الثلاثاء 26/9/1441 هـ الموافق 19/05/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
الخليج العربي في دائرة الاستهداف...أحمد سمير القدرة

 

 تشهد دول مجلس التعاون الخليجي منذ سنوات محاولات مستمرة ومتواصلة من قبل قوى إقليمية وقوى فاعلة من غير الدول, لزعزعة الأمن والاستقرار السياسي والتطور الاقتصادي والسلم الاجتماعي, وإثارة الفتنة الطائفية بين مكونات المجتمع الخليجي, وتهديد الأمن القومي الخليجي. فنظرة شاملة ومبسطة على البيئة التي تقع ضمنها دول مجلس التعاون الخليج العربي فنجدها محاطة بالعديد من التحديات والتطورات والمتغيرات الدراماتيكية المتسارعة والصراعات والحروب كونها تقع ضمن بيئة إقليمية ودولية مضطربة, بدءً من سقوط نظام الشاه ونجاح الثورة الإسلامية الإيرانية والسعي المستمر لتصدير الثورة للدول العربية المجاورة ودعم ومساندة الطائفة الشيعية في تلك الدول, واندلاع الحرب العراقية – الإيرانية واستمرارها لمدة ثماني سنوات, وتوقيع معاهدة السلام المصرية – الإسرائيلية وما رافقها من انقسام في الموقف العربي, واشتداد التنافس بين قطبي النظام العالمي آنذاك - الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي -  فيما عرف وقتها بالحرب الباردة واقتراب الاتحاد السوفيتي من المياه الدافئة في الخليج بعد احتلال افغانستان عام 1979, وصولاً إلى انتهاء تلك الحرب بتفكك الاتحاد السوفيتي وانتهاء النظام الدولي ثنائي القطبية وتحوله إلى أحادي القطب بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية, واحتلال العراق للكويت, وتنامي ظاهرة الجماعات والتنظيمات الإرهابية في تلك الفترة ممثلة (بحركة طالبان والقاعدة), وأحداث الحادي عشر من سبتمبر التي أسفرت عن احتلال كل من أفغانستان والعراق, وفي هذه الأثناء بدأت تتكشف الأهداف والأطماع الإيرانية من خلال التمدد والنفوذ المتزايد تجاه المنطقة استثماراً لحالة الفراغ السياسي التي أوجدها سقوط النظام العراقي, وضعف الدول الإقليمية العربية المركزية وعجزها عن التأثير في المنطقة في تلك الفترة, فعملت إيران على دعم ومساندة حلفائها وأذرعها في المنطقة, والتي أصبح التواجد والحضور الإيراني فيها بشكل كثيف وظاهر في كل من (لبنان, سورية, اليمن, العراق), سعياً لتنفيذ مخططها ومشروعها الصفوي وتحقيق حلم الإمبراطورية الإيرانية, والاستمرار في بناء وتطوير برنامجها النووي للوصل إلى امتلاك القوة النووية.

حديثاً تشهد المنطقة العربية حالة من عدم الاستقرار والفوضى التي مازالت تعصف بها والتي كان عنوانها الحركات الاحتجاجية, فأسفرت عن سقوط أنظمة سياسية استمرت عقود طويلة وارتفعت أسهم التنظيمات والجماعات الإسلامية على حساب تلك الأنظمة السياسية, وما تمخض عن تلك الحركات الاحتجاجية التي أجيز تسميتها (ثورات الربيع العربي), اندلاع حروب وصراعات ذات توجهات طائفية وعرقية وقومية, بالتزامن مع البروز والظهور القوي لجماعات الإرهاب والتطرف في سورية والعراق وليبيا والمتمثل بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وتزايد تهديداتهم وخطرهم لأمن واستقرار المنطقة العربية بأكملها, وقيام جماعة الحوثيين بتنفيذ انقلاب على الشرعية السياسية في اليمن, كل هذا بالتزامن مع استمرار وتزايد وتيرة التدخلات الإقليمية والدولية وتشكيل تحالفات وتجاذبات واستقطابات وفق أجندات تلك القوى, حمايةً وتأميناً لمصالحها وخدمة لمشاريعها ومخططاتها الهادفة إلى إضعاف وتقسيم المنطقة العربية إلى دويلات وكنتونات, في ظل ما تشهده المنطقة من تحولات وتفاعلات استراتيجية وتنافس القوى الإقليمية والدولية وفاعلين من غير الدول في المنطقة, وعودة النظام العالمي متعدد الأقطاب, والذي أدى بدوره إلى اختلال وتغير في ميزان القوى وعودة سباق التسلح مجدداً, حيث شكلت هذه البيئة الإقليمية المشتعلة مصدر توتر وخطر وتهديد لدول منطقة الخليج العربي وأمنها القومي.

تستغل الجمهورية الإسلامية الإيرانية كافة تلك التطورات والأحداث من أجل تحقيق أهدافها ومخططاتها الطائفية تجاه المنطقة بأسرها وبشكل خاص منطقة الخليج العربي, حيث تنطلق إيران في سياستها وتحركاتها تجاه دول مجلس التعاون الخليجي العربي من منطلقات مذهبية, بتسخيرها كافة الإمكانيات والوسائل والأدوات لزيادة تمددها الطائفي ونشر المذهب الشيعي بشكل أوسع بين المكونات الاجتماعية الخليجية من خلال الاستفادة من المُكون الشيعي في دول مجلس التعاون الخليجي, كما أنها تعمل بشكل مستمر وممنهج في إثارة الفتن والمشاكل مستغلة بعض القضايا السياسية لتنفيذ مخططاتها الطائفية, إلى جانب الأهداف التنافسية والتي تأتي استكمالاً للمنطلق المذهبي, وأبرز تلك الأهداف التنافسية السيطرة على منطقة الشرق الأوسط, فهي – إيران – دولة إقليمية ذات تأثير فعَّال وتمتلك قوة عسكرية لا يمكن تجاهلها, فقد زاد الحضور والتحرك الإيراني في المنطقة بشكل أكبر بعد توقيع اتفاقية لوزان بين (G5+1) وإيران بشأن الملف النووي الإيراني, وهو ما زاد من قوتها وحضورها ودعمها بشكل أكبر وأكثر لحلفائها وأذرعها في المنطقة وإمدادهم بالمال والسلاح وتسخير كافة الوسائل والأدوات السياسية والدينية والعسكرية والإعلامية في تنفيذ أهدافها وأطماعها, وإشاعة حالة الفوضى وإثارة النزعة الطائفية وإحداث المزيد من الاضطرابات السياسية في دول المنطقة وتحديداً دول الخليج العربي.

كما أن التنظيمات والجماعات الإرهابية وتحديداً تنظيم الدولة الإسلامية (داعش), الذي يكثُر الجدل حوله وتكثُر الأدبيات والدراسات عن حقيقة وأصل هذا التنظيم وكيف ظهر ومن هي الجهات الداعمة له, فمنذ أن أعلن هذا التنظيم ظهوره في كلاً من العراق وسورية, بدء في السيطرة على مساحات واسعة في كلا البلدين بقوة السلاح, وارتكب الكثير من المجازر والجرائم بحق المدنيين, وبدء في نشر أفكاره ومعتقداته لاستقطاب أعداد أكبر ضمن صفوفه, والتغلغل والتوسع في مساحات أكبر وتوسيع دائرة عمله واستهدافاته, وهذا لم يعد خافياً على أحد, فأصبح لهذا التنظيم مواطئ قدم - وإن كانت ضمن خلايا نائمة - في العديد من الدول العربية والإسلامية والأوروبية والشرق آسيوية. هذا التنظيم استغل حالة الفراغ السياسي والفلتان الأمني والفوضى والحروب التي تضرب العراق وسورية واليمن وليبيا, لتنفيذ ما خُطط وأُعد له مُسبقاً, والتي جميعُها تتمحور بالأساس في تنفيذ إحدى مخططات الشرق الأوسط الجديد الهادفة إلى تقسيم وتفتيت الدول إلى دويلات أساسها الطائفية والقومية والعرقية, وذلك من خلال نشر الفتن الطائفية وإثارة النزعة الانفصالية وإنهاء الدولة القُطرية الموحدة, لتكون تلك الأعمال نقطة انطلاق من قبل الدول والقوى الإمبريالية والدول الإقليمية والدولية المتنافسة للتحرك تجاه الدول التي يتنشر بها الإرهاب للتدخل بها عسكرياً للقضاء على الإرهاب والتنظيم في آن واحد, والذي بطبيعة الأمر سيسفر إلى اضعاف الدولة الموحدة, بالقضاء على قوتها السياسية والاقتصادية لتصبح دولة تابعة غير قادرة على ادارة شؤونها الداخلية, وإضعاف قوتها العسكرية حتى لا تُشكل في المستقبل أي تهديد وخطر قد يُؤثر على مصالحهم في المنطقة. فبعد مرور قرابة العامين على تشكيل التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب, لم تتمكن تلك القوى المتحالفة من تحقيق الهدف الذي على أساسه شُكل بالقضاء على الإرهاب, وهذا مؤشر واضح على أن التنظيم ليس هو المستهدف بالدرجة الأولى, فالتنظيم وجد لتنفيذ مهمة, وإنما المستهدف هو الدولة الموحدة, وقد نجح التنظيم والقوى الإقليمية والدولية المُغذية له من زج الدولة في صراعات داخلية واستنزاف قواها السياسية والاقتصادية والعسكرية وضرب الوحدة الوطنية وإحداث انقسامات داخل التكوين الاجتماعي للدولة.

دول الخليج العربي ليست في منأىً عن كل ما يجري في المحيط, ففي الآونة الأخيرة تشهد دول الخليج العربي استهداف مُنظم وتهديد مُستمر من قبل إيران وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش), فإيران استغلت الحركة الاحتجاجية التي انطلقت منتصف فبراير 2011 في المملكة البحرينية لتزيد من تدخلها في الشأن البحريني بشكل خاص والخليجي بشكل عام, فبدأت بتسخير الوسائل المادية والإعلامية لدعم الطائفة الشيعية في البحرين, وتوظيف الماكنة الإعلامية والمنابر السياسية والدينية لانتقاد النظام السياسي البحريني, والتدخل في الشأن الداخلي البحريني, بإطلاق التصريحات والبيانات من قبل المستوى الرسمي من أعلى قمة الهرم السياسي الإيراني والذي يُمثله المُرشد وولاية الفقيه إلى جانب الحرس الثوري, وأيضاً من قبل المستوى غير الرسمي, والتي جميعها موجهة بشكل أساسي ضد النظام البحريني, في محاولة منها لتأليب الرأي العام البحريني على النظام والحكومة وإثارة الفتنة الطائفية, لزعزعة الأمن والاستقرار والوحدة الوطنية البحرينية من خلال تحريك خلاياها وأذرُعها في المملكة, والأمر ذاته ينطبق على كل من الكويت والسعودية, ولكن بشكل أكبر في السعودية, فبعد أن قامت قوات درع الجزيرة العربية بالتدخل في المملكة البحرينية بقيادة السعودية, لحماية الأمن القومي البحريني والخليجي للتصدي للخطر والاستهداف الإيراني الموجه ضد كافة دول الخليج العربي, لم تتوانى إيران لحظة في توجيه الاتهامات والتهديدات والتصريحات المنتقدة للنظام السياسي السعودي, والاشتباك غير المباشر مع السعودية ودول الخليج كافة, وزادت عاصفة الهجوم الإيراني بعد حادثة التدافع التي شهدها موسم الحج المنصرم 2015 في مشعر منى, والذي خلًّف مئات القتلى معظمهم إيرانيين, وتنفيذ عدة هجمات إرهابية بواسطة خلاياها ضد المساجد في السعودية والكويت, بالإضافة إلى تدخلها المستمر في الشؤون الداخلية وانتقادها لسياسة دول مجلس التعاون الخليجي, وانكشاف أطماعها تجاه الخليج العربي, والأحداث الجارية في الجمهورية اليمنية خير دليل على التدخل الإيراني في منطقة الخليج العربي, بدعمها المستمر لجماعة الحوثيين, والذي زادت ملامحه بتنفيذ الحوثيين انقلاب على السلطة الشرعية اليمنية, والذي شكٍّل تهديد للأمن القومي الخليجي.

من جهة أخرى, تزايد في الآونة الأخيرة نشاط الجماعات والتنظيمات الإرهابية وتحديداً (داعش) في منطقة الخليج العربي, بتجنيد أعداد من الشباب الخليجي وضمهم لصفوفه, وتنفيذ أعمال إرهابية واستهداف العديد من المرافق الأمنية والدبلوماسية والدينية, والتي كان آخرها في السعودية بتنفيذ ثلاثة تفجيرات الأول بالقرب من القنصلية الأمريكية في مدينة جدة والثاني بالقرب من المسجد النبوي في المدينة المنورة والثالث في مدينة القطيف. وهنا نطرح التساؤل التالي: ما هو هدف (داعش)؟ بشكل مختصر تكمن الإجابة في سعي (داعش) لاستغلال التدخل الإيراني في الشؤون الداخلية الخليجية, وتوجيه عمليات إرهابية ضد دور العبادة للطائفة الشيعية في دول الخليج, لخلط الأوراق وتعزيز روح الفتنة الطائفية داخل النسيج الاجتماعي الخليجي, لزعزعة الأمن والاستقرار الداخلي الخليجي, فهي بذلك تعمل على توظيف البُعد الطائفي, من خلال وجود مخططًا لإحداث حالة من الفوضى في منطقة الخليج العربي, نظراً لأن دول الخليج العربي من أكثر دول المنطقة استقراراً, كما أن من أهداف (داعش) ضد دول الخليج العربي, محاربة الأنظمة السياسية الخليجية, وضرب الوحدة الوطنية الخليجية, فالتنظيم يعمل على توظيف الطائفية والمذهبية واستثمارها واستغلالها خدمةً لأيديولوجيته ومخططاته, بما يخدم مصالح القوى الإقليمية والدولية المتنافسة.

وعليه, نجد أن المخططات والتحركات الإيرانية تجاه منطقة الخليج العربي, تتقاطع مع تحركات التنظيمات والجماعات الإرهابية بزعامة (داعش), فالهدف المشترك فيما بينهما نشر الفوضى وإثارة الفتنة الطائفية وزعزعة الأمن والاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي, ونشر روح الكراهية والفُرقة بين النسيج والمكون الاجتماعي الخليجي, وهذا ما يجعل دول الخليج العربي كافة ضمن دائرة الاستهداف والتهديد والخطر المستمر.

في المقابل وعلى الرغم من كل هذا, نجد أن الأنظمة السياسية الخليجية والمجتمع الخليجي على درجة كبيرة من التكامل وعلى درجة كبيرة من الوعي والإدراك بما يُحاك ضد دولهم, ودلالة على ذلك اليقظة الأمنية من خلال التدابير والإجراءات الأمنية, واستهدافهم للكثير من البؤر الإرهابية واعتقال العديد من الخلايا الإرهابية, والتأكيد على الوحدة الوطنية بين كافة مكونات المجتمع الخليجي بنبذ الفرقة والتمييز, ونشر الوعي الديني والسياسي, ومعالجة كافة الإشكاليات من خلال الحوار البٍّناء لقطع الطريق أمام كافة المخططات والتدخلات التي تستهدف دول الخليج العربي وأمنها القومي.

أحمد سمير القدرة

باحث في شؤون الشرق الأوسط والعلاقات الدولية

[email protected]

 

2016-07-08