الامة ، محولين تعاليم الإسلام السمحة إلى شوكية تدمي كل من إقترب منها ، زاعمين أن كل أفعالهم بما فيها (التقتيل) إنما هي إلهام من الرب العظيم .

إن الكراهية والتفرقة والتمذهب والتعصب والفردية والجبرية والإستسلامية والعبودية والتبعية والتخلف ، كلها أهداف قائمة في فتاوى زهاد ووعاظ هذا الزمان ، تجدها في صريح قولهم وفي لحنه ، لم يحصد منها الناس إلا المآسي والفتن ، لاعتمادها ثقافة الصراع والمواجهة المؤدي حتما إلى حرب الفرد ضد الفرد ، فحرب الفرد ضد الكل ، ثم حرب الكل ضد الكل ، وفي ذاك الخسران المبين .

ورغم محاولاتهم إضفاء الكثير من الموضوعية والقدسية والإطلاقية علي فتاواهم ، ورفعها إلى مصاف النصوص الدينية ، ومنحها قوة إلزاميتها، تبقى في شموليتها ، فتاوى تحمل في طياتها الكثير من التحيزات الذاتوية القمعية المشبعة بالاديولوجيات الظلامية المتحجرة المليئة بعتمة العقلية الخيالية الكهنوتية البعيدة عن نور العقل ، لكنها تؤثر حتما تأثيرات سيئة بما تخلقه من بلبلة فكرية وعقائدية ، تفقد الإنسان اليقين العقلي بسبب ارتطامات القيم والغايات ،و لعمري ذلك هو الإرهاب الكاسح، والفتنة الكبرى ، الملعون موقضها.

 [email protected]

2016-07-07