الأحد 2/2/1442 هـ الموافق 20/09/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
مخلفات رمضان التلفزيونية...عبد الهادي شلا

 مضى شهر رمضان ،مخلفا أثارا يصعب القول أنها ستزول في المدى قصير من ذلك الكم الغير عادي من مسلسلات رمضانية إستوطنت خيالات المشاهدين الذين فقدوا من الوقت الكثير وهم يتابعونها على أمل أن "يصدق" كل ما سبقها من دعايات بأنها تحمل الجديد و تضع حلولا لمشاكل المجتمع العربي وتصورات لمستقبل أكثر إشراقا. خاب ظن الجميع إلا أولئك الذين لا يقيمون قيمة للوقت ويرضيهم أي شيء يشغل وقتهم غير مكترثين بما تركته من أثار سلبية لاشك أنها ستبقى ماثلة في خيالاتهم لزمن طويل. يبدو أن لا أمل في فكر يضيف جديدا للمشاهد أو يرقى بمشاعره الإنسانية ويخرجه من دوامة الكبد اليومي وما آل إليه الحال . نعرف أن الفن " قيمة سامية" منه تشرق أنوارالحضارات وفيه يحفظ تاريخ الأمم مهما صغر حجمه أو شكله أو صورته. ونعرف أنه رسالة،يجب أن تكون إنسانية بالدرجة الأولى وإن للتسلية نصيب منه دون أن يخلو من عبرة أو موعظة تقدم بحنكة ومهارة هي التي تكسب الفن تميزة. منذ سنوات ليست بالقليلة ومع "طوفان القنوات الفضائية"أخذت دفة المسلسلات تميل إلى غير صالح رسالة الفن بشكل خالص و تغلبت عليها النزعة التجارية وهيمنة "البطل الواحد" مما أضعف المضمون حين تم حشر الكثير من المشاهد لتغطي مساحة العرض في ثلاثين حلقة دون أن يبذل المخرجون في أغلبهم الجهد الكافي ليحافظوا على الدفعة القوية لكل حلقة لتأسر المشاهد وتبقيه جالسا يخشى أن تفوته ثوان من العرض. وبدعوى تفشي ظواهر غريبة على المجتمع العربي والمخرجون يقدمون مسلسلات تعتمد على - كما يقولون- معالجة بعض المشاكل مثل الإدمان أو التحرش أو البلطجة وغيرها حتى أصبحت سمة الكثير من المسلسلات وبشكل مزعج حين يحمل العرض تفاصيل دقيقة لا يعرفها المشاهد عن سلوكيات المدمين مثلا أو إستخدام بعض الألفاظ النابية التي لم تعرفها الشاشة إلا ما كان نادرا وفي حدود الحاجة لها فكانت صدمة للمشاهد لتخرج رسالة الفن عن الجادة . الجيل الذي عاصر بدايات الأرسال التلفزيوني في أوائل الستينيات من القرن الماضي مازال يتذكر تلك البرامج المقننة والمفيدة التي كان يشرف عليها مذيعون على مستوى عال من الثقافة والحرفية وكذلك المسلسلات التي كانت تعرض مرة واحدة في الأسبوع فيبقى المشاهد على شوق في إنتظارها. ومن قبلها كانت الإذاعات تبث برامج متعددة ومتنوعة ما بين أدب وفن وبرامج أطفال وأسرة في وقت كان المجتمع العربي في حاجتها الأمر الذي رسخ مبادئ وقيم إجتماعية ووطنية في نفوس المتابعين. لا نقلل من قيمة كل ما يقدم عبر الوسائل الإعلامية " مرئية و مسموعة" رغم إقتحام عالم الألكترونيات الساحة بقوة وسيطرة تامة عليها ،بل أن الأمر لا يخلو من أعمال جادة قليلة جدا تكاد تضيع في الزحام وتجرفها سيول المسلسلات التي يصعب متابعتها جميعا. مضى رمضان وبقيت المسلسلات ليعاد عرضها على مدى العام حتى تتحفنا الفضائيات بسباق جديد تعرضه في رمضان القادم. فهل نتوقع جديدا في الفكرة والصورة والمضمون؟ أم سيخيب ظننا كما خاب من قبل ولأعوام ليست بالقليلة ؟!

2016-07-13