الأحد 2/2/1442 هـ الموافق 20/09/2020 م الساعه (القدس) (غرينتش)
قريبا في الاسواق ملابس واحذية من جلد انسان...كامل بدوي

توقفت السيارة الرولز رويس أمام بوابة المول الضخم الذى روعي أن يكون أكبر مول في العالم وبتصميم فريد، فخامة المول لا تقل عن فخامة المحلات والمعارض التي تقبع بداخله، لا تباع فيها سوى الماركات العالمية، أما الغثاء فمكانه ليس هنا، تقدم البواب الذي يرتدي ملابس مميزة مطرزة أنيقة إلى السيارة وفتح الباب وانحنى لركابها، من تلك السيارة نزلت امرأة ورجل وهما ينظران إلى الأرض بنوع من التأفف، ولسان حالهما يقول: لم نحن ملتصقون بهذه الأرض المقرفة؟ نحن أعلى من ذلك بكثير، فتحت لهما أبواب المول وانحنى الواقفون جميعاً لهما وكأنهما آلهة.
 دخلا حيث تشع كل فترينة بما فيها من بضائع مميزة وجيدة ونفيسة، اتجهت السيدة من فورها إلى معرض خاص بالفراء، بينما انحنى لها الرجل في احترام مخبراً إياها بأنه سيذهب لمعرض خاص بالجلود، ومن ثم سيلتقيان في المقهى الكلاسيكي بالقرب من بوابة المول...

تقدم مدير المعرض للسيدة وأمر البائع بالانصراف، فشخصية مثل هذه لا يتعامل معها إلا الكبار، سيدتي ماذا تفضلين؟ أجابت: أريد فراء ولكن من الأشياء المميزة التي لا نراها إلا نادراً، فقد سئمت من تكرار الأشياء، وما أرتديه أجد أن عشرات غيري يرتدينه، أومئ الرجل برأسه وانحنى أمامها بكل أدب، وأمر مساعدته بإحضار فراء الشنشلا، وهو من أنعم أنواع الفراء في العالم، أعجبت المرأة به كثيراً وسألته: وكم ثمن هذا المعطف؟ أجاب: سيدتي فقط 24999 دولاراً، تبسمت المرأة وهي تتحسس الفراء وتضعه على خدها من شدة نعومته قائلة: يا له من فراء جميل، ماذا لديكم أيضاً؟ أجابها: لدينا فراء الثعلب الرمادي النادر وفراء الفقمة وفراء الدب القطبي والكلاب المبرقشة وأشياء أخرى كثيرة... ولكنها لا تليق بسيدة مثلك، لقد أحضرت لك أفضل شيء لدينا، ولكنني سأريك آخر صيحة لدينا وستكونين أنت أول من ستعرض عليه تلك السلعة، إنه فراء صغار الباندا كم سيكون جميلاً وأنت تضعينه على كتفيك، لك أن تجربي ذلك، وأنا على يقين أن ذوقك العالي وحسك المرهف سيعجب بتلك التحفة الفنية.

الرجل في معرض الجلود يجلس على الكرسي الفاخر الموجود في منتصف المعرض، يحيط بالرجل 3 سيدات، إحداهن تقدم له الشاي الإنجليزي والأخريان تقومان بخدمته وإحضار ما يريد، كان قد طلب منهما جزمة من جلد التمساح، ولكن السيدة أخبرته أن ذلك لا يتماشى مع أسلوبه الراقي، فعرضت عليه جزمة من جلد الحوت الأزرق، وهي أفخم وأقيم من جلد التمساح، مع جزمة أخرى من جلد عجل البحر، أعجب الرجل بهما كثيراً، وطلب منهما رؤية ما لديهما أيضاً، أحضرتا له تقريباً كل شيء في المعرض، فما فيه ليس إلا بعض القطع النادرة، أعجب بذلك الحزام المصنوع من جلد الكنغر، وتلك القبعة من جلد ثعلب الفنك، وقفاز جلد الوطواط، والغليون المصنوع من العاج والمطعم بقشر قوقع السلحفاء البحرية، وحقيبة جلد النعامة... اختار من بينها ودون سؤال عن القيمة أعطى الموظفة المسؤولة عن الحساب بطاقة الائتمان الخاصة به، طالباً منها سرعة إنجاز العمل.

السائق في السيارة أمام بوابة المول ينتظر، تفتح لهما الأبواب فيخرجان ومن خلفهما نفر كثر يحملون لهما الحقائب المملوءة ببعض السلع التي صرفا فيها قرابة 67999 دولاراً أميركياً، ركبا السيارة واختفيا... المنظر يتكرر باختلاف المولات وأنواع السيارات وأنواع الأشخاص أو مقدرتهم الشرائية أو المالية، أشياء كثيرة مختلفة، لكن الجزء المشترك هو تلك الأشياء التي نشتريها ونبحث عنها... جلود حيوانات، عظام حيوانات، عاج أو أنياب... أي شيء المهم أن يكون مصنوعاً من الحيوانات ومهما كان اسم الحيوان غريباً كان ذلك أدعى للشراء حتى ولو كان الحيوان ليس له وجود أصلاً، المهم أن نرضي غرورنا...

 نعم نبحث عن أي شيء له علاقة بالحيوانات، ولذلك كل شيء يباع، فذلك أمر يشبع أنفسنا الجائعة لكل شيء، ليس ذلك فقط لكنه يعيدنا لطبيعتنا المتوحشة ولبدائيتنا.فقد كنا نعيش في الكهوف والمغارات ونقتل الحيوانات لكي نأكل لحومها ونستفيد من جلودها وفرائها، هكذا كنا وما زال من يعيشون في الغابات يفعلون ذلك، وكذا يفعل بعضنا ممن يتشدقون بالمدنية والثقافة والعلم، قد نكون راغبين في فعل ذلك فنرى أن شراء تلك الأشياء هو السبيل.
ما نفعله قد يعيد تذكيرنا بالموروثات والقصص والأساطير، فمن يرتدي جلد النمر هو القوي والمسيطر وهو الصياد المغامر، ومن ترتدي فراء الثعلب هي ناعمة وسيدة لديها القدرة والمستوى المرتفع من الفهم والإدراك وهي الليدي... هكذا نرى أنفسنا ونرى الأشياء من حولنا، نرى فيها قوتنا وعظمتنا ومكاننا، لكن هل نظر أحدنا إلى ما بداخله ولو لمرة، وليس إلى ما حوله؟

 

نقتل حيوانات لنجعل من جلودها جزمة أو معطفاً أو حزاماً .. نقتل حيواناً لنصنع منه محفظة أو شنطة، نضع فيها بعض متعلقاتنا الشخصية، ولنا أن نتخيل أننا نمسك بحيوان، ونشق جسمه لنضع بداخله علبة المكياج والمفاتيح وعلبة السيجار والهاتف المحمول... مضحك ذلك المشهد، ولكن هذا ما نفعله فعلاً، نحن نقتل لنستمتع، نقتل لمجرد القتل، نصنع من كل شيء شيئاً لا يساوي شيئاً، إن كنا نستفيد منه بالقدر المطلوب ولا يضر بالبيئة فلا مانع في ذلك، ولكن أن نشتري جزمة أو حذاء أو مركوباً، كما يسمى في السودان من جلد النمر أو الفهد أو الأسد لنرتديه مرة أو عشرة مرات، ثم نلقي به في سلة المهملات، فهذه ظاهرة سيئة تشير إلى تفاقم هذا النوع من الأمراض، مرض إشباع النفس دون تفكير أو تدبر.
 حكمتنا الماديات وأصبح كل شيء يقيم بالمادة، حتى نحن في نظر البعض لسنا إلا رقماً... لا نبالي بما أو بمن نقتل، ولا نبالي بقيمة ما نقتل ولا بأهميته، كل ما نفكر فيه هو أنفسنا ومنظرنا أمام الآخرين، وأمام أنفسنا حتى لو كانت أنفسنا غير سوية، أو بمعنى أدق مريضة.

لو كانت الحيوانات تشتكي لسمعنا ملايين الشكوى مما يفعل بها بنو البشر، ولو كانت الطبيعة تتكلم لصرخت في وجوهنا قائلة: كفوا أيديكم عني فأنتم تخربون كل شيء وتتلفون كل ما حولكم، إن كنتم تعتقدون أن ذلك لن يضركم ولن يلحق بكم الأذى من جراء ما تفعلون، فأنتم مخطئون، كفوا وتعاملوا مع ما حولكم بحكمة وحرص.

هل لنا أن نتخيل انقلاب الآية، وأن هناك محفظة من جلد رجل أوروبي وحزام من جلد رجل أفريقي أو معطف من جلد رجل آسيوي ذي لون قمحي أو شنطة من جلد امرأة يابانية، قد تضحكون، ولكن هذا ما نفعله بالحيوانات، ليس ذلك سوى لأنها حيوانات، وأتمنى ألا تضحكوا كثيراً فجلد البشر قادم، وسيكون متاحاً في الأسواق بكل الأشكال والألوان طالما أن المادة هي من تحكمنا، وطالما أننا نسعى للبحث عما يشبع أنفسنا المريضة... احرصوا على أنفسكم وعلى كل ما هو حولكم، حتى لا تكونوا سلعة وسط السلع في يوم من الأيام.

2016-07-17